الرئيسية » مقالات » النكد في مجتمعنا ( شرقٌ و غرب )

النكد في مجتمعنا ( شرقٌ و غرب )

الشرق …هذا اللغز الذي كان منذ القدم مكانا جذابا لاهتمامات الشرقيين …..ليال ألف ليلة وليلة ….الحريم .. الأبنية التي تعكس حياة الشرقيين .. الدفء الساحر الذي يربط بعضهم البعض .العادات التقاليد التي تبدو ذات تضاريس شائكة متداخلة يصعب على الكثيرين من المهتمين بالشرق أن يفكوا الغازها.
عاداتنا التي نتباها بها ..تقاليدنا الفولاذية ..شوارعنا المليئة بالقمامة وأرصفتنا المتكسرة ولساننا الذي لا يكف عن الحركة ، يلفظ ملافظاً تكون في أكثر الأحيان قنابل مجهزة لأن تنفجر في أية ثانية ، الهموم التي نحملها في طيات جلدنا الأسمر كسنابل القمح التي تتموج مع هبوب الريح ..كثيرة هي همومنا ..
النكد في كل خطواتنا لا يتركنا ولا نريد أن نتركه ,أصبح في الكثير من الأحيان سلاحنا ندافع به عن أنفسنا .
في أحيانٍ كثيرة اجلس في عزلة عن هذا العالم السريع من حولي ..أتأمل..
حاولت كثيرا أن أتعلم هذا الفن و لكنني لم استطع ، هذا الفن الذي بات اختصاصاً منفرداً بحد ذاته له مدارسه الخاصة ومحبيه في عصر التوتر الذي نعاني منه ، بالرغم من كل محاولاتي لكنني لم استطع أن أسيطر على أعصابي المتشنجة واسمح لنفسي أن أغمض عيني و أسبح في بحور التأمل و لكن هذا لا يعني أنني لا أتأمل على طريقتي الخاصة.
ومن إحدى هذه التأملات التي وصلت إليها هي الفروق الكثيرة بين الشعوب ومنها جذوري الكردية الشرقية وألمانيا الأوربية وهي فروق كثيرة اختصرتها بالتالي :
المرأة الشرقية تطبخ بمدة تقارب الساعتين لتأكل العائلة الشرقية في دقيقتين فمن عاداتنا الشرقية أن نسرع في تناول الطعام وهي من آداب الطعام وكأننا في فترة صيد، الشاطر من يبتلع الطعام بسرعة وبعدها تأتي شكاوى عسر الهضم.
أي أننا لا نستمتع بالجلوس والتحدث والمذاق ..
أما المرأة الأوربية أن طبخت تستغرق بضع دقائق في إعداد الطعام ، هذا أن لم يكن الرجل طبعا !! وتجلس العائلة أن وجدت لمدة ساعتين يتمتعون خلالها بالمذاق والحديث في أمور كثيرة في الحياة مع العلم أن المجتمع الأوربي يعاني من ضيق الوقت!!
الناس في مجتمعنا وخاصة المرأة كثيرة الشكاوي لا تكف عن المطالبة ،تدعي أنها مسكينة والقطط تأكل حقوقها دائما ، أن سألتها كيف صحتك .؟ تبدأ بل أي…وتنتهي بل أوي.حيث إذا فتحت فمها كفتحة البركان الثائر يطلق غازات سامة ويقذفك بنيران من اللافا..”عظامي تؤلمني .عيناي لم اعد أرى فيهما ,قلبي لم يعد يخفق مثل زمان.. قدماي لا تتحركان وهكذا.
أي كل شيء في جسدها يؤلمها مع العلم أن أكثر هذه الأوجاع وهمية ,نفسية ,وراثية ، توارثناها من جيل إلى جيل … أي استمرارية للنكد.
والشرقيين بشكل خاص لا يتبعون نصائح الأطباء فهم يحرصون على الغذاء الدسم مع الشحم واللحم والملح ثم يقولون (ليش طلع الضغط)؟؟
المرأة الحامل في مجتمعنا تشتكي وتتدلل كثيراً وكأنها هي الوحيدة التي تحمل الأجنة في بطنها
المرأة الأوربية تقول الحمل ليس مرضا .لذلك نجدها تسوق الدراجة حتى في أشهر متطورة من الحمل وتمارس السباحة والتمارين الرياضية المسموحة لها في فترة الحمل .
في مجتمعنا وخاصة في منطقة الجزيرة بالتحديد وقبل هذه السنوات الأخيرة من القحط والجفاف وكنت استغرب دائما من الفراغ الذي يأكل من وقتهم .فأصحاب الأراضي كان معيبا أن يعملوا في أي عمل آخر ، كل منهم كان يفتخر بأنه من ملاكي الأراضي ، يعمل في أرضه في مواسم الزراعة وبعد الانتهاء من هذه المواسم يبدؤون بمواسم لعب الورق ..شهور كثيرة ..تنتهي النقود التي ربحوها من الزراعة وان انتهت يبدؤون في دوامة الصراع مع الديون التي تتراكم عليهم حتى يحين مواسم الزراعة من جديد يبدؤون بتسديد الديون المتراكمة عليهم في موسم الحصاد، يؤجلون الأعراس والأفراح وتسديد الديون إلى ذلك الحين … وهكذا …بدل أن يستفيدوا من أوقاتهم ويعملوا في أعمال أخرى تأتي عليهم ومن حولهم بالخير والعطاء..والتقدم ..
أما الأوربيين يستفيدون من قطعة ارض صغيرة بتنوع المحاصيل التي تعود عليهم بالخير ، واكثيريتهم يستفيدون من أوقات الفراغ في تحسين وإنماء شخصيتهم وتخصصاتهم .والقراءة في وسائل النقل .عادة لابد منها ..لإشباع الروح والعقل .
المسنين في مجتمعنا .يبدئون عملية النكد على بعضهم البعض كأزواج .عاشوا حياة طويلة معاً ، ولكن بما أن الأولاد كبروا فقد باتت الساحة خالية من أية عوائق .فيبدؤون بتصويب أسلحتهم في رؤوس بعضهم البعض ،فتبدأ أيام مليئة (بالبط بط).
(بط بط ليل نهار) …..ويبدؤون في سرد حكايات..منذ عصور قديمة .
أما المسنين الأوربيين يبدئون في هذا العمر الذي ذهب الكثير منه ولم يبقى ألا القليل في العودة إلى أيام الحب ، إلى الذكريات الجميلة ويصبحون مترابطين مع بعضهم البعض أكثر ، فمنهم من يبدء بمحاولة تعلم أشياء جيدة لم تترك الظروف في الماضي أن يتعلموها كالرقص والكتابة وممارسة الرياضة الجماعية .ورحلات خاصة للمسنين وزيارة معالم أثرية حتى منهم من يتزوج في السبعينات من عمره . ولا ينسون الاهتمام بأنفسهم .كزيارات عند الكوافير و المنيكور والبيديكور وغير ذلك وبشكل مستمر…وهي من الأشياء التي تجعل من الحياة مستمرة
الشرقيين بشكل عام يجاملون كثيراً ويقسمون بالله في اليوم الواحد ألف مرة بالكذب مع العلم هم مؤمنون ويصلون ويصومون
الأوربيون ، لا يذهب ألا القليل منهم ليمارس شعائر الدين لديهم ، لا يجاملون ولا يخافون من قول الحقيقة في وجهك حتى وان كانت تجرح .
الشرقيين لا يحبون البيئة ولا الدولة أي أنهم يقطعون الأشجار ويمزقون الأزهار تحت أقدامهم ويحملون معهم سكاكين إلى السينما يفرغوا مآسيهم في المقاعد، فهي ملك للدولة التي هي بحد ذاتها لا تؤمن الحياة المستقرة لشعوبها .
أما الأوربيين يحافظون على بلادهم ومن يخالف قوانينها يبلغون عنه حتى وان كان احد أقاربهم ،الرجل الشرقي يعتبر المرأة ملكا خاصة له ويقيم الحروب من اجل الدفاع عن مؤخرتها لمصلحته الشخصية والرجل الأوربي يعتبرها شريكا تملئ عليه حياته ، وقد تمر عليهم سنين كثيرة حتى يتأكد من حبه لها ويقول لها بأنه يحبها.
الشرقيين يراقبون بعضهم البعض ، ينكدون على أنفسهم ثم ينكدون على من حولهم
الأوربيين ينعزلون ..لا يهمه ماذا يفعل جاره ..
الشرقيين يعيشون في الماضي……الأوربيين يجعلون المستقبل هدفا يسعون إليه..
الشرقيين يأتون على المواعيد بعد ساعتين والأوربيين على الموعد المحدد
الشرقيين يقومون بالطقوس الدينية ليدخلوا الجنة ويحولون الأرض إلى جهنم من ورائهم ..الأوربيين يعتبرون الأرض جنة ولا ينتظرون أي شيء آخر
الشرقيين يجعلون مصدر همومهم وأحزانهم منذ القدم و أوجاعهم أمريكا و إسرائيل ولا ينتقدون أنفسهم ولا يعترفون بأخطائهم حتى القمامة التي يلقونها في الشارع من صنع أمريكا وإسرائيل والشيطان الرجيم..
الأوربيين مسؤولون عن كل تصرفاتهم .
الشرقيين يحبون الفوضى ويتقيدون بنظام ، ولا يعرفون شيئاً اسمه الانتظار المنتظم الواسطة هي حل لمشاكلهم ومتطلباتهم الصغيرة والكبيرة
الأوربيين ينتظرون الدور حتى وان استغرق ساعات ….للحصول على ما يريدونه والواسطة كلمة لا يوجد لها مكانة في تاريخهم..
هذا بعض ما توصلت إليه.. ولكن هذا لا يعني أن الشرقيين ليست لهم مزايا جميلة والأوربيين لهم مزايا جميلة دائما ، فالفروق كثيرة ومنها سلبية وايجابية في كل المجتمعات لكنني بشكل عام كتبتها .وحاولت أن القي الضوء عليها ، وهذا النكد الذي توارثناه له أسبابه الكثيرة ، إما أن يكون الشخص مسؤول عنها أو أسباب كثيرة تجعلهم هكذا
وأتمنى أن لا نكون في مجتمع يبحث فقط عن السعادة الأبدية وننكد في حياتنا على الأرض وحياة الأخريين
وان نستمتع بهذه الحياة بكل جوانبها الجميلة والقبيحة ..ونساهم في تقدم الحضارة والخير الجميع .
نارين
المانيا