الرئيسية » مقالات » الإعلام الالكتروني العربي

الإعلام الالكتروني العربي

إن الإعلام ، يحافظ على نفسه ، كفضاء متنوع للحياة ، وكمرآة عاكسة للأحداث ، وكفسحة أنفاس للحرية .. انه بمثابة رئة للمجتمع ورقيب للدولة .. ويحافظ على نفسه بأشكال شتى: إعلام رسمي ، أو معارض ، أو مضاد ، أو مكشوف ، أو ممّول .. انه يتحرّك من قبل أجهزة لها قوتها وحرفيتها المهنية وتقاليدها إزاء قوى مسيطرة ، أو نافذة ، أو ضعيفة ، سياسية ، أو اقتصادية ، أو اجتماعية فالصحافة ليست سلطة رابعة أو خامسة ، بقدر ما هي سلطة ينبغي أن تكون لها استقلاليتها القاطعة .. ولها ارتباطاتها بالمجتمع ، كما لها امتداداتها بين المواطنين أو بين الناس . إنني اعتبرها ، الضمانة الحقيقية للحقوق والواجبات ، والوسيلة الأكيدة لإبقاء التنوع والتعدد في الآراء.


إن النشر الالكتروني باب جديد في العالم يفتتح الآن تجريبيا ، ولأنه قبل ظهور الانترنيت كانت هناك وسائل إعلامية تكنولوجية أخرى لم يستطع أحدها أن يلغي الآخر ، فلا الإذاعة ألغت القراءة ولا التلفزيون ألغى السينما…. واعتقد إن ثورة الكومبيوتر ستقّدم للإنسانية مستحدثات جديدة في القرن الواحد والعشرين .. لقد سئلت حول تأييدي فكرة النشر الالكتروني لتحقيق مشروع إعلامي حضاري. فقلت : ” إنني لست ضد وسائل النشر الإعلامية الاعتيادية ، ولكن العالم كله يدخل فضاء جديدا ، وعلينا شئنا أم أبينا أن نطوف في أرجائه .. إن النشر الالكتروني عامة بحاجة الى شروط وأسس وقواعد وقوانين وتشريعات من اجل كبح جماح التناقضات التي خلقها هذا العصر .. إن هذا الثورة الجامحة قد خلقت مشكلات كبرى في مجتمعاتنا التي دخلت هذه الميادين من دون أية اطر ولا محددات ولا أي ضوابط ، كما هو الحال في اغلب المجتمعات المتقدمة.. إذ لا يمكن نجاح أية تجارب إعلامية الكترونية في محيطنا العربي ومنظوماتنا الاجتماعية من دون اية ضوابط، كما يجري اليوم من تداعيات فوضوية وتعميقا للتناحرات باسم حريات الرأي .


إن حقول الإعلام المختلفة في منطقتنا بالكامل، باتت فاقدة لتوازنها ليس بفعل السياسات التي تحركها، بل أيضا بفعل هذا التطور الهائل في الاتصالات وتكنولوجيا الإعلام.. اذ بات الكل مشترك في صنع الكلمة بوسائط متباينة.. لعل أخطرها الانترنيت ومشاركة هذا الكم الهائل من المجهولين في بث الأخطاء ، وتزييف المعلومات ، وحجب الحقائق ، وتهميش الوقائع..، والنيل من كرامة الناس . لقد وصل الابتذال إلى حدود دنيا من السقوط، حتى باتت الحقيقة مغيبة في قعر هذا المحيط الذي تنتفي منه المصادر انتفاء كاملا.

كان الإعلام في السابق مؤثرا جدا لمعرفة مصادره ، وقوة فاعليته في كل الأوساط ، وخصوصا الشارع السياسي ، والبيت السياسي، والمنتدى الاجتماعي ، وفي المدرسة ، والنقابة ، والمصنع وكل المؤسسات.. كان ينقل تعبير المجتمع وكانت الدولة تخشى قوة الكلمة المكتوبة والمذاعة.. اليوم ابتذل الإعلام بفعل هشاشة الكلمة ، وفجاجة الخطاب، وأصبح الكل يكتب ما شاء له ان يكتب.. لم يعد المجتمع له الوقت الكافي ليتابع أي قضية ، أو أي أزمة ، أو أية مشكلة ، إذ غرق المجتمع نفسه في المشاكل!! أما الدولة، فلم تعد تخشى أي مقال ، أو أي كاتب ، أو أي إذاعة ، أو أي محطة تلفزيونية لأن هناك ما هو إعلامي رسمي ، أو مرتزق ، أو مشترى أصلا ، أو مبتذل .. ضاعت المواقف بين أصحاب الحقيقة وبين المشوهين المفذلكين والمفبركين .. إن الإعلام العربي بقدر ما يصرف عليه من الأموال، فهو متراجع وكسيح وهو يهتم بالدولة والسلطة أكثر من اهتمامه بالمجتمع والقضايا الشعبية ! انه يهتم بالفن الرخيص والمواعظ الساذجة والتفاهات أكثر من اهتمامه بالعلماء والأدباء والمفكرين.. لقد ساهم الإعلام العربي، مع كل الأسف، في تأجيج الأحقاد والانقسامات وكان سلعة تباع وتشترى من قبل دول ومؤسسات وأشخاص لا علاقة لهم أبدا بالكلمة والموقف والخطاب..

إن الإعلاميات الهزيلة ينبغي لها، أن تجد البدائل الحقيقية بمشروعات إعلامية حضارية وملتزمة ويكفلها القانون ، كي تغدو قوية مؤثرة ومبدعة تجد مكانها تحت الشمس، وإنني عندما أخاطب مؤسسات إعلامية مسيطرة على الأفكار والعقول ، فإنها باتت لا تفي اليوم بمستلزمات العصر أبدا وإذا كان بعضها قد ارتبط مع هذه الحكومة أو تلك السلطة، فان بعضها الآخر كان قد تأسس على أيدي أمراء ورؤساء جمهوريات وحكومات ووزراء سابقين.. إنني لست ضد ذلك أبدا، ولكنني ضد الأجندة السياسية المفروضة والمرتبطة بأناس مثيرين للشغب والانقسامات .

إن من أسمى ما يمكن التطلع إليه، أن يأتي انبثاق المؤسسات الإعلامية في مثل هذا الوقت بالذات من بدايات القرن الواحد والعشرين ، كي يلبي حاجة أساسية يتطلبها الواقع المرير الذي تمر فيه أوضاع المنطقة كلها، وان تسهم في معالجة المشكلات وان تخلصنا من كل التناقضات .. لا أن تزيد من تعاسة مجتمعاتنا وضعف دولنا . ولكن السؤال: هل يمكن أن تبقى مثل هذه “المؤسسات” مستقلة ” بأهدافها ومبادئها وأساليبها وخططها ومشروعاتها.. ؟؟ الجواب “: لا أبدا ، بسبب احتدام الصراعات السياسية والإيديولوجية والتي زادتها اليوم تفاقم الصراعات المذهبية والطائفية والاثنية والاجتماعية بشكل عام! إنني أعتقد جازما بأن أي تأسيس لمثل هذه “المنظومات” الإعلامية يعد من الانجازات الحضارية التي لابد أن تغدو مثلا رائعا ومتميزا في ريادته لبقية الحقول المهنية الأخرى، ومن اجل أن يخطو الفضاء الإعلامي خطواته السديدة على درب جديد ، تضبطه تشريعات جديدة وقوانين إعلامية داخلية وخارجية كما يرسمه القرن الجديد، خلاصا من استمرارية الآليات العقيمة ، والأساليب الدوغمائية التي تمثلها الأجهزة الرسمية القديمة المتحجرة التي كانت قد انبثقت في عقود القرن الماضي، ولأسباب أيديولوجية وعوامل سياسية أو سلطوية كما ألفتها الحياة على امتداد نصف قرن !

نشرت في البيان الاماراتية 3 يونيو 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل