الرئيسية » مقالات » مالك حداد والابداع من أجل الأرض

مالك حداد والابداع من أجل الأرض

أخبروني عن الغزالة التي اغتالها الانسان !
أخبروني عن الزهرة التي من دون بستان !
أخبروني عن وجل الأسود في المنفى !
أخبروني قبل كل هذا :
كيف حال الجزائر ؟
(مالك حداد )

هكذا أطل وعينا ونحن في بواكير الانفتاح على حقل الابداع الجزائري في مبتدأ تشكل الوعي الثقافي والأدبي والسياسي لدينا في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن المنصرم ، ومن خلال الحشد النفسي الثوري الوطني التي كانت الثورة الجزائرية تعبئنا بها وبكل معاني البطولة والتضحية والاستشهاد والمقاومة الشرسة في مواجهة الاحتلال والاستعمار وكل آلات الاضطهاد والتدمير والاستيطان وفنون القتل والتعذيب.

هكذا تردّد فينا صدى العلاقة الوشيجة المتأصلة بين الأرض والانسان. وانغراز عشق الأرض في عمق روح المبدع ليحلِّق عالياً نصوصاً بحجم تلك العلاقة.

مالك حداد أحد الأسماء التي استقرت في ذاكرة التلقي وحاضنة الوعي منذ تلك الأيام البعيدة، حين ساقتنا الثورة الجزائرية بكل عنفوانها النضالي وصداها المؤثر في الذات وهي تقارع كل أشكال الظلم الانساني والاضطهاد الكوني واحتلال الغير لمسح تاريخه وسرقة خيراته وتشكيله وفق الاجندة الثقافية الحضارية للمحتلّ والمستعمر لطمس الهوية وتحويل اصحاب الأرض مسوخاً مشوهة ونسخاً كارتونية من حضارة الدخيل.

ساقتنا تلك الثورة التاريخية الى متابعة ليس فقط أخبار وانجازات المناضلين المقاتلين وغير المقاتلين على ارض المعركة، وانما اثارت فضولنا لنقتفي أثرها في ابداع المبدعين وبالخصوص الابداع الأدبي . لكن المستعمر الثقافي جهد على جعل لغته هي الأداة اليومية في التعبير شفاهاً وكتابةً اضافة الى العمل على قطع الصلة بين انسان الأرض الجزائري وتاريخ أمته. ولأهمية اللغة التي هي التعبير الأول في تاريخ الصلة والعلاقة بين الانسان والأمة ركزوا على سلخ هذا الانسان عن لغته ، وهذا ما سمي في المصطلح السياسي بالاستعمار الثقافي الذي هو الاستعمار الأخطر والأدهى.

لذا وبالضرورة المتصلة فإن الابداع وخاصة بجانبه الكتابي باللغة الأم يتراجع ليضعف ويتضاءل حين ذاك، فيتجه المبدعون الى لغة المستعمر المحتل في التعبير والابداع ، وذلك بالاضطرار وبالحكم والظروف التاريخية لهيمنة الاستعمار وبجانبه الثقافي الذي تعبيره هو جعل لغة المستعمر هي اللغة السائدة وهي الرسمية في التعليم والدوائر والمؤسسات وحتى في التعامل اليومي للناس كلغة مخاطبة.

وعليه فإننا التقينا بالمبدعين الجزائريين من خلال اللغة الفرنسية ، وقد كان حظنا كبيراً أنَّ هذا الابداع والخلق وصل الينا مترجماً في زمنه الى العربية فالتهمناه كي ندخل في العالم الروحي لهذه الثورة ولهذا الشعب :

مات صديقي على نغم القيثار
وغناء القمح
يالها ميتة
كان في ريعانه
كان جزائرياً
لقد كتب لي تاريخي.
كان أحسن حديثاُ من نشيد القمح.
أريد أن أقول له شكراً
فأنا موسيقى لأنه يبدع الموسيقى،
أظل يقظاناً أمام الحلم الذي نبنيه ،
وأقول شكراً.
(مالك حداد)

هكذا استطعنا أن ندخل في مسارب روح المبدع الجزائري ومن خلال أحد ابرز وأهم الرموز وهو الكاتب الكبير مالك حداد. تلك الروح التي تنشد للصلة بين الانسان والأرض. إنه المبدع الذي أمسك بأيدينا ليحملنا على سفينة ألق الكلمات المتفجرة من داخل الذات المحترقة ومن شواطئ خارطة الوطن ليفتح لنا نافذة النفس على فضاء تلك العلاقة بين الانسان وترابه .

لم تكن غربة المكان واللغة هي مسافةَ الابتعاد بين مالك حداد أو غيره من فرسان الكلمة والابداع السامي الجزائري وبين ما ما يجري في وطنهم. بل العكس فهي معمقة الصلة ووعاء الصرخة لايصال صوت الثورة والمناضلين وصرخة الوطن المستباح الى كل أصقاع الدنيا ومن عقر دار المحتل وبأداته اللغوية وأساليبه التعبيرية ، وبابداع ارتقى قمة الفن التعبيري .

مالك حداد هو الصوت الذي صاغ وصوّر ذلك الخيط المشدود والمتين بين الاغتراب المكاني والارتباط الروحي بالوطن وبانسان الوطن الذي ولد هو فيه وعايش نبضه وأحس بكل زوايا معاناة انسانه ، واختبر وعانى وطأة ثقل المستعمر وجرائمه، لذا نراه يقول عن ولادته:

“لقد وُلدت في الثامن من أيار سنة 1945 سنة الشقاء سنة المجزرة الرهيبة.”

مع أن ولادته هي في عام 1927 .
اذن ما الذي دفعه الى تأريخ ولادته بسنة 1945 ؟

لقد أخبرنا التاريخ بأنه في هذه السنة هُدِّمتْ قرى على رؤوس أهلها، وجزَّ المظليون الفرنسيون رقابَ العُـزّل من الناس ، وغرز المستوطنون حِرابهم الخبيثة في صدور الآمنين غيلةً وغدراً مليئاً بالحقد.

هذه المقولة تلخِّص بعمق مدى حب مالك حداد لوطنه وتعلقه به, لذا ليس من المستغرب أن يوقف ابداعه وفنه شعراً ورواية على تصوير ما يجري في وطنه والتعبير عن الثورة وعمق الصلة الروحية بين الوطن والذات الخلاقة ، حتى في وجدياته ووجدانياته يحملنا معه على رفرفة همومه مع الوطن والغربة :

أبتاه !!
حرمت فتاك
موسيقى الجسد .. انظرْهُ:
يرطن باللسان الغريب
كلمات تعلمها
يوم كان راعياً
يا الهي !!
ما لهذا الليل ،
لماذا يظلم هذا الليل كلُّه في عيني ؟

اللغة الأم التي لم يتعلمها ، اللسان الأجنبي الذي يفكر به وينطق ويكتب ، كل هذا غربة أشدّ وقعاً على النفس من غربة المكان. ولذا أطلق صرخته المشهورة :

” اللغة الفرنسية هي منفاي.”

وكان يقصد انها منفاه الروحي ، وهو أثقل وطأة وأشد ألماً على النفس وجرحاً في الروح من وقع حسام المنفى المكاني .

لقد كانت الفرنسية سلاحه لإيصال قضية وطنه الى العالم ، وللتعبير عنها وشدِّ الناس اليها، والمشاركة في ثورتها المسلحة بالكلمة السيف والكلمة الضوء والكلمة العشق. لقد كان همه الأول أرضه المحتلة والمستباحة لذا تفرّغ بكل فنه المتألق لقضية بلاده ، أليس هو القائل:

“نحن الكتاب الجزائريين الذين نكتب باللغة الفرنسية يجب أن ننتهي عندما تتحرر الجزائر لأن مهمتنا تنتهي آنئذ.”؟

وفعلاً فقد توقّف عن الكتابة بعد التحرير وبعد عودته الى الجزائر. فقد كانت الكتابة عنده سلاحاً في خدمة الجزائر وثورتها، وحين تنتصر الثورة فلا حاجة للكتابة وبلغة المنفى.

لقد كان مالك حداد يشعر بألم العجز عن الكتابة بلغته العربية والتفاهم مع عالمه بلغته الأم ، لأنه كان يحبّ أن يوصل صوت الثورة ونضال شعبه بالمباشرة اللغوية دون الحاجة الى جسر لغوي آخر غريب يحس معه بوقع الغربة الروحية وجراحها النازفة ، ثم جسر ثانٍ من ترجمة تفقد بالتأكيد حرارة الاحاسيس والصور وأساليب الفن الراقي . وقد عبّر عن ذلك الألم في دمشق في محاضرة له باللغة الفرنسية عن الثورة الجزائرية وهي في قمة اشتعالها:

” تتجلى مأساتي الآن بشكل أعمق … أنا أقف أمامكم، لا أعرف كيف نتفاهم ! ”

لم تكن اللغة الأجنبية حائلاً يسدُّ منافذ الابداع الادبي والموهبة المتألقة والتعبير عن كل ما في أعماق الراحل مالك حداد تجاه وطنه وثورة شعبه، بل استغل هذه القدرة العالية ووظفها لهذه الخدمة التي نجح في ايصالها الى العالم وفي المقدمة عالم المحتلّ نفسه ، فعالمه العربي ، وانسانه الجزائري ، ليرتقي من خلالها قمة الفن الأدبي الراقي وبحِرفية راقية مدهشة ، وموهبة نادرة مصقولة استغلت قدراتها وتجاربها الحياتية في الوطن وفي المُغترَب انسانياً ليعلو صوت الانسان الجزائري والانسان المناضل في كل انحاء العالم حين يخلق من وسطه مثل هذا المبدع الشامخ والانسان الكبير الذي أظهر أن للفن دوره العظيم في نضال الشعوب وكفاح الانسان وبناء الذات الروحية الملتصقة بالأرض وبعشق الناس وبحِرفية فنية عالية لا تتنازل عن شروط الفن الناجح الراقي وتكنيكات النص المتألق الأصيل الممتزج بالتفاؤل الانساني رغم كل الجراح والآلام والمعاناة .

لقد كان مالك حداد أديباً ملتزماً بالمعنى الفني والسياسي للالتزام مع المحافظة الصارمة على مقتضيات وشروط النص الفني السامي. وعليه فقد كان مالك حداد رمزاً للتفاؤل بالمستقبل المضيء مثل أي فنان حقيقي ملتزم:

لقد كلمتُهم
تلمستُ أيديهم ،
لهم أطفال ،
بل لهم أخطاؤهم ،
ولكنهم يعرفون كيف يبتسمون
في الظلمات الحالكة .

كما أنه كان يحيا مع نبضات شعبه دائماً وفي العمق ، ونستخلص ذلك من خلال تعبيره عن مدى عمق حبه لأصدقاء طفولته الذين سرقته الغربة منهم، لكنهم لم يغيبوا عن ضميره لحظة، انهم يعيشون معه في كل حركة تصدر منه، في كل نبضة قلب تخفق في صدره، هم ذاته التي لا تستوي الا بهم، هم طعامه وشرابه وتنفسه ، هم كلماته ولسانه وروحه. إنه بكل بساطة الانسان المتشبث بعشق الارض وناس الارض لأنه منهم واليهم ، وكل ما تفجر من ابداع وفن من روحه كان منهم واليهم ومن وحيهم وصدى أحلامهم وآمالهم، فهم وطنه ومسكنه وملاذه:

لقد أصبحوا روحاً ، أصبحوا وطني.
ألقاهم عندما أشتري صحيفة ،
هم أصدقائي ، هم ليسوا كلمات فحسب
ولا أرقاماً ولا أسماءاً ،
هم آلاف الأيام وعشرة أعوام من ذاتي ،
هم في اللقمة التي نأكلها معاً ،
وسيجارة يدفعنا السأم لتدخينها ،
يعرفون أبنائي ، منحتهم قصائدي ،
كانت أمي تحبُ قلوبهم ،
انهم رفاق طفولتي ،
لطالما تكلمت معهم.

هكذا كان مالك حداد، وهكذا سيبقى روحاً متأصلة في الأرض ، وصوتاً خلّد وطنه ، والتزاماً أدبياً راقياً بكل ما في كلمة الرقي الفني من معنى وشروط . إنه شاهد حيٌّ نابض على أن الفنان المبدع هو من ارتبط بعشق الوطن والانسان. وسيبقى أحد الاسماء الكبيرة في عالم الأدب ، وخير مثال على أن الابداع بلغة غير اللغة الأم لايعني الانسلاخ عن الأرض الأم.

عبد الستار نورعلي
شاعر وكاتب ومترجم عراقي مقيم في السويد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نُشرِت المقالة في صحيفة (النصر) الورقية الجزائرية في عدد الخامس من حزيران 2007 بمناسبة الاحتفالية الجزائرية في ذكرى الكاتب (مالك حداد).
* مالك حداد (5 تموز 1927- 2 حزيران 1978 ): شاعر وروائي وكاتب جزائري، ولد في قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري وتعلم فيها. سافر الى فرنسا ونال شهادة الحقوق. شارك في الثورة الجزائرية. عاد الى الجزائر بعد الاستقلال وأصدر مجلة “التقدم”. كان يكتب باللغة الفرنسية. ومن مؤلفاته:

الشقاء في خطر (شعر 1956)
الانطباع الأخير (رواية 1958)
سأهبك غزالة (رواية 1959)
التلميذ والدرس (رواية 1960)
رصيف الأزهار لم يعد يجيب (رواية 1961)
اسمع وسأناديك (شعر 1961)،
الأصفار تدور في الفراغ (دراسة 1961)