الرئيسية » مقالات » صفعة جدّية أخرى للنزعة الطائفية وأنصارها في العراق

صفعة جدّية أخرى للنزعة الطائفية وأنصارها في العراق

لعل من أبرز التطورات التي شهدتها الساحة العراقية بعد ست سنوات من العنف وإراقة الدماء والدمار والسلب والنهب، هي هذه الموجة الشعبية الرافضة للنزعات الطائفية التي كانت الينبوع الذي يمد الإرهاب الدولي وفلول النظام البعثي السابق بالديمومة للعبث بمصائر العراقيين. لقد برهن العراقيون، بالرغم من الضحايا الهائلة العزيزة التي قدموها، على نضج سياسي عندما وقفوا بوجه أحد أخطر مصادر عدم الاستقرار والعنف في العراق وهي النزعة الطائفية المدمرة. فلقد طرأ تغيير على الرأي العام العراقي الآن، ولم يعد يشبه ذلك الرأي العام غداة الإطاحة بنظام الطغيان. فقد تحرر من هوس الطائفية والمراهنة عليها التي كان متورطاً فيها آنذاك إلى حدود بعيدة، وخرج الآن من هذا النفق الوعر. وروّج البعض من عتاة الطائفية على أنه من الضروري استبدال النظام الطائفي العنصري الاستبدادي المنهار بنظام بلون آخر من ألوان الطائفية تحت ذرائع لا تخلو من مطبات دينية ومذهبية تستند إلى صفحة مظلمة من صفحات تاريخنا الغابر. وانجرّت آنذاك وللأسف إلى هذا النزوع الطائفي حتى أوساط من الفئات المتعلمة التي أخذت تتنافس على التشبث بهذه الراية المدمرة لدوافع انتهازية على حساب الهوية الوطنية العراقية. وراحت أحزاب وشخصيات دينية وحتى غير دينية ترفع هذه الراية الخطرة وتسعى إلى تشييد “البيوت الطائفية” بهدف التسلق على السلطة من خلال الكسب السريع والرخيص لأصوات الناخبين في الانتخابات التي دُفع بها على عجل في ظل ذلك التلاطم من الأفكار والأحداث الدرامية التي عصفت بالبلاد بعد سقوط النظام السابق.
وكان أخطر من كل ذلك هو تورّط المراكز الدينية وانجرارها إلى دعوة “البيوت الطائفية”، وصدرت الفتاوى لدعم هذه القائمة أو تلك من القوائم الطائفية، هذه الفتاوى التي أبعدت الناخب العراقي عن الأهداف الوطنية التي توحّد العراقيين وعن الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المراد تحقيقها كي يخرج العراق من دائرة التخلف والبؤس الذي خلفه النظام السابق.
إن هذا النزوع الطائفي، وبعد سنوات من الموت والخراب والفساد، أقنع الجميع بخطل هذا الرهان الفاشل. وراحت الغالبية من العراقيين والعديد من الحركات والاحزاب الدينية تتنصل من هذا الإرث البالي وتغير خطابها إلى خطاب وطني يوحد العراقيين حول أهداف وطنية بغض النظر عن انتماءاتهم. فالجميع أصابه ما أصابه من القتل والتهجير البشع، ولم يعد من الحكمة التمسك بهذه الورقة الطائفية الخاسرة، فما على العراقيين من ولوج طريق سوى طريق التعايش السلمي والتكافل والإخاء لبناء صرح هذا البلد العزيز.
وفي هذا الإطار تأتي التصريحات المثيرة الأخيرة للناطق باسم مكتب المرجع الديني السيد علي السيستاني، التي أكدت على “أن السيد السيستاني لا يزال عند رأيه من أن العراق لا يحكم بأغلبية طائفية أو قومية وإنما بأغلبية سياسية من مختلف الشعب العراقي تتشكل عبر صناديق الاقتراع…وأن وجهة نظر المرجعية لا تتطابق بصورة قاطعة مع تصريحات القبانجي”. وجاءت هذه التصريحات كرد مفعم على حديث السيد صدر الدين القبانجي القيادي في المجلس الاسلامي الأعلى مع طلبة وأساتذة الحوزة العلمية بتاريخ 26 آيار والذي قال فيه ” من حق الشيعة حكم العراق وهو واجب لكونهم يمثلون الغالبية”. إن تصريحات السيد صدر الدين القبانجي الطائفية تأتي بالضد من المزاج الشعبي المعارض للطائفية. وهذه التصريحات ليست هي الأولى في سلسلة تصريحات السيد صدر الدين القبانجي الطائفية خاصة منذ أن فشل المجلس الاسلامي الأعلى في انتخابات مجالس المحافظات، وتراجعت مواقعه بالمقارنة مع ما كان لديه من مواقع في الدورة السابقة. ويبدو أن هذا الرجل ما زال يعيش دوامة الطائفية، فهو الذي أفتى في خطبة له بمناسبة عاشوراء إلى أن ” زيارة كربلاء أفضل سبعين مرة من حج بيت الله!!”. إن هذه الفتاوى المريبة هي التي قادت حزبه إلى الفشل ولم يستطع الاحتفاظ بمواقعه السابقة جراء التغيير الكبير الذي طرأ على وعي العراقيين. إن ما يحتاجه بعض رجال الدين هو الاقتصاد في التصريحات في بلد محتقن كالعراق والتمسك بما جاء به الامام علي في قول له “ليت لي لسان كلسان الطير وعنق كعنق البعير”.
إن رد المرجعية الدينية على السيد صدر الدين القبانجي، وتمسّكها بالهوية الوطنية العراقية وبالعملية السياسية بعيداً عن الطائفية وذيولها يُشكل أبلغ وأخطر رد، بل والرد الأكثر حكمة ومسؤولية للمرجعية منذ انهيار النظام. إنه رد بليغ على عتاة الطائفية من شتى الألوان في البلاد والذين يسعون إلى إغراق العراقيين بالفتن وحمامات الدم. إنه رسالة مهمة لكل من يحاول دفع المرجعية من جديد إلى متاهات الغلو والتطرف الطائفي، ورفع صور المرجع الديني في التنافس الانتخابي من أجل الحصول على أصوات الطائفة، وهي أصوات لا يستحقونها. وتأتي هذه التصريحات لحسم الخلاف الدائر في داخل كتلة الائتلاف العراقي الموحد بين تيارين طائفي، ووطني يمثله السيد نوري المالكي رئيس الوزراء الذي أعلن في أخر تصريح له لصحيفة الخليح الإماراتية “إن المشروع الوطني الذي عبر عنه برنامج دولة القانون الانتخابي في انتخابات مجالس المحافظات هو الذي سيعمل على توسيعه”.. وأكد على “ترحيبه بأي ائتلاف شرط أن يكون وطنياً في الآليات والبرامج للانتهاء من المحاصصة الطائفية التي تستند إلى مبدأ التوافق”.
ويأتي رد مكتب السيد علي السيستاني في إطار التصدي للمناهج والفتاوى الطائفية المعلنة وغير المعلنة للأوساط المذهبية المتطرفة في كل من إيران والسعودية وأتباعهم والساعية إلى إذكاء التناحر الطائفي العبثي في العراق، إضافة إلى التنبيه إلى المخاطر التي تواجه العديد من البلدان العربية والإسلامية جراء استفحال داء الطائفية وتحول النهج الطائفي إلى دويلات وإمارات تابعة لمراكز طائفية تسعى إلى تهديم ونخر الدولة المركزية وعرقلة أي مسعى للتطور الديمقراطي في بلداننا.
وإزاء هذا التطور الهام في موقف أحد أهم المراكز، ينبغي على جميع الأحزاب الدينية في العراق أن تعيد النظر في تركيبها ومنهجها الطائفي وتتحول بالفعل وليس بالأمنيات والبيانات إلى أحزاب وطنية لها امتداداتها في كل زوايا العراق بعيداً عن الهويات الطائفية الباطلة، والتوجه نحو صياغة مشروع وطني يبلور الحلول العملية لخروج البلاد من دائرة التجاذب الطائفي الذي لا يبني دولة ولا يوحّد مجتمع، بل أفرز لنا في السنوات الماضية محاصصة طائفية وأثنية عمّقت من الفساد والتنابذ والهدر في الوقت والمال، وأضرّت بالعملية السياسية القائمة على الديمقراطية.
3 حزيران 2009