الرئيسية » مقالات » مركزة الدولة وإلغاء التوافق؟

مركزة الدولة وإلغاء التوافق؟

منذ فترة ليست بالقصيرة بدأت بالظهور دعوات إلى مركزة العملية السياسية والعسكرية في الدولة وإعادة تقوية المركز على حساب الأقاليم والمحافظات ومن ثم تكثيف الفرد السياسي ( الشخصنة أو الحزب القائد ) على المجموع السياسي، بما يتقاطع مع الأساسيات التي اعتمدت مبدئيا بعد سقوط نظام مركزية السلطة والمال وانهيار نظام الحزب القائد والفرد الأوحد.
وفي نفس السياق هناك من ينظر إلى التوافق السياسي في هذه المرحلة التأسيسية عائقا لطموحاته في شخصنة الدولة ومركزتها ثانية ليتسنى لمجموعة ما بالانفراد سلطويا تحت مضلة الأغلبية الطائفية تارة والقومية تارة أخرى، بدعوات إجراء تعديلات جذرية على الدستور الدائم والتصريح المكثف حول عجالة وضع الدستور والتشكيك في نجاح وأهمية الصيغة التوافقية لهذه المرحلة من تاريخ بلد لم يعرف التعامل مع الآخر المختلف إلا بالإذلال والإلغاء أو الموت كما حصل عبر عقود من إبادة الأحزاب السياسية المعارضة للحزب القائد أو الرئيس الضرورة وأنفلة ( تغييب وإبادة ) الكورد والشيعة والمعارضين الآخرين عبر أكثر من أربعين عاما.
وجاءت كثير من التصرفات والسلوكيات التي يمارسها أصحاب هذا النهج والتوجه شبيهة إلى حد كبير بتلك الممارسات والسلوكيات التي مارسها النظام السابق في تعامله السلطوي والميكافيلي والتعبوي أحيانا كثيرة وخاصة في ما يتعلق بنشاطات واجتماعات ( الرئيس القائد ) وتنظيراته مع شيوخ العشائر ( بموديلاتها الثلاث أ،ب،ج ) ومؤتمراتها التي كان الحزب القائد يديرها ويوجه ربابنتها من اجل التعبئة الأفقية وتوجيه الرأي العام بأسلوب التلقين والتسطيح.
ولعله من المفيد أن نذكر بعض ما حدث مؤخرا من استغلال كبير للسلطة وأدواتها وميزانيتها في حملات الدعاية الانتخابية لمجالس المحافظات والأساليب التي استخدمت في شراء ذمم وأصوات البسطاء من الناس وغلق عين أو الاثنتين معا لوصول البعثيين والمتطرفين القوميين إلى تلك المجالس تحت مسميات معروفة في الشارع العراقي هنا وهناك وبخاصة في الموصل، بل واستخدام ذات الأساليب التي استخدمها النظام السابق مع الحركة التحررية الكوردية في دعم كل المناوئين لها من تجار الحروب وما أطلق عليهم بــ ( الجحوش ) أو قوات الجته الحكومية، حتى اتضحت الأمور أكثر في تصريحات رئيس الحكومة الاتحادية مؤخرا والتي أشار فيها إلى انه ( الكورد جزء من العراق، لدي علاقات معهم وخاصة مع مثقفيهم، ولكن قياداتهم لا يسمحون بهذا !؟ ) وهي نفس اللغة التي كان يستخدمها رئيس النظام السابق ومعاونوه حينما يتحدثون عن الكورد وكوردستان.
إن معاداة الكورد وإلغاء دورهم أو إقصائهم وتهميشهم واللعب من خلف ظهورهم على خلفية تصنيع بدائل وتشكيلات كارتونية، تارة تحت يافطة جحافل صلاح الدين الخفيفة ولاحقا تحت مسميات الصحوة والإسناد ( في الموصل وكركوك وديالى ) وتارة أخرى محاولة إعادة الحياة لتلك الجحافل من المرتزقة والجحوش تحت تسميات سياسية على طريقة تصنيع أحزاب الزينة كما حصل مؤخرا في تلك المحافظات يدلل على عدم جدية الانتقال إلى نظام جديد بل والسماح بنشوء جيوب لذلك النظام تستخدم عند الحاجة كأوراق ضغط ومساومة في مفاصل كثيرة من الدولة بما يثير الشكوك في جدية الحكومة الاتحادية وتوجهاتها في حل المشاكل وانجاز حكومة وحدة وطنية حقيقية.
لقد أكدت الأحداث والتجارب على إن إتباع هذا النهج والتعامل من وراء المؤسسات الدستورية لإقليم كوردستان وقياداتها سيقود العملية السياسية إلى الفشل الذريع وربما إلى انهيارها بالكامل، ولعل ما حدث وما آلت إليه الأمور منذ تأسيس الدولة العراقية في اعتماد هذا النهج واستخدام سياسة معاداة الكورد وإتباع أساليب المراوغة والتحايل والتسويف تؤدي دوما في نهاية المطاف إلى ما انتهت إليه كل الأنظمة السياسية التي حكمت العراق وانتهجت تلك السياسة، بل وإنها تسببت في تدمير البلاد والعباد وحرمانها من التطور السلمي والاستخدام الحضاري للثروة ووسائلها.
إن المراوغة والتسويف في حل القضايا العالقة بين الإقليم والحكومة الفيدرالية أو بين الكتل السياسية الأخرى ومحاولة تصنيع مشاكل جانبية أخرى أو إحداث إشكاليات لدى الأطراف المقابلة ومركزة الدولة وتكثيف السلطات وشخصنتها ومحاولة إلغاء التوافق السياسي ودعم أطراف محسوبة على النظام السابق على خلفية ( عدو عدوك صديقك ) لتحقيق مآرب فئوية أو حزبية ضيقة أو ربما أجندة دولية معينة سيعقد الأمور أكثر ويؤخر الخروج من هذا النفق الذي يكلف العراق ومكوناته الكثير من فرص التقدم والأعمار والسلام ويساهم دوما في إدامة الفساد وإطالة عمره وتغلغله في كل مفاصل الدولة ومؤسساتها.
إن أكثر ما يثير الخشية الآن هو أن الزلزال الذي أصاب العراق في نيسان 2003م وأدى إلى احتلاله وتدميره وانهيار واحد من أعتى النظم الدكتاتورية في العالم وأكثرها كذبا وتبجحا وادعاءا، لم ينجح في إزالة تلك العقلية الشمولية التي سيطرت عليه طيلة أكثر من أربعين عاما، بل إن الكثير من الذين حاولوا اختراق العملية السياسية بتسلقهم عربات القطار الديمقراطي ما زالوا يظنون أنهم قادرين على استنساخ ذلك النظام الذي ورط العراق في أربعة حروب خلال حكمه والتي أنتجت مئات الآلاف من القتلى والمعاقين وأحرقت آلاف المليارات من الأموال على تلك الحروب وملحقاتها وأضاعت فرصا تاريخية لتقدم البلد وتطوره.