الرئيسية » مقالات » حماس والحوار … نفاق الطغم وجنون السلطة

حماس والحوار … نفاق الطغم وجنون السلطة

إثر تشكيل حكومة السلطة الفلسطينية الراهنة هيمنت على السوق الإعلامي حالة من الرعونة بسبب تشكيلها، وبطريقة هوجاء لا منطق ولا عقل فيها، سرعان ما سقطت من شاهق السوق إلى الحضيض السياسي، فحوذي الجواد الذي يقود العربة لم يستطع التفكير إلا من خلال سوطه الإيديولوجي، وفهمه للسلطة حتى وإن كانت سلطة تحت الاحتلال، ومن ثم احتكاره لها. في التدقيق بالتبريرات الحمساوية بأنواعها بعد فشل حوارات القاهرة الوطنية الجامعة، وانتقاله بعدها ـ الحوار ـ إلى حالته الثنائية الاحتكارية الإقصائية بين فتح وحماس، وليصل أيضاً إلى خواتيمه … إلى الفشل.
لم يتعرض أحد ممن يركبون في هذه العربة لسؤال: لماذا لا تُشرك حماس حلفائها في حكوماتها، بما فيها الحكومة الجديدة لإسماعيل هنية ؟
ولماذا حكوماتها هي “حماسية سِكْ”، لدرجة أنها لا تخلو من “عتب الديكور” (!)، نادراً ما تخضع الحالة للنقد والتمحيص، بدءاً من الرابط “العضوي” بين الأحزاب الدينية السياسية دونما انفصال، فأحزاب “النقل على العقل” الذي لا يحتمل التأويل؛ لا يستطيع أن يحمل على كتفيها هذه الحمولة، وحماس في هذه المرحلة من التحرر الوطني في المستوى الأدنى من النبذ والإقصاء للآخرين. ولو كانت فلسطين محررة لأفرزت شيئاً آخر من “جنون العقائد” من ماركات إيقاظ الوحش وصناعة الكوابيس التي تنقلب على نفسها، حين تكون الفتاوي كالكرات المقذوفة بعصا الجولف، لنسأل بعدها مَنْ نَحْنُ ؟! …
حكومة الائتلاف البرلماني برئاسة حماس ووفقاً لاتفاق المحاصصة الثنائي في 8 شباط 2007 إنهارت باستيلاء حماس على السلطة في غزة 14 حزيران 2007، لم يبق منها سوى اربعة وزراء، اعادت حماس تشكيل حكومتها مراراً، 24 وزيراً برئاسة هنية، وإعادة تعديلها وترميمها مراراً، وآخرها في أيار 2009 بتعيين “وزير داخلية” آخر فتحي حماد دون اعتراض من أي حليف لها، وبذات الوقت تعلن يومياً اصرارها على اشاعة “الشلل التام” بحكومة السلطة الفلسطينية وكل مؤسسات السلطة الفلسطينية، بينما تواصل حماس برنامج عملها من وراء ظهر الشعب وجميع الفصائل والقوى بلا استثناء.
في منسوب المستوى الأدنى أي “إمارة” قبلية في قطاع غزة، تضبط الشارع “أخلاقياً”؛ في هوس تعبوي يتمثل في ثنائية “الشرعي والممنوع ـ والأدق المُحرَّم”، ثم آليات مصنع صناعة الممنوع في سياق الإقصاء والنبذ وشبكة المحرمات والممنوعات.
أمام هذا لا بد من تفكيك الأرضية المعينة، فَـ “ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، أي تفكيك التداخل في “الإشكالات” بين الله والقيصر وملابساتها، والظروف والمقتضيات، وتظهير الرحم التاريخي لولادة الديكتاتورية، أية ديكتاتورية وبأي اصطباغ ايديولوجي متطرف. فالأمر ليس حكراً على دين وعقيدة بعينها، أي المقصود تظهير مرحلتها التاريخية بشروطها وتناقضاتها الاجتماعية وصراعاتها السياسية وفضائها الفكري.
وعلى ذات الرحم يمكن معاينة ذلك بجلاء مع “الحزب الإسلامي العراقي –الاخوان المسلمين-” قبل الغزو الأمريكي واحتلال العراق، وأثناءه وبعده؛ والمشاركة بمجلس الحكم المحلي والوزارة على يد الحاكم الأمريكي بريمر، وصولاً إلى وضع إستراتيجية للغزل مع واشنطن ومشاريعها في المنطقة، لمحاولة جعل الحزب المذهبي بمثابة “الماركة الأمريكية المطلوبة” وتكييفه نحو هذا الهدف. ولعلم الجميع فإن “حماس لها مكتب في مقر الحزب الاسلامي في بغداد تصب فيه التبرعات المادية لحماس”.
وهكذا فالمفارقة الطوطمية هي “السلطة” من طريق واشنطن أو من أي طريق جاءت في “ديالكتيك ـ الله والقيصر”، وتكتيك “حصان طروادة” لكن الذي يقوده حوذي أرعن بسوط الإيديولوجيا ولعربة المال المنفوط. وأي حزب انتهت “اكسباير” صلاحيته التاريخية يستطيع الركوب في هذه العربة التي بعد أن تقطع رحلتها الفاشلة تاريخياً، تعود إلى منابعها المنفوطة، حيث يتدفق الزبد الأسود الذي يخنق الحيوات والبيئة الاجتماعية معاً.
وعلى سبيل المثال ولِمَنْ لا يصدق، فليدقق في الرقم الصومالي الرسمي، عن وجود 2215 مدرسة تدار بسوط الحوذي ذاته، في الصومال المتصومل المنكوب والمدمر الجائع، حيث يتدفق الدم والفشل الدموي والانقسام منذ عام 1976 حتى يوم الناس هذا، ثلاث صومالات بثلاث حكومات وثلاث مجالس تشريعية، وثلاث رؤساء والحروب الطاحنة لا تتوقف. وأتساءل وعلى ذمتي: ماذا عن باقي الدول الإسلامية كم سيكون الرقم المتدفق للمدارس المنفوطة ؟! …
في فلسطين تمثل الصهيونية واحدة من أبشع أشكال الأبارتهيد العنصري، وهي تعيث فساداً في اقتلاع الأرض، وبغطرسة ما بعدها غطرسة للفلسفة “الدينية (اليهودية) ـ السياسية” التي تتبناها، والتي ترى في اليهود “شعباً مختاراً فوق جميع الأعراق وأجناس البشر”. تمارس الاقتلاع والنبذ والإقصاء لأصحاب الأرض والوطن على امتداد التاريخ وعلى عمقه.
وفي فلسطين تحت الاحتلال تصل حماس إلى السلطة التي أُنتجت بموجب اتفاقيات أوسلو وتشكلت على أساسها، ثم تتنكر للآليات والضوابط الناظمة للسلطة ذاتها، تحتكر السلطة بلون واحد، حتى يخلو من حلفائها، فهدف السلطة بذاتها ولذاتها، لا بهدف تعزيز الثوابت والحقوق الوطنية وخيار المقاومة، وأهداف وتطلعات الشعب الفلسطيني، وعلى ذلك تنسج تأويلاتها وتبريراتها.
ما يعنينا في هذا المقام، هو خطابات حماس للناس التي تتأسس على تكرار منظومة تحاول أن تجعلها منظومة أهدافها الوطنية “الإسلام هو الحل”. كمنظومة مبهمة؛ تنتجها في دائرة مغلقة “دوغما” إيديولوجيا، وتحولها إلى ممارسات شبيهة بالشعائرية التي تحظى بهالة مقدسة، ولا نقصد بالشعائرية هنا تلك الطقوس ذات الطابع الديني، بل استخدام جملة العلامات والرموز والطقوس ذات الدلالات الإيحائية التي تتسرب إلى اللاشعور عند المتلقين؛ وبدلالات نفسية تكسبها قوة “القداسة” الوجدانية السلوكية، ليغدوا تحت سطوتها بفعل التكرار عبر قنوات الاتصال الجماهيري، وجريانها على ألسنة الناس كما لو أنها نصوص مقدسة، في تكريس كلياني للممنوعات ـ المحرمات ـ.
وكأي نظام استبدادي طالما أن كلٌ على شاكلته له محرماته، مع فارق أنها تحكم بِـ “نواميس الإله” ـ في التجليات التي أطلق عليها د. صادق جلال العظم “ذهنية التحريم” في عمقها المعقد وكحقيقة سلوكية في المجالات المختلفة، وهنا يبرز السياسي بـ “التخوين” بدلاً من “التكفير”، وبدلاً من المباشر والبسيط والمرئي والشفاف، في مصنع التحويل للتأثير في اللاشعور الجمعي نحو “الحراسة الداخلية”؛ قوة تنبذ وتقصي وتحاكم وتراقب لصالح “المراقب العام” ولكل من يجرؤ على تناول “محرماتها” الزائفة.
بعد “إخوان العراق” و “حليمة وعادتها القديمة”؛ يمكن إدراك كيف أن الإسلام السياسي يستأصل ويفصل الوطنية من الإسلام فصلاً نهائياً، وله في مصر إرثاً في تاريخ الإخوان ولِمَنْ يراجع بدقة حسن البنا، فما يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل “الحكومة” ـ سلطتها ـ “ركناً من أركانه”، فالهدف إقامة “الإمارة، الدولة، الخلافة، الحكومة الإسلامية” التي هي من “أركان الإسلام”. ولإدراك موقع السلطة لديهم.
واللهاث التاريخي خلفها بمدلولها ومعناها السياسي، ثم إدراك أولويتها في التفكير والتخطيط والعمل باعتبارها الموقع ـ السلطة على المجتمع، وتكريس حراكه وتبعيته بالتجيير لهم؛ باسم الأحكام الشرعية لعموم سلوك أفراده. واللهاث هنا ليس على مناقبية الدين وجوهره، بل على ميراث الدنيا وما عليها، موقع اشتباكها التاريخي مع الوطنية والقومية وغيرهم وما عداهم حيث تصدر الفتاوي بحقهم فهم “ملة واحدة” طالما أن “الغاية تبرر الوسيلة” في التأويلات التي تتلبس رهانها على الجماعي داخل سياقه التاريخي المحدد.
في فلسطين يستلزم إنجاز مرحلة التحرر الوطني إقامة “جبهة وطنية عريضة”، نحو صراع مثمر ومواجهة فاعلة ضد الإمبريالية والصهيونية، لا أن يتحول الصراع الاحتكاري على السلطة والمال والنفوذ إلى كارثة جديدة بفعل موقع “السلطة” التي هي “ركناً من أركان الإسلام”. ولتحقيق هدف التحرير الوطني فلا بد من إقامة هذه الجبهة التي تضم كل أطياف الطبقات والمجتمع ومؤسساته ونخبه من وطنيين ويساريين ديمقراطيين، وعلمانيين وقوميين وليبراليين واسلاميين بانتماءاتهم الطبقية الوطنية، فهي مهمة تاريخية مشتركة في هذه المرحلة من أجل إنجاز أهدافها.
هذا هو السؤال “الصعب” التي تناور عليه وحوله، وتضعه في حلقة مفرغة من الدوران المصحوب بالتحريم لصالح الوصفة “السحرية” “الإسلام هو الحل”، بالاستقواء بالعشائرية والجهوية؛ وفي البنى المجتمعية المتكلّسة التي تزيدها تكلساً في علل من التخلف الذهني والمجتمعي والأخلاقي، وتحويلها إلى تشدد مضاد لمسيرة التاريخ، كصيغ متخلفة في مواجهة منهج الإصلاح والتغيير والتطوير في إطار عقد اجتماعي متوازن متفاعل ومسالم.
أدوات التحريم و”المحرم” المتكلسة لا تستطيع أن تتسامى وترتقي بوسطها الاجتماعي، الأمر الملموس في أدوات تنفيذها من سهولة القيام بالنبذ والاستئصال، بما فيه حيوات المخالفين والمختلفين بمعنى الأرواح، والحيوات البيولوجية بالتصفيات.
ففي واقع إطلاق كرات “الفتاوي” في هذا الوسط المتكلس المتخلف الذي يستخدم نحو الهدف السياسي في مجتمعه دونما أية مساءلة قانونية، حيث لا يمكن أن تتعصرن تركيبته ليفتح حواراً مع معارضيه وتيارات وأطياف القوى لتصل إلى تفاهم مشترك حول الأولويات والأهداف السياسية وتقييم الواقع الموضوعي والمرحلة العالمية … الخ، بما يعتبرونه ملائماً للمرحلة التاريخية ذاتها، وبتأمين مشاركة شعبية واعية، فالمناخ الحاضن هو الوضع المتأزم.
على صعيد حماس وفي سياق ما تقدم، يبرز هذا كله مكثفاً بعد الحرب الدموية الصهيونية على قطاع غزة، حيث اعتقد بعض المحللين أن الحرب الدموية التي كرّست جوهر “إسرائيل” العنصري أمام الرأي العالمي؛ ستدفع حماس إلى تقديم مقاربة جديدة من واقع تجربتها، نحو الخروج من المسالك الوعرة في حقل السياسة الفلسطيني المعقّد، وصولاً للوضوح والشفاف والمرئي أمام الناس. لكنها بدلاً من ذلك وعلى شدّة حرارة المشهد ودمويته، قفزت عن جوهر الصراع المتمثل بالاحتلال والاستيطان والمأساة التي حلت بقطاع غزة بفعل العدوان، وإعادة الإعمار، وجدار الفصل العنصري، والحصار، وحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والتاريخية. فمقاربة حماس ابتعدت كثيراً نحو فتح المعابر على أهميتها، ولكن بتحويل ما جرى كله إلى قضية إنسانية لإدخال الغذاء والدواء. وبعد أن حولت “إسرائيل” قضية الحرب العدوانية برمتها إلى قضية أمنية: “المعابر، الأنفاق وتهريب السلاح، مراقبة الشواطئ”، وعلى حساب ربط الحصار بإنهاء الاحتلال والسيطرة الصهيونية على قطاع غزة والضفة الفلسطينية والقدس، ووقف “إسرائيل” عن التهام الأرض بالضفة الفلسطينية.
وعلى ذات السياق ابتعدت عن عملية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس وطنية ديمقراطية، لمواجهة السياسة الاستعمارية العنصرية في معازل الضفة الفلسطينية، ومواجهة الحكومة الإسرائيلية الجديدة الموغلة في التطرف، و شعارها “الأمن والاقتصاد” مقابل “حل الدولتين”، وتكثيف الاستيطان، وتكريس الفصل بين الضفة والقطاع.
وعلى الرغم من التوضيحات التي صدرت عن حماس، فإن تصريحات رئيس مكتبها السياسي نحو “تشكيل مرجعية سياسية للداخل والخارج الفلسطيني مكونة من قوى المعارضة الفلسطينية” قد جاءت لتزيد من تنصل البعض العربي غير المعلن إزاء التمثيل الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية، بدلاً من تجديد وتفعيل المنظمة وإعادة تنظيمها ودورها الوحدوي الوطني باعتبارها المدخل والجسد لإنهاء الانقسام.
المقدمات تنبئ بالخلاصات، فالأثر يدل على اتجاه المسير. نقول هذا ونحن نؤكد أن من الطبيعي أن تختلف مناهج القراءة، خاصة بين منهج بنّاء يبحث عن الروابط الوطنية المشتركة، وتسليط الضوء عليها والوعي بها، والتأشير على العتبات الكبرى التي ينبغي تجاوزها، بين قراءة وثقافة تحمل بذرة الحياة وتفاعلها وفعاليتها ونموها، وبين قراءة وفعل الممنوعات؛ الفعل المتهالك على السلطة والذي يأبى الخضوع للمساءلة والنقد، مصحوباً بالركون لفعل الإقصاء من طريق الدم والنار، من طريق ثنائية محرم ـ مقدس، والسلف ـ الخلف؛ في مواجهة التاريخ، نظام دائري مغلق يحمل بذور نقيضه طالما أنه عصيّ على التفكير …
و”لكل مجتهد نصيب”.

مراد يوسف ـ كاتب فلسطيني