الرئيسية » شخصيات كوردية » طين النار – مهداة إلى ذكرى جمعة حاجي كنجي

طين النار – مهداة إلى ذكرى جمعة حاجي كنجي

عندما احرق الأعداء مدينة نينوى بقيت مكتبتها عصية على النار لا بل أن محتوياتها قد ازدادت صلابة لأن ألواح الطين المشوي تزداد قوة كلما تعرضت إلى حرارة النار.
وهكذا كان شأن الأديب ( جمعة حاجي كنجي/ أبو باسل) فلقد كان- خلد ذكره- يبدو لعارفيه كأنه قدّ من ألواح ومنحوتات نينوى التي أحبها وكتب فيها قصته الرائعة للأطفال- الثور المجنح- وملخص القصة أن الثور قد تعب من عمله في الحقل وفكر انه سيغير من حاله إذا صار له جناحي طائر ومخالب أسد ورأس إنسان، فذهب إلى النحات الذي وافقه على طلباته كلها، وعندما ارتدى الثور بدلته الصخرية أصبح ثقيلا ً فأختار أن يربض أمام أبواب نينوى يحرسها ويدرأ عن أهلها اعتداءات الغرباء.
ولقد شاءت الصدف أن يكون أبو باسل جاري في النصف الثاني من سبعينات الماضي، السنوات التي سبقت الحرب العراقية- الإيرانية، والتي شهدت حربا ً شعواء على حزبنا الشيوعي، أرادت تلك الحملة- الحرب- أن تحرق كل شيء ولكن الحزب كما في المرات السابقة بقي أقوى من أمنيات الأعداء.
التجربة كانت في ذروة تلك الحملة الشرسة( مداهمات – إغراءات- تهديدات- سجون ) ولكل عند الدولة الفاشية طريقة لإسقاطه، والذي يلمسون فيه عنادا ً ربما يعرضون عليه الانتماء إلى الصف الوطني كما يسمى أو إلى مكتب المعلمين.
المهم أن يطمئنوا إلى قطع علاقته سواء أكانت تنظيمية أو أدبية بالحزب الشيوعي.
وقد وجدوا لي حلا ً في أن انتمي إلى مكتب المعلمين- أهون الشرور- وفي ذلك المساء فاتحت صديقي- أبو باسل- بهذا الشأن فوصل حديثي هذا إلى أسماع – أم باسل- فتدفقت علينا مثل الشلال، ماذا تقول يا ابني؟؟ أن رفاقك يعذبون يعلقون بالبانكات ولا يتنازلون، فكيف وأنت بعد لم تر شيئا ً من هذا ؟؟.
فابتسمت وامتلأت من شجاعة هذه الأم البطلة التي تبدو لبوءة عراقية، نسخة عن أم( ماريا بتر وفا ) مكسيم غوركي تلك البطلة التي لا تنسى. ومهما حاولت أن ابرر هذا الحل الذي لم أكن مقتنعا ً به أصلا، فلقد كانا يزدادان إصرارا ً ورسوخاً وأن العار سوف يلحق بي إذا ما فعلت ذلك.
في اليوم التالي أبلغت مسئول المكتب في المدرسة التي أداوم فيها بأني لا ارغب وليحدث ما يحدث استدعوني بعدها مرات عدة وتوالت التهديدات بالفصل من الوظيفة أو النقل إلى دائرة غير التعليم لكني هربت إلى التقاعد قبل أن يحصل شيء من ذلك.
توالت الأيام فبدلنا مواقع سكنانا دفعا ً لمضايقات الجهات الأمنية، التقيت أبا باسل لقاءات عابرة وخاطفة، إلى أن جاء نبأ انه قد توفي بالسكتة القلبية بعد يومين من استدعائه في دائرة الأمن.
أما تلك الأم البطلة فقد اصطحبت أشبالها الصغار إلى معاقل الأسود ولكن القدر السيئ كان بالمرصاد، فوقعت تلك المناضلة الرائعة مع أولادها في قبضة الجلادين في حملات الأنفال سيئة الصيت وبقيت مغيبة لحد الآن.
عذرا ً يا أحبائي الخالدين إذا ما تأخرت في الكتابة عنكم ، فلقد أصبحنا الآن نحن الموتى في الحياة وانتم الأحياء إلى الأبد.

أبو يوسف- عينكاوا/ اربيل
نشرت في ريكاي كوردستان العدد301أوائل آب2008