الرئيسية » شؤون كوردستانية » ذكرى يوم، في ثورة كولان

ذكرى يوم، في ثورة كولان

الزّمان: يوم صيفي، من عام 1978..
المكان: كهف في كوردستان. عند مثلث حدود سايكس ـ بيكو، المصطنع بين، (إيران)،(تركية)،(العراق)!!!!..
((إذاعة صوت كوردستان))، كانت الصوت الوحيد، الناطق باسم ثوار كوردستان، في الأجزاء الأربعة منها.. لذا كانت معزّتها عندنا، تفوق حبنا لأرواحنا.. كان تتألف من ثلاثة قطع، متساوية الحجم تقريبا، عدى الاريل، و داينمو الكهرباء الثقيلة جدا، و التي تصعب نقلها، و عدد من المسجلات، و الأشرطة، و اللاقطات.
كان كادر الإذاعة، يتألف من أربعة بيشمه ركه، وهم:
1ـ ((الشهيد شفان ئاميدي)).. مسئول القسم العربي…
2ـ ((سيامه ند بنا)).. مدير الإذاعة و مسئول القسم الكرمانجي الجنوبي…
حاليا سفير العراق لدى هولندا..
3ـ (( المهندس الكهربائي احمد ئامدي، من شمال كوردستان)) المسئول الفني…
4ـ داعيكم… الترجمة و القسم الكرمانجي الشمالي…
ـ رعيل حراسة، منهم ((الشهيد شوكت))…
ـ عدد دوشكه (( الشهيد علي ))…
بدأ هجوم الجيش العراقي الفاشي، بإرشاد الجحوش الأكراد، للاستيلاء على إذاعتنا.. أعلمنا بها ((بيشمه ركه الداخل))، حال انطلاقها من ثكناتها القريبة.. كان الوقت مساء متأخرا، عندما وصلنا الخبر.. و حسب قواعد حرب العصابات، المتبعة إثناء ثورة كولان.. كان علينا، الانسحاب الفوري.. استطعنا في ذلك اليوم نقل الدوشكه، و الأشياء الخفيفة فقط.. و حلت الظلام.. حيث يمنع استعمال الإضاءة ليلا.. بقيت الإذاعة، و الداينموا، و الاريل، لليوم التالي، و رجعنا إلى ستديو التسجيل، في ((قرية هه ركى))، حيث نبيت.. لم ننم تلك الليلة، من شدة القصف الصاروخي، و المدفعي المتواصل، على الجبل.. بحيث ترك أهالي القرى القريبة مساكنهم، و التجاءوا إلى أقاربهم، في شمال كوردستان..
عند الفجر استطعنا الوصول إلى الإذاعة، بشق الأنفس، لكثرة الغارات الجوية للطائرات المقاتلة، إضافة إلى الهيلكوبترات، التي كانت تحوم فوق رؤوسنا، بارتفاع منخفض جدا….. أقسمنا لبعضنا، على أن لا نترك العدو، يكتم صوت كوردستان.. مجموعتنا كانت تتألف من أربعة ب.م، اذكر منهم ((الشهيد علي))، و ((المهندس احمد ئامدي)) .. تمكنا من نقل قطعة من الجهاز، إلى قرية ((بيداو))، في الشمال، و لكن أعاقتنا في نقل البقية، أسراب جديدة من طائرات الهيلكوبتر، التي كانت تمطرنا برصاص غزير كالمطر، و بالتناوب..
صرنا أمام الأمر الواقع، بعد أن احتلت طلائع العدو قمة الجبل، فإما أن نترك واجبنا!، أو نجازف بالجهاز، في نقل غير سليم بالمرّة.. و اتفقنا في نهاية الأمر، على الرأي الأخير… و لكن برزت أمامنا مشكلة أخرى، فالدابة التي كانت معنا، و بعد سفرتها الأولى، لم تستطع من حمل القطعتين الباقيتين معا، فما العمل؟.. و كاد العدو أن يصل؟.. و لكن.. الشهيد علي، لم يتركنا أسرى الإحباط، و دنا بظهره، لكي نحمّل أحدى القطع عليها!، و بعد تردد منا، ربطنا الجهاز بكتفيه.. انحدرنا من الجبل نحو الوادي، لكن تم إعاقة حركتنا، مرة أخرى، بسرب من الطائرات السمتية، التي كانت تحلق فوق قمم الأشجار، بحيث تحرك هواء مروحياتها، الأغصان العالية منها، و أبت أن تتركنا بسلام……
إثناء القصف كنا نحتمي بالصخور الكبيرة، و الشجرات الوارفة.. و كان مصدر قلقنا هو.. كيفية السيطرة على الدابة، لكي تبقى هادئة، في ظل تلك الأصوات المرعبة، لأزيز الطائرات، و هي تقصف دون رحمة… و لكن و لشدة تعجبنا!، عندما رأينا، بان ذلك الحيوان أيضا، تفعل ما نفعله بالضبط، بل أحسن منا!، و تظل ساكنة عند الجذوع الكبيرة، حتى إنها كانت، و إثناء قيادتي لها، تحل جلابها من يدي أحيانا، لتسرع بالاختباء..
بعد أن صار ذلك المشهد مألوفاً، طوال الوقت، أخذنا نضحك من تصرفاتها الحكيمة!، تلك التصرفات، التي أذهلنا، و أسعدنا، في نفس الوقت، لان سلامة الجهاز، كانت عندنا مهم جدا، و لا اعتقد بان احد منا، كان يفضل حتى روحه، على تلك السلامة..
الشهيد علي، مع ثقله كان قبلنا في الطرف الآخر من الوادي، حيث الشمال، ف(الحدود) كان جدول ماء صغير.. و لكنا تعلقنا في وسط الجبل، لإصابة الحيوان التي راوغت الموت طويلا.. فسقطت على أرجلها الخلفية.. تأثرنا كثيرا بذلك المشهد المحزن، وأسرعنا بفك أربطة الجهاز، من على ظهر المسكينة، التي كانت بين الحياة و الموت، فكان جرحها غائر في الرأس، عالجتها بطلقة الرحمة!، من مسدسي، بعد أن تأكدنا بأنها سوف تتألم كثيرا..
صارت عندنا طاقة استثنائية!!، نتيجة الحزن، والخوف، و الغضب، و التحدّي.. فتناوبنا على حمل الجهاز الثقيل جدا.. و بعد جهد جهيد، و الدماء تنزف من جراح بسيطة لبعضنا، أوصلنا ((إذاعة صوت كوردستان))، إلى بر الأمان… حيث شمالنا العزيز، الذي سيبقى فضله عليّ، ما حييت.. فان لم يكن، لأنه جزء من وطني!، فلذلك اليوم، الذي لا أنساه أبدا…
إن معظم الذين كنت معهم، و كنا نتقاسم، حتى فتات الخبز، تركوني!، و أصبحوا في مملكة السماء، حيث يحرسون كوردستان من هناك..
لا تمر أسبوعا، إلا و واحدهم منهم، ضيف على ذاكرتي، أكاد اسمع صوته، و أرى وجهه الخالد، و لحظة استشهاده.. لقد غسلت الجسد الطاهر لأحدهم، و هو الشهيد ((رفيق خانقيني))، بمياه الجدول (الحدود!).. كان في ريعان شبابه، عندما دفع مهر كوردستان، من دمه الزكي، الذي سال من جروحه، لتختلط بالماء الرقراق، التي تروي طرفي (الحدود).. لتقول بملء الفم: ها أنا قد لحمت الجزأين معا، فالأزهار على الضفتين، قد ارتوت من حمرتي، و دم مئات الآلاف، الذين كانوا، لا يعترفون بذلك (الحدود) المصطنع أبداً.. لذا فعار علينا اليوم، أن نقول لقوات كريلا الشمال، اذهبوا إلى (كوردستانكم)!!!!.. فلولا (كوردستانهم!)، لما قامت ثورة كولان!!.

اللنك أدناه، إحدى الأناشيد الخالدة، للفنان الكبير، ((شفان به روه ر))، و التي كانت تبث بكثرة، من ((صوت كوردستان)):
http://www.youtube.com/watch?v=DYVKiUIobXk

hishyar.binavi@googlemail.com
هشيار بنافي

01.06.2009