الرئيسية » شؤون كوردستانية » المثقف الكردي السوري بير رستم ينقل <البارتي> إلى بقعة ضوء جديدة

المثقف الكردي السوري بير رستم ينقل <البارتي> إلى بقعة ضوء جديدة

من خلال مطالعاتي المستمرة منذ أعوام لما يكتبه المثقفون الكرد السوريون عن شجونهم وطموحاتهم ومعاناتهم القومية تكوّنت لدي القناعة التامة بأن هذه “المشكلة” مشكلة عويصة ولاحلّ لها في ظل هكذا نظام استبدادي سوري، وهم لا يكتبون عنها ترفا أو للترفيه عن النفس، والنشاطات العديدة المستمرة التي يقومون بها على مختلف الأصعدة السياسية والثقافية والاجتماعية، تزداد يوما بعد يوم، ناهيك عن حملات الاعتقال التي تجري بحق الكرد السوريين وبشكل سافر تماما من قبل النظام الحاكم، وبخاصة منذ تولّّي الأسد الابن منصب رئاسة الجمهورية خلفا لأبيه على أكتاف أعوانه من أمثال نائبه المخلص السيد عبد الحليم خدام والعماد التابع الأمين مصطفى طلاس وسواهما… كما تجمعّت لدي أفكار وآراء حول القضية الكردية التي من الضروري الاعتراف بها سوريا، كما تسعى حكومة أردوغان التركي صوب الاعتراف بها تركيا، فهي رغم كل المحاولات الطويلة الأمد لتقزيمها وتحريف مسارها وشطبها وانكارها ليست بمشكلة “أوراق نفوس ثبوتية” فقط، كما يحلو لما يسمى ب”جبهة الخلاص الوطني” المنفرطة أو كما يحاول اللعب بها من يدورون في فلك السيد رفعت الأسد، وانما قضية شعب، يعيش على أرضه التاريخية باعتراف العديد من قوى المعارضة السورية ومن ضمنهم ” اعلان دمشق” و”الاخوان المسلمون” الذين لايقلّون دفاعا عن العروبة عن حزب البعث الحاكم أو الناصريين أو القوميين العرب…والذين –مع الأسف- لايعنون بهذا الاعتراف الخطي بالشعب الكردي سوى منح الكرد “حق المواطنة” دون “حق تقرير المصير” كشعب من الشعوب… والمغالطة الكبرى تكمن في أن بعضهم يفسّر هذا الحق على أنه دعوة للانفصال أوتوماتيكيا، وهذا افتراء ذي أغراض على شعب مضطهد يسعى للاعتراف به كمكوّن اثني أساسي في البلاد السورية…لا أكثر ولا أقل…
وأملي هو أن أتابع الكتابة عن ملفات الحركة الكردية السورية التي نشرت الجزء الأول من مقالي السابق عنها منذ أيام، حيث أن المفاهيم الخاطئة تؤدي إلى سياسات خاطئة، ومن هذه الملفات (العلم الكردي والعلم السوري)، (العلاقة الكردية مع النظام البعثي)، (الشيوعيون والقضية الكردية)، (الكردي والكردستاني)، (تيار التجديد الكردي)، وما إلى هنالك من موضوعات، منها الساخنة ومنها التي بردت مع الزمن، ولكن من خلال العودة إليها نقترب بشكل جاد من جذور هذه القضية ونفهمها أو نتفهما أكثر…
وعسى أن نصل بفتح هذه الملفات إلى نقطة ضوء ساطعة يمكن أن نتحدث فيها بجرأة عن مختلف ملفات هذه الحركة، مما يزيد الحوار الديموقراطي قوة واتساعا بين محبي سوريا…
والآن لنقترب من موضوع العنوان …
عندما انفصل عن حزب الوحدة الديموقراطي الكردي (يكيتي) الأستاذ نوري بريمو (حاليا مسؤول اعلام حزب البارتي الكردي السوري في اقليم كردستان العراق) أعلن عن حركة أطلق عليها اسم (حركة الحقيقة الكردستانية في سوريا) أو شيئا من هذا القبيل، وادّعى الأستاذ نوري بريمو ان مئات الأعضاء والكوادر من حزب يكيتي الذي يقوده السيدان اسماعيل عمر (من الجزيرة) ومحي الدين شيخ آلي من (جبل الأكراد) (1) سيتعاونون معه أو انفصلوا معه لتشكيل هذه الحركة “الكردستانية” التي جاءت لتغيّر الكثير من مفاهيم النضال القومي الكردي في سوريا، وشرع يحمل شعارات واضحة تتصف بالكردستانية التي كانت تفتقدها الحركة الكردية السورية داخل البلاد، ولكن سرعان ما اكتشف الناس أن الأفكار التي نشرها في بيانات حركة الحقيقة الكردستانية في سوريا تكاد تكون صورة طبق الأصل عن الافكار التي حملها حزب (بارتي ديموقراطي كوردستاني سوريا) الذي أسسه جان كورد في عام 1999-2000 خارج البلاد، هذا التنظيم الذي سنعود إليه في وقت آخر لما تميّز به من اطروحات مختلفة عما كانت تطرحة الحركة الكردية السورية حتى أواخر القرن الماضي، والذي حورب بقساوة نادرة من قبل الحراك السياسي الكردي السوري ذاته رغم اصراره منذ البداية على أنه مجرّد محاولة لبعث أول حزب كردستاني سوري من جديد، تأسس أول مرّة في عام 1957 على أيدي ثلة من ناشطي الكرد وفي مقدمتهم الأستاذ الذائع الصيت عثمان صبري الذي كانت حياته سلسلة من النضالات والاعتقالات والدكتور نوري الدين ظاظا المثقف الحقوقي الذي صار أول أمين عام (رئيس) لحزب كردي في سوريا…وحسب علمنا فإن جان كورد تخلّى عن العمل الحزبي منذ أكثر من عام ونصف، وأصدر بذلك آنذاك تصريحا شخصيا تم نشره في العديد من المواقع الالكترونية الكردية…
ونقلا عن أناس كانوا مع الأستاذ نوري بريمو، فقد طرح عليه أن يتولى منصب الأمين العام في بارتي ديموقراطي كوردستاني سوريا شريطة أن يحلّ حركته الجديدة فقط، ولكنه أبى ذلك حيث تذرّع – كما يبدو- بأن حركته قوية في الداخل السوري وسيقضي على نفوذ رفاق الأمس من أمثال الأستاذ اسماعيل عمر والأستاذ محي الدين شيخ آلي اللذين –حسب رأيه- لايخرجان مطلقا عن الخطوط الحمر (!) لسياسة النظام البعثي بين الشعب الكردي، بل راح يكيل اتهامات العمالة لبعض القياديين الذين عمل معهم لسنين طويلة…وهذا ما أدّى حسب ما قرأناه من بيانات آنذاك إلى انضمام فريق من أنصاره في حركة الحقيقة الكردستانية إلى بارتي ديموقراطي كوردستاني سوريا…
رحّب الكرد المطالبون باحداث تغييرات جذرية في الحراك الكردي السياسي بحركة الأستاذ نوري بريمو التي كان موقعها الالكتروني يؤّكد على بداية نهج جديد ومسار جديد وممارسات جديدة في النضال من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان في “كردستان سوريا”…
ولكن لأسباب نجهلها أو لم تتوضّح لدينا أعلن الأستاذ نوري بريمو فجأة عن حل حركة الحقيقة الكردستانية من مكان اقامته في كردستان العراق وانضمامه إلى حزب البارتي الذي يعتبر تاريخيا “فرعا سوريا” من الحزب الديموقراطي الكردستاني الذي يقوده الرئيس الكردي مسعود البارزاني… والبارتي “السوري” يكاد لايختلف في شيء عن حزب الوحدة الديموقراطي الكردي (يكيتي)، لا من حيث النهج السياسي ولا من حيث الممارسة العملية ولا من حيث العلاقات السورية، بل إن التركيب الطبقي والاجتماعي لمنتسبي الحزبين يكاد يكون من الطينة ذاتها… ولم يتخلّ الأستاذ نوري بريمو الذي يعيش منذ سنوات في الحرية في حماية حكومة اقليم كردستان العراق أو على الأقل في حماية الحزب الديموقراطي الكردستاني عن “الاسم الكردستاني” لحركته وانما عن النهج المعلن من قبله أيضا، وعاد ليصبح مدافعا صميميا عن خط “البارتي” الذي كان هو ورفاقه حين تواجده في موقع المسؤولية في (يكيتي) يتهمونه فيما مضى بالرجعية ويعاتبونه على التبعية للبارزاني وغير ذلك من الأسباب الموجبة لعدم الاتحاد أو الوحدة معه…
ولذا فإن الأستاذ نوري بريمو، رغم تسلّمه منصب مدير الاعلام لحزبه “البارتي” في اقليم كردستان العراق، والذي يكتب يوميا مقالات جميلة حقا، يتفادى فيها أي نقد لسياسة حزبه وأي عودة إلى أفكار “حركة الحقيقة الكردستانية” لم يتمكّن في الفترة الماضية ولن يتمكّن لأسباب عديدة من احداث أي تغيير حقيقي في “البارتي”…
أما الأستاذ بير رستم، المثقف الكبير الذي له نتاجات كثيرة باللغتين الكردية والعربية، وتعرّض لمضايقات متتالية من النظام السوري، وتمت مداهمة منزله وصودرت كتبه ووثائقه وكومبيوتره، حسبما قرأنا في المواقع الالكترونية، والذي أضطّر إلى اللجوء عن طريق لبنان أو الأردن إلى كردستان العراق، ولايزال وضعه غير ثابت لاهماله من قبل بعض رفاقه القياديين القدامى هناك، رغم أنه عضو مرشح للجنة المركزية لحزب “البارتي” الذي ينتسب إليه الأستاذ نوري بريمو أيضا، فإنه صعّد من حدة لهجته السياسية، حتى من قبل الهروب من سورية، ليس تجاه النظام الحاكم فحسب وانما تجاه التيار المحافظ في الحراك السياسي الكردي، وشرع منذ زمن ليس بقصير في استخدام مفردات “كردستانية” صارخة، داعيا بجرأة إلى تجديد شامل في فكر واطارات التنظيم الكردي والانتقال إلى أشكال متطوّّّّّّّرة من النضال القومي الكردي والوطني السوري، وبلغة عربية رائعة يفهمها الكردي الذي لايجيد العربية والعربي المثقف المتعمّق لغويا وسياسيا أيضا…
يلاحظ المرء بأن الأستاذ بير رستم واضح في نقل أفكاره، يتجنب الابهام والغموض، ويحاول اثارة الزوابع حتى داخل حزبه بالذات بهدف دفع السياسيين والمثقفين الكرد إلى حوارات جادة حول مختلف المسائل، ومنها مسألة “الكردي والكردستاني” بشكل خاص، وليس أدلّ على جرأة هذا الانسان من ردوده الأخيرة على الدكتور عبد الحكيم بشار الشخصية المحورية حاليا في حزب “البارتي”…فالذي يقرأ مقالات الشخصين القياديين (عبد الحكيم بشار وبير رستم) يرى أن هناك خطين متوازين واضحين في خطابيهما… ويدافع الأستاذ بير رستم عن آرائه في الحزب ذاته من منطلق أن “الأمين العام” أو “الرئيس” عندما يكتب مقالا باسمه فإن عليه قبول الردود حتى من رفاقه في المسؤولية عندما يردّون باسمائهم، ولكن في الحقيقة فإن الأستاذ بير رستم يهدف من خلال ما يكتبه نقل “البارتي”إلى بقعة ضوء جديدة، وهو واثق في أعماقه من أن الجدار الذي يحتمي به في كردستان العراق لن يتهدم على رأسه بسبب هذه الأفكار، والصراع الكردي السوري سيبقى سوريا، رغم أن المعركة قد تمتد إلى ساحات كردستان العراق أو أوروبا وأمريكا، حيث تتواجد جاليات كردية سورية كبيرة، تسود فيها أفكار ليست بعيدة البتة عن الأفكار التي يكتب عنها الأستاذ بير رستم وكتب عنها الأستاذ نوري بريمو فترة قصيرة منقبل ثم تخلّى عنها لأسباب ذاتية وموضوعية بالتأكيد…
طبعا ليس من مصلحة الأستاذ بير رستم، وخاصة في وضعه الحالي، أن ينقلب عليه حزبه ويتهمه بالانحراف والخروج على الخط العام التقليدي للبارتي، ولكن المثقف يشعر باستمرار بمسؤوليته تجاه قضايا الشعب والوطن والسياسة التي يؤمن بها، لذا فإن سكوته في مثل هذه المواقف لايقل ضررا عن بوحه ببعض الآراء التي لابد من التطرّق إليها، خاصة وإن القضية هي قضية شعبه…كما ليس من مصلحة “البارتي” ولا من مصلحة الدكتور عبد الحكيم بشار، السياسي الذكي، التخلّي عن مثقف كبير مثل الأستاذ بير رستم، وبخاصة في هذه الظروف التي يكثر فيها منافسوه في البارتي وخارج البارتي، لذا فإن الحزب المشترك سيلجأ إلى ممارسة ضغوط غير مباشرة، لاحاجة للتطرق إليها بعمق، على الأستاذ بير رستم، لتخفيف وطأة كتاباته العلنية والاكتفاء بتوجيه ملاحظاته عن طريق البريد التنظيمي، وذلك بذريعة حفظ سلامة ووحدة الحزب… ويعلم “البارتي” جيدا بأن العديد من التنظيمات الكردية السورية والكردستانية أيضا تفتح أذرعها لمثقف في مستوى الأستاذ المتمرّد، أو لنقل بدقة “الداعي إلى تجديد البارتي فكرا وسياسة وممارسة عملية”…
أصدر بعض الناس نداءا باسم “…المستقل حزبيا (1)” إلى قيادة البارتي مطالبين بفصل أو طرد الأستاذ بير رستم من الحزب ذاكرين بعض الأسباب ومنها “استخدامه المستمر لمصطلح: غرب كوردستان!” وكأني بهؤلاء يرون لكوردستان شرقا وشمالا وجنوبا دون غرب… وهذا ليس إلا تملقا لقيادة البارتي ولفصائل من المعارضة السورية تنكر أو تعارض أي حديث عن كردستان التي سمّاها الدكتور الاجتماعي التركي اليساري اسماعيل بشكجي ب”المستعمرة الدولية” والأمة الكردية التي قال عنها الاسلامي العريق فهمي الشناوي بأنها “رأس حربة الأمة الاسلامية”…
ومهما يكن فإن فتح نقاش جاد في حزب “البارتي” بعد أن تطوّر نقاش كهذا من قبل في حزب يكيتي الكردي (الآخر) الذي يقوده الأستاذ المناضل حسن صالح والسياسي المحنك الأستاذ فؤاد عليكو النائب السابق في مجلس الشعب السوري وأدّى إلى تمرّد واسع من قواعده التنظيمية في الساحة الأوربية على القيادة في الداخل، لن يشكّل خطرا على وحدة البارتي لسببين:
أولهما – ليست هناك قواعد تنظيمية قوية له في الخارج، ومنهم كالأستاذ محمد سعيد ألوجي، المناضل العريق والمخلص للبارتي، من يعيد سبب انهيار تنظيم البارتي أوربيا إلى سياسة وتصرفات الدكتورعبد الحكيم بشار، كما أوضح في عدة مقالات منشورة في المواقع الالكترونية،
ثانيا- لأن قواعد البارتي في الداخل لاتجد أي ضرر واضح وظاهر لانتشار الأفكار التي يتطرّق الأستاذ بير رستم على الحزب، فالسياسة القمعية للنظام الحاكم في سوريا (نظام الأمر الواقع!) لاتخفف عن الكرد وعن البارتي وسائر الحراك السياسي الكردي، سواء أكان يحمل مواصفات “كردية” أو تسميات “كوردستانية”…وهذه حقيقة يجب أن لاننكرها في المعارضة السورية الديموقراطية…
وعلى العكس من توقعات العديد من “المحافظين” الكرد السوريين فإن البارتي من خلال انتهاج مسار تجديدي كالذي يدعو إليه الأستاذ بير رستم سينتقل إلى بقعة ضوء أشد اشراقا وأوسع دائرة، وقد يتمكّن بذلك من امتصاص القواعد المتمرّدة على قيادة السيد فؤاد عليكو ومن على مساره في حزب يكيتي، وبذلك يستعيد “البارتي” بريقه وقد تتسارع خطواته في الوحدة التنظيمية لتشرّبه الأفكار التجديدية وقد يمد الأستاذ حسن صالح يديه للبارتي في عملية جريئة للتوحيد بين حزبه (يكيتي) وبين (البارتي) من قبل أن يتوصل البارتيون البارزانيون المنشقون على أنفسهم من تحقيق وحدتهم المختلفين على أسسها وشخوصها ومسارها…
على كل حال، قد تكون هناك نواحي لاتزال غامضة لنا، لم نتمكّن من القاء الضوء عليها لاستكشافها بعد، إلا أنه من مهام الناشط السوري أن يقترب من أعماق الحراك السياسي الكردي أيضا، وذلك من باب: “لو أن شاة تعثرت في العراق لرأيتني مسؤولا عنها” أو كما قال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض)…

عبد الله قنديل – ناشط سوري
———————————————————-
(1) (معرّب إلى جبال حلب، وحلب التي تبعد عن المنطقة حوالي ستين كيلو متر شرقا ليس فيها جبال)