الرئيسية » مقالات » عودة المُغتربين وإغتراب العائدين!؟

عودة المُغتربين وإغتراب العائدين!؟

يحكى ان “الراوي” عاد من الغربة الى أحضان وزارة “التَهجيرِ” و”المُهَجِِرين” فوجد نفسه مجهولاً بعد أن كان مخرجاً معلوماً..

طالبه أهلُ الحلِّ والعَقدِ بقراطيس من دولة السوفييت التي صارت أثراً بعد عين..مثلما يطالبون ضحايا الإضطهاد السياسي بوثائق ـ مُثْبَتَةٌ ـ من نظام صدام يؤيد بها ـ بالدليل القاطع ـ إضطهادهُ لهم!!

ولكي يثبت ” الراوي” انه مُخرجاً وان لديهِ مايُثبِتُ انه ” يُفِكْ الخًط ” السينمائي ..قَلًّبَ وجهَهُ ـ حائراً ـ في وجوه العدد غير القليل من الفنانين والمثقفين العائدين الذين صدقوا دعوة اهل الدعوة !..وعادوا للوطن الذي حرمتهم الدكتاتورية منه.. باحثاً عن مُنجٍْ يُعصمُهُ من التبدد في المكان والزمان!

هؤلاء المثقفين المُصطفين بطابورٍ متألقٍ يمتد من نافذة وزارة ” التهجير ” الى كل ركن غريب يئن فيه ملايين العراقيين في بقاع الدنيا ..

عادوا حالمين فإرتَدّوا يائسين..

لان مطالب “دولة القانون ” تستخف بعقولهم..وتشكك بتأريخهم وتطعن بنواياهم ..وتعصف بضمائرهم..

بعدما أطلقت عليهم الدكتاتورية في عصرها الدموي مُسمى ” المُرتًدون”!!!

لا لشيئ ..إلاّ لأن الدولة فاسدة ..والحكومة عاجزة عن تطهير نفسها وتفكيك جدران دولة الفساد..التي أنتجها ويحرسها الاحتلال..

فوجد موظفوا ” دولة الطوائف ” في المثقفين ـ اضعف خلق الله إنسانا ـ و…..( ابوي مايقدر على غير امي !!!!)..

ويعرف أهلُ الحكم وخصومهُ وحماتهُ والمتآمرون عليه..

ان المغتربين خارج الوطن وداخله.. ليسوا شركاء مع مفسدي الدولة ..والمثقفون المُشردون في الغربة ..ليسوا مُلوّثين بالمال الحرام ولا مُلطخة إيديهم بدماء الآخرين ..كما هم المُشككون بسيرة المثقف العراقي النضالية..او المُستخفون بمواقف المعارضين للدكتاتورية والرافضين ـ اليوم ـ لدولة المحاصصة ..والنابذين لسلطة الطوائف والأعراق .. هذه السلطة المُجَوَّفة ـ والمُعديَّة ـ التي تَنخرُ جسد الوطن ..وتَقبِرُ مؤسسات الدولة بـ”الازبال” والفاسدين والعاطلين والعلاّسين ووعاظ الشياطين..

حتى ان مؤسسات الدولة العراقية مرشحة اليوم لدخول ـ كتاب غينز للارقام القياسية ـ كـ”اوسخ وافسد مؤسسات حكومية” .. وكأننا لسنا في عراق النخيل وننتج ” المكانيس ” منذ العصر السومري الاول..وكأننا لسنا في دولة مُنتجة للنفط وليست دولة منتجة لـ”الروث” والرائثين فحسب..

يفاجئك موظفوا الدولة بمطالبتهم لك بالوثائق ـ الأصلية !!!!ـ ” لان الوثائق الأصلية في الدولة ـ كما يتندرون ـ قد أُحرقت أو أُتلفت ” و:كأن العراقي المضهد “جينيا” هو الذي أتلف وأحرق وثائق ومؤسسات الدولة العراقية ..وعليه ان يتدبر وثائقا بديلة..وليس غوغاء سلطة الغزو والاحتلال هي التي رعت وباركت إحراق العراق ـ وطنا وشعبا ودولة ـ ..ولم يكتفوا بذلك ..بل ان المزابل المكدسة في المباني الحكومية المتربة..التي يسمونها “الوثائق” والتي تغشوها العناكب وطبقات الغبار ـ ولم تمسها المكانيس ـ منذ حرب البسوس ..هي مسؤولية هذا العراقي المغترب خارج الوطن وداخله ..والباحث عن “فَرَجٍ” يُنجيه من مَهانة الغربة وذُلِّ العَوز..وعليه أن يُدمن الصمت على صرير الاهتراء الذي يسري في كل مفاصل الدولة ..كي يرضى عنه “أولي الأمر” وما أكثرهم..بعد ان سقط الصنم الواحد وتشظّى الى أصنام صغيرة!!..يحلم العديد منهم أن يكون ـ هبل ـ جديد!

ومن غرائب دولة هذا العراق وعجائبها..ان المُطبقين على فرائص الوزارات والدوائر الحكومية يطالبون العائدين بعد الغربة الممتدة عقودا من الزمن والفرار ـ عُراتاً حُفاتاً ـ من الدكتاتورية بتقديم “هوية موظف” تثبت إنتمائهم للوظيفة قبل اكثر من ربع قرن..وكأن هؤلاء العراقيين المطاردين في وطنهم وخارجه..لم ينفذوا من الدكتاتورية بجلودهم في ليلة ظلماء ..بل ان البعض منهم فر دون ان تتاح له فرصة إرتداء جلده!..

والمفارقة المفجعة..يقول مُقرَبٌ من أهل الحكم وحريص على سمعته:” ان الهدف من هذا الإستجواب ـ المهين ـ هو.. منع تسلل المُزوِّرين بعد ان إمتلئت أجهزة ومؤسسات الدولة والرئاسات والحكومة والوزارات والبرلمان ومجالس المحافظات وأجهزة الجيش والشرطة والامن بهم..”..

وكأن هؤلاء المفسدين للنزاهة خرجوا من (مقهى ابراهيم) ـ مقهى المعقدين !!!ـ ..وليسوا من أعضاء الاحزاب الحاكمة وحوشية زعمائها وحمايات قادتها والمزمرين لها..

فهل يُخفى على أحد ماتُعلِنُه الحكومة ـ في السراء والضراء ـ من طرد عشرات الآلاف من الوزارات بسبب الفساد الاداراي والمالي ( بعد ماتفوح الريحة لليافوخ !)..وهم ” من أتباع هذا أو ذاك من أهل الحكم “..ومازال مئات الآلاف منهم يشكلون سِدا ولُحْمَة القوى السياسية الممسكة بالسلاح والثروة والسلطة..يتفشون في جسد الدولة والمجتمع كالطاعون ..وكأن الجُذام الذي توارثته الدولة والمجتمع العراقي من زمن الدكتاتورية وأستوطن في خلاياها منذ عقود ..لم يعد كافيا لمسخ العراق وتبديد أمل العراقيين بدولة “القانون” والمواطَنة!

فالحاكمون والمحكومون يُدركون إن المفسدين لم يخرجوا يوما من بين صفوف المثقفين المبدعين..ولا من بين صفوف المناضلين الوطنيين الزاهدين..ولا من بين الفقراء المُتعففين..ولا من بين المُنتجين المُتيقظين..

ان هؤلاء المفسدين هم نتاج التطرف السياسي والتخلف الاداري والتحجر الفكري والتردي السلوكي والخيانة للوطن..التي انتجتها الدكتاتورية وكرسها وشرعنها الاحتلال!!

ولهذا فإن تعقيد وإحباط عودة المغتربين ..ذوي الكفاءات من ـ خارج الوطن وداخله ـ وخاصة المثقفين والمفكرين والاكاديميين والمتخصصين والمبدعين منهم ..ليس سلوكاً فردياً من موظف ـ غير مؤهل ـ او بطانة ملوثة فحسب ..بل..” ادرك القائمون به ام لم يدركوا”..انه نهج وموقف تدافعي تخريبي.. وصراع وجود ..بين الميل لبناء دولة ” القانون”..دولة الوطن والمواطن ومعيارها الكفاءة..وبين “دولة المحاصصة ” ..دولة التستر على المفسدين تحت عُصمة أمراء طوائفهم وأعراقهم.. ومعيارها الولاء لأصنام الطوائف والأعراق ..لا الولاء للوطن والشعب!

ومن مفارقات هذا العراق الذي نشأ عظيماً وأذَلَّهُ المتخلفون الطغاة ..انه أنتج أول حرف في التاريخ وأول رئيس لمجس النواب يطرد بتهمة التخلف!..بإجماع “الرافضة والنواصب!!”..بعد ان إجتمعت فيه أركان التخلف الخَمسْ ( حسب فقهاء مجلس النواب العراقي):

1. التخلف السياسي.

2. التخلف الاداري.

3. التخلف القانوني.

4. التخلف الحضاري.

5. التخلف السلوكي.

ولم يكن هذا “الرئيس” المعزول مُتفرداً في لائحة ” الديناصورات ” من أهل الحكم ..بل سبقهُ رهطٌ وتًصحبهُ جوقةٌ وتَعقبهُ أفواجٌ من المطعونين بكفاءتهم ونزاهتهم..ففي التجارة عَلّمتنا الميثولوجيا الشعبية “ان النزاهة تَكمنُ بالتجارة فإن فسدت التجارة إختَلَّ ميزان العدل..والعدل أساس المُلك”..ونحن اليوم في عراق العجائب..نقدم للعالم وزيراً للتجارة يتهمه النواب بالفساد والناس بالكساد!

وكلا ” الحاكمَين” المنبوذَين اليوم كانا حتى الامس القريب من “كرادلة محاكم التفتيش ” التي تستجوب العراقيين المغتربين داخل الوطن وخارجه ..كي يثبتوا ـ حسن السلوك ـ بعدم استلامهم لـ “البطاقة التموينية!” من موظفي جمهورية الخوف الذين ـ هم انفسهم ـ يمنحون اليوم صك البراءة من الدكتاتورية للمغتربين المضطَهَدين العائدين لـ ـ طلب العودة للوظيفة ـ وهم اليوم المُنتًجَبين لحساب موازين الحسنات والسيئات ..ودليلهم ان الهوية “ام الفسفورة!”..وان للمغترب العائد شهوداً ممن عايشوه يُثبتون بالدليل القاطع وبـ” طمغة المجلس البلدي” انهم من “أبناءالعراق”..رغم إن حكامنا وأولياء أمورنا (مزدوجي الجنسية)! ـ وفق الدستور التوافقي!!ـ.

ولم تنتهي عجائب هذا العراق..

ـ يقول ـ صاحبي الذي عاد للغربة نازف الروح بعد ان فقد الأمل بإقناع ـ قائد الجيش الشعبي في منطقته سابقاً ـ والموظف المسؤول عن مصيره اليوم في أن يكف عن ترديد ( هذا موشغلي هذا قانون!)..ان نفر من مؤسسة الشهداء:

ـ طلبوا مني مليون دينار ثمنا لهوية الشهيد!!..

كي تدعم طلبي بالعودة كمفصول سياسي للوظيفة..( رغم ان ـ دم الشهداء ـ صار جسرا لتسويق العديد من عديمي الكفاءة الى مختلف مناصب الدولة التي تتطلب الكفاءة!).

ويضيف صاحبي :

وأنا أخ لشهيد إغتيل في وضح الظهربمسدس معلوم ..عام 1982..

وقدمت أوراقي بثقة العارف بآلام جُرحه.. فأجابني الجالس خلف نافذة وزارة “التًهجير والمُهَجِرين”..( هذي ماتاكل) وعرضت عليه رسالة من حركة معارضة للنظام الدكتاتوي تؤيد مطاردة ذلك النظام لي ..فأعادها إليَّ (هاي هم ماتاكل)..ولا ادري ماهي الوثيقة الـ( تاكل )؟!..و(ماذا تاكل؟!)..بعد ان أمضى العراقيون عمرهم ( ياكلون……!!!).

قلت له ومن طلب منك؟

قال: واحد منهم!!؟

قلت:

كان أولى بك ان تشكرهم..لانهم لم يطلبوا منك ” قنطارا من الفضة وعشر نوق عصافير!”..وانت ياعزيزي ” زرزور مهلوس ريشه!”..

قال :

خشيت أن اشكرهم..فانا عاجز عن توفير ربع المبلغ..فكيف بي وانا اشكرهم وهم المؤمنون بـ( وإن شكرتم لازيدنكم )!

وفي “أخبار اليائسين وأعلام البائسين” :

ان علي بن فوزي بارح العاصمة الهاجعة بالضباب الى العاصمة المُبتلية بالخراب..وأمضى سبعة اشهر ساعياً ـ سَعيَّ أم اسماعيل هاجر ـ بين السليمانية والبصرة كي يُثبت إنه من أهل بغداد!..وانه خدم البلاد والعباد أكثر من أربعة عقود..

ومر علينا الفقير لله بن فوزي بعد ان حج ارض السواد ولم يتبقى منه غير ” الشاصي “..لكنه كان مسروراً ومحبوراً لأنه إستكمل الوثائق المطموغة بالاختام الفولاذية والاقلام الجافة والاصابع الخشبية ( العربية والكردية..السنية والشيعية)..وإنه أوصلَ الـ”فايل” الى حاجب بن صولاغ خازن بيت المال..ولم يتبقى سوى ( دخان البشارة الابيض!).

وإقمنا له دعوة شاي ـ سنكين ـ لعودته بالسلامة..والفوز دون الندامة..

وإذا بنا ونحن على مافيه من طرافة الحديث وفَكِهِ الكلامِ..إذ جاءه نداءٌ من أرض العجائب وموئل المصائب..إمتقع له لون صاحبنا ..وسألني بإندهاش الحائر:

ـ شنو يعني يريدون شهود؟!

قلت له:

ـ لا تيأس من رحمة الله ..انها فقط تعني..العودة الى المستنقع الاول!

فنحن العرقيون ياعزيزي مثل ( البزازين بسبع ارواح ) فإن أخفتَ في إكمال أوراقك في هذه الحياة.. فامامك ستة أرواح ( ست حَيَوات..ست فرص)..

نحن ياعزيزي ..في زمن يَحكِمُ فيه الماضي الحاضرَ..وتَقتِلُ فيه الذاكرةُ السوداءُ أجِنَّةَ الاحلامِ البيضاء..

تلك الاحلام التي رعاها العراقيون على مدى أربعة عقود وهم في غربتهم خارج الوطن وداخله..ليفاجأوا اليوم بإيقاعهم في دائرة ” المحنة” المهينة من قبل أهل “دولة المحاصصة”!..

دولة العجائب التي إصطَفَتْ متحدثاً يخاطب المثقفين من على المسرح قائلاً:

ـ أنا اقف على هذا المكان النجس…الخ الخ الخ الخ !!!!!!!!!!!!!!

هذه الدولة المتعددة الرؤوس المتنافرة..دولة ” المصالحة الوطنية ” التي انتهجت معيار الـ” نجسانة لا مو نجسانة ” في تعاملها مع بقايا النظام المُزال بإرادة الغزاة..

حتى وصلنا الى الاستفهام الميلودرامي..

ـ إذن…

من كان يسفك الدماء ويخوض الحروب ويقبر النساء والاطفال احياءً في البراري؟!

..ومن كان يطارد نوايا الناس ويحصي انفاسهم؟!

..ومن شَرَّد الملايين من العراقيين؟!

..ومن أهدر الثروات وأفقر العراقيين وأذلهم؟!

ووووووووووو…..

اذا كان ” المتصالحين” يتصالحون حتى مع الطالحين من أهل دولة ” السيانيد” ..ويصمّون آذانهم ويعصبون بصائرهم عندما يدور الحديث عن المصالحة مع “الثقافة”..

ألأن ـ الثقافة ـ مِجرفةُ التخلفِ..؟!

والتخلفُ حاضنةُ ” المسؤولين المُعاد إنتاجهم لترسيخ دكتاتوريات أُمراء الطوائف”؟!!..

وعلائم المصالحة مع الثقافة جَليَّةٌ..منها:

§ إحترامُ العقلِ ونَبذُ الدجلِ.

§ إعادة الإعتبار للكفاءات واستئصال المحسوبية والمنسوبية .

§ رعاية المثقفين وتثقيف المتخلفين..لاتكليف المتخلفين واقصاء المثقفين.

§ تشجيع المبدعين المجددين ..لا شراء صَخب الطبّالين.

§ تحفيز المنتجين اليائسين ..لاتيئيس المغتربين المتحمسين العائدين.

ومن تجليات المصالحة مع الثقافة:

§ تطهير الدولة من فساد أهل الدولة.

§ كنس الأزبال عن مباني واجراءات ومناصب المؤسسات الحكومية.

§ نشر غسيل الحكام الكبار والصغارعلى حبال شبكة الانترنت.

§ تهذيب الوظيفة العامة من أدران الاستحواذ الاقطاعي المدجج بالاستئثار والضغينة.

§ اعتماد مبدأ ـ جودة النتائج معياراً لجودة الاجراءات ـ.

§ تكريس سلوكيات ـ رضا المستفيدين من الخدمات ـ كمقياس لرقي الخدمات في الوظيفة العامة.

وللحديث صلة!