الرئيسية » الآداب » مروة كريدية في حوار حول مفهوم السلطة والمعارضة والإصلاح السياسي

مروة كريدية في حوار حول مفهوم السلطة والمعارضة والإصلاح السياسي


المجتمع المدني كمفهوم غير
متبلور في أذهان الناس وحكومات الدول العربية تعمل على إعادة إنتاج نفسها ………


الدساتير تحتاج لتفكيك نقدي جاد والبرلماناتالعربية عبارة عن منتديات لتحقيق المكاسب الطائفية واقتسام الكعكة



حاورها : مازن لطيف – مجلة بغداد



لماذا يعاني المثقف العربي من صعوبة فهم الاصلاح السياسي ، بل أنهُ في بعض الاحيان يقف بالضد منه كممارسة انسانية وآلية ادارية في الحكم؟



ان إشكاليات المجتمع تنعكس عادة عبر كل الطبقات المجتمعية بما فيها المثقفين أنفسهم ، ان مفهوم الإصلاح غير واضح في معظم الدول “المتأزمة ” (وليس العربية فقط) ، و لا يمكن ان نتكلم عن الإصلاح السياسي بمعزلٍ عن اصلاح سائر مؤسسات المجتمع الأخرى .. أتساءل : كيف سيكون اصلاح سياسي في ظل فساد إداري ؟ وكيف نرتقب وعيًا وطنيًا وسياسيًّا و الكتب التعليمية في مدارسنا مازالت تحض على كراهية الآخر؟ وكيف لنا أن نتكلم عن انتماء وطني في وقت الهوية الوطنية غائبة وولاءات الناس لطوائفهم وعشائرهم لا لبلدهم … نعم لازال مفهوم الوطن غائبًا … وللأسف كل يغني على ليلاه ويقدم “اصلاحا” يتماشى مع مصالحه “ومكاسبه الطائفية والانتخابية لا سيما في الدول التي تتشكل من نسيج اجتماعي متنوع .



فهل المواطن العربي لا يعرف أبعاد مواطنيته وهل مفهوم الوطن غائب ؟ كيف ترين هذه العلاقة الجدلية بين الشعب والساسة؟


لا يزال مفهوم المواطنية في الدول العربية مفهومًا “هلاميًا” تحيط به الضبابية الكثيفة ، فالمفاهيم تتكون وتتبلور عبر تراكم التجارب الإنسانية، وهي تخضع لقانون تطور المجتمعات والثقافات، وهي ترتبط بشكل مباشر و عضوي بمنظومة القيم والأعراف السائدة فيها ، علاوة على بنية النظام السياسي الخاص بكل دولة ومجتمع .


إن مبدأ المواطنية بما يحمله من مضامين ديموقراطية حديثة، تشكَّل مع ظهور العلمانية وهو يستند اليها بشكل مباشر، وبما أن معظم الدول العربية تتعاطى بحساسية بالغة مع موضوع العلمانية، لا سيما في أوساط المؤسسات الدينية، فإنه بطبيعة الحال يبقى مفهوم المواطنية غير واضح المعالم ، لذلك تظهر صور التناقض الصارخة في المجتمعات العربية لا سيما تلك التي تتشكل من تعدديات دينية او عرقية مثل لبنان والعراق وغيرهما، حيث تلعب الطائفية السياسية الدور الأبرز في بنية النظام السياسي فيهما .



نرى دوما ان القوى المعارضة هي التي تتبنى مشاريع تصفها بالاصلاحية في حين تأخذ السلطة دور المدافع ، ماهي المعارضة من وجهة نظرك ؟



السلطة الحاكمة في دولنا عادة تعمل على عدة محاور لإعادة انتاج نفسها من جديد مستخدمة كل الوسائل الممكنة، والاصلاح بالنسبة لها يعني السماح “لمن تصفهم بأنهم “أعداءها ” بالمشاركة في السلطة وهو أمر لا يريحها بحالٍ من الأحوال، والمفارقة العجائبية في بعض الانظمة انها “تخترع معارضيها ” فتتخذ في العلن شكل “معارضة ” غير انها تكون في الحقيقة صنيعة النظام نفسه !


والأعجب من ذلك هو اننا نجد احيانا ان شركاء النظام “الفاسد ” والذين واكبوه وأيدوه عشرات السنين ينقلبون بليلة وضحاها الى “أشراف نزيهين ” ويتحولون الى “معارضة ” ويتخذون من الدول الغربية مقرا وينادون بالحرية والديموقراطية في وقت كانوا هم انفسهم أداة قمع استخدمها النظام سنين طوال !


اما على صعيد العلاقة الحالية بين المواطن بالسلطة فهي علاقة مأزومة تاريخيا، ومفهوم المعارضة مرتبط في الاذهان بالطامعين، وهو مفهوم خاطئ ، علما ان المعارضة في الدول العصرية لا علاقة لها بالطمع على السلطة، فالمعارضة في الدول الحديثة هي جزء من مكونات المنظومة الديموقراطية والعمل المؤسساتي الذي يضمن الحق القانوني للمواطن بالمسائلة والمحاسبة على المشاريع التي تتبناها الحكومة ، ومعالجة قضايا الرشوة والهدر والفساد .. فالمعارضة لا تعني الطمع بالسلطة لان مفهوم الدولة مرتبط بالتداول أصلا .



تكلمتي عن محاولة السلطة السياسية اعادة انتاج نفسها ما هي الوسائل التي تتبعها وما هو مكان النخب في هذه المسألة ؟



السلطة السياسية عادة تسعى جاهدة الى السيطرة المباشرة او غير المباشرة على صُنّاع “الرأي العام” ، فتعمل على استقطاب طبقة من “مثقفي البلاط” و”فقهاء السلاطين ” و”قضاة القصور ” و “اعلاميي الديوان “…وهم الذين عادة يشرّعون لها ممارستها وفسادها ويضعون الايديولوجيات اللازمة لاستمراريتها ويطبلون لها ويزمّرون … فتصبح ممارسة العنف في السجون ضد الشعب نوع من “محافظة على الامن ” …وتشرعن عملية سرقة أموال الشعب بجداول تدخل الميزانيات بمسميات غيرمفهومة ولا معلومة ، كما تعمد الى اساليب غير مباشرة “بشراء” الافراد والولاءات والجماعات ووسائل الاعلام … وتكريس صورة “الزعيم ” في رأس الجيل الجديد بشكل يقدم فيه السياسي الحاكم وأدائه على انه هبة من السماء منزه عن الاخطاء والعيوب والنقائص وان انجازاته “العظيمة ” لا تتحق الا من خلال اسطورته الحكيمة !



ألا تجدين ان صورة الزعيم الواحد تجاوزها الزمن ؟ بعد سقوط وانهيار نماذج الشخص الواحد ؟


استعرض كافة الدول العربية من المحيط الى الخليج لكل مجموعة منها “رمز” تمجده سواء كان هذا الرمز يخص طائفة او مذهب او تيار او رئيس او شيخ او كاهن… وكأننا أمم لا نستطيع ان نعيش بدون آلهة الارض، العقلية السائدة في المجتمعات غير قادرة على التحرر من أسر “الزعيم” ! فحتى لو شتمت الشعوب “زعيما او طاغية” وساهمت في سقوطه وانهياره فإنها تستبدله “بزعيم ” آخر يكون اشد بأسًا واشد تنكيلا!العقلية لا زالت غير حرّة !



وهذه الصورة “الصنمية الواحدة” تغيرت في بعض شكليتاها وغدت أكثر “حداثة ومعاصرة” الا ان مضمونها مازال قائمًا ، بطبيعة الحال الصورة تغيرت عن ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بسبب انتشار وسائل الاتصال بحيث بات من الصعب اخفاء الممارسات القمعية العلنية ، وبعد ان كان القمع مباشرًا بات مركبّا ومقنّعا وأكثر خبثًا وأكبر ضررًا .



فقد امسى الفساد متفق عليه تحت شعارات فاضلة او مسميات “حكومة وحدة وطنية” والبرلمانات اصبحت عبارة عن منتديات لتحقيق المكاسب والمصالح الفئوية، ومكان جيد لاقتسام الكعكة على قاعدة “رزمة ليّ ورزمة لك “، وما السجالات التي تدور في بعض البرلماناتت الا عبارة عن مسرحية للحفاظ على “التوازن” اي على حجم قطع الكعكة المقسمة، و يسقط القناع عادة مع اقتراب “الانتخابات ” حيث تظهر القوى بوجهها الطائفي الحقيقي بعد ان تكون قد تغنت بالوطنية ردحا من الزمن !



اين الوعي السياسي عند اذن ؟ وكيف يكون الاصلاح ؟



مازال “الوعي السياسي” ومفهوم المجتمع المدني غير واضح في الأذهان وما زالت التصنيفات العنصرية هي السائدة : هذا شيعي والاخر سني وهذا ارثوذكسي والاخر صابئي وهذا ماروني والاخر بروتستانتي… وهذا من العشيرة تلك وذاك من قبيلة أخرى… وهذا كردي والاخر فارسي … وعليه فإننا نجد ان انتماء معظم الافراد في دول المنطقة هو انتماء ضيق اما لعائلة حاكمة واما لحزب او او لعرق او لطائفة او لمذهب مع ما يرافق ذلك من عنصرية تُرتكب بحق من يُصنف على انه مختلف ، والطائفية مكمن الفساد .



إن عملية إصلاح الخلل، لا تتم الا من خلال قرار شعبي وسياسي جاد، وارادة اصلاح حقيقية، تبدأ من إصلاح الدساتير الجامدة وإعادة تأويل النصوص، فمَشروعية النصوص الموجودة حاليًّا عليها مئة علامة استفهام ، وهي تحتاج الى تفكيك نقدي جاد وعملية إصلاح جذرية؛ و التأسيس الحقيقي لديموقراطية ترتكز على الحرّية ،وعلى رأسها حرّية الفكر و التعبير والمعتقد، وتهيئة المناخات الثقافية التي تسمح بالتعددية الفكرية الثقافية وتعايشها ..



****


مروة كريدية – كاتبة وباحثة في الاجتماع السياسي


من اصداراتها : افكار متمردة في الفكر والثقافة والسياسية – فكر على ورق – معابر الروح