الرئيسية » التاريخ » اصداء الثورة الدستورية (المشروطية) الثانية 1908 في ولاية الموصل العثمانية الحلقة الثانية

اصداء الثورة الدستورية (المشروطية) الثانية 1908 في ولاية الموصل العثمانية الحلقة الثانية

ثالثا: صدى عودة الدستور في ولاية الموصل العثمانية:
عبرت شعوب الدولة العثمانية بموقفها بين مؤيد ومعارض تجاه الثورة الدستورية التي حدثت في سنة 1908، فمن ناحية انتشرت جراء الثورة موجة من الفرح وكانت سببا لاقامة المهرجانات والابتهاج في معظم ارجاء الدولة العثمانية التي شارك فيها المواطنون املا في بداية عهد جديد تترجم فيه شعارات الثورة من الحرية والعدالة والمساواة الى واقع ملموس (34).
ومن جهة اخرى وقفت مجموعة من انصار الوضع القديم موقفا معارضا تجاه الثورة وطالبوا بالغاء الدستور وعودة حكم الشريعة الاسلامية (35).
ولم تمر الثورة دون ان تترك اثرا في العراق فعلى الصعيد الرسمي اقيمت الاحتفالات الواسعة ورفعت معالم الزينة في معظم المدن والاقضية والنواحي (36).
اما على الصعيد الشعبي فقد اختلفت مواقف العراقيين، واستقبلت الجماهير الشعبية انباء الثورة بمشاعر الاستغراب (37). كانت للمساواة بين الناس وتقييد سلطة السلطان التي نادت بها الثورة قد سببت ازعاجا شديدا لبعض الاوساط العراقية المحافظة الذين كانوا ينظرون الى مفهوم المشروطية بقلق وتوجس. (38)
اثارت الثورة (المشروطية) اهتماما واسعا في العراق، ولا سيما عند المثقفين وهم قلة في المجتمع العراقي ومن الذين درسوا في مدرسة الحقوق والمدارس الرشدية والعسكرية في بغداد والكلية الحربية والمدارس في استانبول فاتصلوا بالجامعات والفئات المختلفة وتبنوا بالاراء والافكار الحديثة او انتسب بعضهم الى جمعية الاتحاد والترقي ودعمها بالقول والعمل، وعبروا عن تأييدهم الثورة وفرحوا لنجاحها باعتبارها انتصارا للحرية والحكم الدستوري وخطوة نحو التقدم والتخلص من الظلم والاستبداد (39) واستقبل النصارى واليهود عودة الدستور بالفرح، ربما املا في المساواة الدينية. (40)
جاءت المعارضة من كبار الوجهاء والاغنياء واصحاب المصالح الذين لم ترق لهم المساواة بين الاغنياء والفقراء وبين المسلمين وغير المسلمين، هؤلاء وجدوا ان الدستور خطر على افكارهم وامتيازاتهم الاجتماعية، اما الاخرون من ذوي التفكير الديني فقد اعربوا عن سخطهم لما حدث ووجدوا في شعارات الثورة مثل المساواة والاخاء اهانة لهم واذلالا للاسلام والمسلمين (41).
تشير الدراسات التاريخية الحديثة والمتعلقة بتاريخ ولاية الموصل الى ان صدى اعلان عودة الدستور في ولاية الموصل كان محدودا او لم يكن بمستوى الحدث الخطير (42) ويرجع ذلك الى سببين:
الاول: وجود اعداد من انصار السلطان عبد الحميد الثاني في الولاية والذين تأثروا بنزعته الدينية والداعية الى تبني سياسة الجامعة الاسلامية القائمة على اساس اتحاد العرب والترك تحت لوائه وتأثر سكان الولاية بالحملات الدعائية التي كانت الدولة تروجها لصالح فكرة الجامعة الاسلامية. كما حرص السلطان على خطب ود الاسر المتنفذة في الولاية ولا سيما الاسر الدينية، عن طريق اغداق الامتيازات عليها، وسعى في الوقت نفسه الى كسب ولاء الجماهير الشعبية عن طريق رعايته للمراقد الدينية ومنح الهبات السخية لها. واولى السلطان عبد الحميد علماء الدين البارزين عناية خاصة ومنح اوسمة لهم، كما اغدق على البعض منحا سخية وخصص لهم مراتب عالية.(43).
الثاني: ضعف الوعي الدستوري بين اوساط سكان الولاية (44).
من الجدير بالذكر ان بعض الاوساط المحافظة في مدينة الموصل (مركز الولاية) قد ابدت تحفظات على عودة الدستور ودعوة النظام الجديد الى المساواة بين المسلمين وغير المسلمين لاعتقادهم بان ذلك سوف يؤدي الى تجريدهم من امتيازاتهم القديمة. (45)
اما رجال الدين فقد نددوا بعودة الدستور واعتبروه خروجا عن الدين وراى الشيوخ والمتنفذون في الدستور وسيلة للحد من نفوذهم (46).
في الجانب الاخر رحب بعض سكان الولاية بالثورة الدستورية عن طريق اقامة الصلوات في المساجد وتنظيم المظاهرات المؤيدة التي طافت شوارع مدينة الموصل، كما قام البعض بتزيين الدوائر الحكومية والبيوت العامة فيما زار البعض مرقد النبي يونس (ع) في المدينة احتفالا بهذه المناسبة (47).
رحب عدد من الشعراء بالثورة الدستورية وذلك من خلال نظم الابيات الشعرية التي وصفت الحادثة بالثورة، فقد نظم الشاعر الموصلي محمد حبيب العبيدي قصيدة عبر فيها عن ترحيبه باعادة الدستور، كما عبرت شخصيات ثقافية في مدينة الموصل عن تأييدها للثورة الدستورية مثل فهمي عبد الرحمن المدرس الذي نشر مقالات مؤيدة للثورة الجديدة في استانبول (48).
اما موقف سكان الاقضية التابعة لسنجق الموصل وهي: العمادية، زاخو، سنجار، عقرة، دهوك، فقد عبر عنه الدملوجي بصورة واضحة بالقول: (عندما اعلنت المشروطية العثمانية ونادى المنادي بالحرية والمساواة صعب على الكورد فهمها، والاقبال عليها، فطبقة العلماء والوجوه والمتقدمين يرون فيها ما ينقص من نفوذهم ويضيع من مكانتهم حيث تبيح الحرية للانسان كل عمل يرتضيه لنفسه والمساواة تجمع الفقير والغني والخادم بالسيد، اما طبقة العلماء والمتنفذين فكانوا يشوهون معنى الحرية والمساواة ويدلون على مفاسدها ومضارها). (49)
لم يستوعب سكان هذه الاقضية الاهداف الحقيقية للمشروطية والشعارات التي رفعتها الحكومة الجديدة في استنبول، ومن الارجح ان البعض اراد ان يفهموهم ما يتفق مع مصالحهم ولذلك قالوا لهم بانها تمنحهم الحرية، وتعفو عن المجرم، وتخلي سراح المسجونين، والموظف الذي لايعجبهم متى ارادوا طردوه واستبدلوه بغيره، ولا يعطون من الضرائب الا بقدر ما يشتهون، وطبقة العلماء والمشيخة يرونها مخالفة لاحكام الدين.. واشاعوا بين الناس ان اعمال الاتحاديين مخالفة للشرع الشريف وانها ترمي الى اعطاء الحرية للمرأة باكثر مما تستحق ويحق للبنات الزواج ممن يحببن ويلبسن الملابس القصيرة. (50) ويعني هنا ان الانسان العادي افهم من المشروطية كل ما يخالف القيم والعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، فليس من المستغرب ان يعارضها. ان تلك التفسيرات الخاطئة وصلت الى موظفي الدولة واعتقدوا ان لا احد يستطيع محاسبتهم مهما فعلوا، وهم الان في مامن من القوانين.. بشكل عام اصبح الناس قسمين: هذا وطني صادق. وهذا غير وطني خائن، صفتان للاتحادي وغير الاتحادي (51).
لا تشير المصادر الى صدى الثورة الدستورية في الاقضية التابعة لسنجق السليمانية بوضوح ربما يرجع ذلك الى عدم تمكننا من الحصول على المصادر المتعلقة بالموضوع غير ان الثورة واعلان الدستور كان فرصة لبعض التجار والاوساط المتنفذة في السليمانية للانقضاض على سلطة الشيخ سعيد البرزنجي، ونظرا لشهرة وسلطة الشيخ سعيد في السليمانية طلب السلطان عبد الحميد ان يزوره في العاصمة استنبول فلبى الشيخ الطلب في عام 1904، واعطاه السلطان الشفرة الخاصة للاتصال به في وقت الحاجة، (52) ويقال ان السلطان عين الشيخ مستشارا دينيا خاصا له (53) بعد عودة الشيخ الى السليمانية ازداد نفوذه اكثر حتى ان الموظفين العثمانيين كانوا يمتثلون لاوامره ويحاولون كسب رضاه غير ان التجار والاقطاعيين استاءوا من سلطته وكانوا ينتهزون فرصة للايقاع به، عندما حدثت الثورة الدستورية عمل الشيخ على احداث الاضطرابات داخل المدينة، مما حدا بالموظفين والتجار الى ارسال البرقيات الى استنبول ومدينة الموصل مركز الولاية لوضع حد للوضع الناشب في المدينة (54) كما اتفق اعضاء فرع الاتحاد والترقي في السليمانية مع التجار لابعاد الشيخ من السليمانية. (55)
ارسل الشيخ الى الموصل تحت رقابة مشددة بحجة ارساله الى استنبول، ودبرت له هناك مؤامرة قتل هو واحد ابنائه وعدد من افراد حاشيته (56).
ويعني هنا ان الثورة كانت فرصة للتجار والمثقفين في مدينة السليمانية للتخلص من سلطة ونفوذ الشيخ سعيد الذي وقف الى جانب السلطان ضد الثورة من خلال احداث الاضطرابات داخل المدينة باعتباره من المنتفعين من العهد الحميدي.
من الجدير بالذكر ان المصادر المتوفرة بين ايدينا لا تشير الى صدى الثورة الدستورية على الاقضية التابعة لسنجق كركوك والتي تضم ستة اقضية هي كركوك اربيل، رانية، راوندوز، كويسنجق، صلاحية (كفرى)، وبما ان الاوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية لم تكن تختلف في سنجق كركوك مقارنة بالسناجق الاخرى التابعة لولاية الموصل، لذا كان صدى الثورة الدستورية فيها كباقي الاقضية الاخرى، حيث شاركت جماهير الناس باقامة الحفلات والمهرجانات الحماسية احتفاء بالدستور، ليس عن شعور بالمشروطية ومعرفة بها، بل هكذا اريد منهم كما قيل لهم ان المشروطية تمنحهم الحرية، وتطلق المسجونين، والموظف الذي لايعجبهم متى ارادوا طردوه واستبدلوه بغيره. اما علماء الدين فقد وقفوا سلبيا واشاعوا ان المشروطية ترمي الى اعطاء الحرية للمرأة باكثر مما يستحق ويحق للبنات الزواج ممن يحببن ويلبسن الملابس القصيرة. اما الموظفون فقد فسروا المشروطية بمعنى اخر، اذ انهم اشاعوا انهم اصبحوا في مامن من عقاب القانون ولا سيما من تقرب منهم او انتسب الى جمعية الاتحاد والترقي بشكل عام ان العوائل الارستقراطية التركمانية داخل كركوك قد رحبت بالثورة لان بمجرد انتقال السلطة الى الاتحاديين سوف تتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي وثقافي كبير. (57)
خلاصة القول ان الثورة الدستورية والتغييرات الجديدة والمفاجئة في قمة السلطة العثمانية قد احدثت اختلافا في المواقف السياسية في ولاية الموصل ازاء هذه المتغيرات الجديدة، وهناك من ناصر الثورة، ورأى فيها البعض فرصة لتحقيق المساواة والعدالة، في حين ظهرت هناك مواقف سياسية اتخذت جانب الحذر والريبة لا سيما بين اوساط العوائل المتنفذة وعلماء الدين والوجوه والمتقدمين خوفا على مصالحهم وتقاليدهم الدينية والاجتماعية العريقة.

taakhi