الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة المئة

يقف ادموندز موقفاً صارماً بأزاء كل من الرحالة الذين توهموا في جعل اللغة الكردية لهجة من اللغة الفارسية وهو يعد هذا الرأي رأياً بعيداً جداً عن الواقع بالرغم من وجود رابطة النسب بين الفارسية والكردية الا انه يشير الى البون الشاسع بين الكردية والفارسية جغرافياً وتاريخياً (11).
ويخبرنا ادموندز ان اللغة الفارسية كانت لغة الطبقة العليا الكردية الادبية التي درج كرد الجنوب على تفضيلها دون اللجوء الى العربية او التركية (146).
ولا يعلق ادموندز على اسباب هذا التفضيل للغة الفارسية وليس مهماً ان تتخاطب الطبقة العليا بالفارسية او تكون الفارسية لغة ادب لكن الخطورة تكمن في تنازل هذه الطبقة عن لغتها الكردية الذي ادى الى استشراء الفارسية لغة للتخاطب والادب عند الناس دون غيرها من اللغات. ليس المشكلة ان الكرد لم يستخدموا التركية او العربية لكن المشكلة ان الناس لم يستخدموا لغتهم الكردية.
ان هذه الظاهرة على ما نعتقد لها اسبابها السايكوسوسيولوجية (علم النفس الاجتماعي) ممتزجة بالعقدة الكردية السياسية فاللغة الكردية لم تكن لغة ديوان او لغة امبراطورية مما جعل هذه الطبقة العالية تنظر بعين الصغارة الى اللغة الكردية من جهة ومن جهة اخرى فان المنطقة التي يذكرها ادموندز اكثر اقتراباً من المدن الفارسية مقارنة بالمدن التركية او العربية كبغداد والاستانة لان تعليق ادموندز جاء من خلال تطرقه الى مراسلة جرت بينه وبين الجاف، وهذا لا يعني ان الجاف وحدهم كانوا قد تبنوا الفارسية لغة خطاب بل السليمانية بأسرها كانت تعتمد الفارسية لغة رسمية كما جاء في مذكرات اكثر من مستشرق.
وبديهي انه ما من لغة الا وكانت لها لهجاتها، فاللغة العربية على سبيل المثال لها لهجات عديدة قطرية اي على اساس القطر الواحد ثم ان اللهجة الواحدة في القطر الواحد تتشعب الى لهجات محلية فلهجة اهل القاهرة هي غير لهجة اهل الاسكندرية، وهكذا في العراق فأن لهجة اهل الموصل هي غير لهجة اهل البصرة ويمكن ان نجد في المدينة الواحدة لهجات تختلف بأختلاف جغرافية المدينة. وكذلك نجد ان القبائل في الشعب الواحد تختلف لهجاتها مثلما تختلف لهجة قريش عن سائر اللهجات العربية لكنها كانت منطلقاً للعربية الفصيحة بسبب بزوغ الاسلام في قريش ونزول القرآن بهذه اللهجة كانت هي الفصيحة بينما نجد ان بعض الاقوام الاخرى كان لظهور الفصيحة من بين لهجاتهم اسباب اخرى غير دينية قد تكون من خلال لهجة القائمين على حكم البلاد او ربما لاسباب اقتصادية واجتماعية جعلت من لهجة ما تتصدر اللهجات الاخرى في هذه الدولة او تلك.
ونعود الى الكردية التي نرى ان اللهجة الفصيحة فيها لا بد ان تكون من خلال احد أمرين الاول ارتباط الفصيحة بقيام كيان كردي شامل مستقل. والثاني التطور الهادئ البطيء لحركة اللغة بكل لهجاتها وما يشع منها من نشاطات ابداعية تلعب دوراً حاسماً ولكن بخطى وئيدة لرسوخ لهجة ما لهجة فصيحة متبناة من قبل الشعب الكردي بأسره.
يضعنا ادموندز امام خارطة الامارات الكردية التي كانت تحكم كردستان حتى منتصف القرن التاسع عشر ويذكر منها امارة بهدينان التي كانت تشمل زاخو ودهوك وعقرة والعمادية وزيبار واما مارة سوران فكانت تشمل محافظة اربيل كلها وامارة بابان تشمل السليمانية واجزاء من كركوك ومن الامور التي يوردها ادموندز في هذا المجال وهي معلومات مستقاة من مصادر تاريخية بلا شك اي انها ليست مذكرات قدر ما هي معلومات تاريخية سابقة لادموندز.
يرى ادموندز ان اللهجات الكردية تتبع هذه التقسيمات السياسية بشكل يقترب من الدقة ثم انه يرى ان من الناحية العملية يمكن ان تصنف كل اللهجات الى مجموعتين اساسيتين – الاولى يسميها – المجموعة الشمالية – وتدخل فيها لهجات المنطقة الواقعة شمال وغرب الخط الممتد من ساحل بحيرة اورمية الجنوبي حتى انحراف الزاب الكبير عندما يغير اتجاهه من الجنوب الشرقي الى الجنوب الغربي ثم يواصل الجريان الى مصبه في دجلة.
اما المجموعة الجنوبية فيرى فيها اللهجات الشائعة في الاراضي الكردية التي تنحصر بين الخط المرسوم اعلاه اي الممتد من ساحل بحيرة اورمية وانتهاءً بمصب الزاب في دجلة والحدود الجنوبية لكردستان وبذلك نستنتج وبشكل اوضح ما يريد ان يقوله ادموندز حول شمالية وجنوبية اللهجات الكردية (14).
يرى شميدت ان التباعد الجغرافي والافتقار الى المواصلات الداخلية اخر الاكراد وادى الى اختلاف عظيم في اللهجات الكردية وبقائهم عدة قرون ضمن الامبراطورية العثمانية تحت ستار الجامعة الاسلامية والقمع الارهابي المنظم.
ويبدي شميدت اعجابه بالقصص الكردية (الحكايات) لانها على ما يذكره تفصح عن سعة خيال متحرر من العقال.
ويسرد شميدت الحديث عن الحكايات الكردية وكيف يتحلق القوم حول احدهم الذي يبدأ بحكاية ثم تتعاقب الحكايات تباعاً في جلسة ليلية في السماع، وقد اورد شميدت امثلة من تلك (الحكايات) (199).
ويعتقد شميدت ان روح الشعب تكمن في اغانيه وفي شعره وفي اساطيره وفي حكاياته وفي دينه وهذا الذي كان يحدو بالكرد الى الاعتزاز الكبير بتراثهم الادبي والفلكلوري واذا كان شميدت (الامريكي) قد ذكر هذه الحقيقة التي تسري على كل شعوب العالم فانه في ذات الوقت يمنح الكرد في هذا المجال خصوصية واضحة عندما زار كردستان في مطلع الستينيات وجاب قراها، فهو يعتقد ان هذه الامور اي اساطير الشعب وحكاياته تبدو اكثر واقعية واهمية للكرد مما هي للامريكان لانه قارن بين حياة الكردي الذي يعيش البساطة وما من مسليات ووسائل ترفيه لديه وما من مشاغل عصرية مقارنة مع الشخصية الاميركية، وهو في معرض حديثه يقارن بين الطفل الكردي والطفل الاميركي فالاخير قد يتعرف على اساطير شعبه من كتاب مصور انيق او من خلال شاشة التلفزيون بينما الطفل الكردي له ان يسمع مباشرة اساطير وحكايات شعبه من اعضاء اسرته فهو يعيش ويتنفس في روح تلك القصص.
ان شميدت يحدثنا عن ابرز موضوعات هذه القصص الكردية التي استمع اليها وربما ترجمت له فهي تدور عن الصيد وقطع الطرق والبطولات والكرم والسماحة والبراعة في اصابة الهدف وقوة الاعصاب والفروسية والشرف والثأر وخيال المعارك واقراء الضيف واعمال البطولة والجمال والشجاعة وحكمة النساء.
يذكر شميدت ان هذه الاساطير والحكايات كانت الجذر لنشوء الادب الكردي، وكما يبدو فأن شميدت الذي بدأ زيارته لكردستان صحفياً خرج منها عالماً انثروبولوجياً لا بل مستكرداً استشراقياً فأن الفصل الذي جاء في كتابه بخصوص تطور الادب الكردي يعد فصلاً دسماً لا يقل ان لم نقل يفوق كثيراً الدراسات الاستشراقية التي تحدثت او ابدت انطباعاتها عن المجتمع الكردي ولكنها لم تشر او نقل لم تكترث كثيراً بمسألة الادب الكردي.
يبدأ شميدت حديثه عن الريادة في الادب واللغة الكردية بـ علي الترموكي على الرغم من ان شميدت يضعنا امام عدد من الافتراضات حول الحقبة التي عاش فيها الترموكي فهناك افتراض انه عاش في القرن العاشر الميلادي وافتراضات اخرى تنسبه للخامس عشر واخرى تنسبه الى القرن السادس عشر.
وشميدت يشير الى الجزيري الذي يعد رائد الشعر الكردي الصوفي الذي عاش في القرن الخامس عشر. وبعد ذلك يصف الخاني (احمد ى خانى) بعملاق الادب الكردي ويعلق عليه بانه ما زال موضع اعجاب العالم ودراسة الباحثين الكرد وقد عاش هذا الشاعر في القرن السابع عشر واشتهر برائعته مه م وزين التي ترقى الى مصاف الروائع الادبية العالمية.

taakhi