الرئيسية » مقالات » مهنة النفاق وفقهاء تخريب العراق!

مهنة النفاق وفقهاء تخريب العراق!

التحركات الأخيرة لبعض قادة المجلس الأعلى، كجلال الصغير وصدر الدين القباني أثارت وتثير مشاعر الغضب والتقزز لدى لفيف متزايد من المثقفين العراقيين. إن خطبة القبانجي عن “الحاكمية” لقيت استنكارات العديد من الأطراف السياسية العراقية الحريصة على وحدة العراق وعلى التماسك الوطني، ورفض الطائفية. إن تلك الخطبة، التي تجعل رئاسة الوزراء حصرا في أحزاب الإتلاف واعتبار “حكم الشيعة كأكثرية مقدسا”، دعوة طائفية مكشوفة، ومصدر لخطر عودة الاحتراب الطائفي، وهي منافية للمبادئ الديمقراطية وللدستور العراقي نفسه رغم عيوبه الكثيرة.
لقد حلل ذلك بعمق كتاب عراقيون وطنيون، ومنهم الدكتور كاظم حبيب، والدكتور عبد الخالق حسين، وإني أؤيد كل ما أورداه في مقالاتهم المتميزة.
لا أريد هنا تكرار ما أورده كتابنا الأفاضل، سواء في نقد واستهجان حرب الصغير في البرلمان على ما يسميه ” التخنث” وعلى الخمور وشاربيها، أو في استنكار خطبة القبانجي باسم السيد السيستاني عن قدسية حكم الإتلاف المبعثر اليوم، والذي تسعى إيران بقوة لإعادة لملمته، والضغط على المالكي للتراجع عن مواقفه الجديدة في التأكيد على سيادة القانون، والاتفاقات السياسية الواسعة بصرف النظر عن المذهب والدين والقومية، آملين أن لا يتراجع أمام ضغوط ملالي طهران، رغم علمنا بأن ذلك في منتهى الصعوبة والحساسية.

لقد نشرنا في موقع إيلاف، عدد 31 أيار 2009، رأينا في هذه القضايا، وتوقفنا خاصة عند عمليات حرق الشبان بمنتهى الوحشية بتهمة “المثلية”، وهي عمليات تجلب العار للعراق ما لم ينل المجرمون عقابهم الصارم، وتستدعي اللعنة للمنفذين والموجهين من فقهاء مدينة الثورة وغيرهم، هؤلاء الفقهاء الذين لبس كثيرون منهم العمائم بعد سقوط صدام، ومنهم من كانوا ضمن فدائيي صدام، بل ومنهم، وكما ذكر الدكتور كظم حبيب، من هم ربما من “المثليين”؟؟! وبالمناسبة، طرح صديق هذا السؤال ساخرا: ما حكم الذين يطئون الحمير، بل وحتى الخرفان؟؟ أين الفجور هنا، ومن من طرفي الفجور يستحق الحرق، أم الاثنان؟!!!

إن الاعتداءات على خصوصيات المواطن وحياته الشخصية وحريته انتهاك فاضح لحقوق الإنسان العراقي، ويجسد نفاقا مركزا لهؤلاء الدعاة الذين يتظاهرون بأنهم رمز الفضيلة والعفة.
أما حديث الخمور فطويل، ومقدما أقول إنني شخصيا تركتها منذ عشر سنوات، لا بنهي فقيه منافق، بل بأمر الأطباء وقد بلغت من العمر ِعتيّا.
إلى مثيري هذه الضجة الغوغائية المفتعلة من البرلمانيين الإسلاميين الموقرين، نشير مثلا لما ورد في الجزء الثامن من “العقد الفريد”، [صفحات 72 وما بعدها]، وهو كتاب مرجعي لم “يزندقه” أو يكفّره أحد.
محللو الخمر يستشهدون، فيما يستشهدون به، بالآية التي تقول:” يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير، ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما”، ويفسرون أن المطلوب أن تأخذ من الخمر بقدر الحاجة ولا يجاوز المقدار، فإذا جاوز ذلك، عاد النفع ضررا. وفي ص 76 نقرأ من حجج المحللين أيضا ما يلي:
” ما حرم الله شيئا إلا عوضنا بما فيه خير منه أو مثله، وقد جعل الله النبيذ عوضا عن الخمر”، فهم يفرقون بين النبيذ والخمر، والخمر عندهم: “هي التي لم تغلِ بها القدور”، ويورد المحللون حديثا متداولا عن واقعة طواف النبي الكريم ولأنه لما انتهى طوافه، نزل فصلى ركعتين، ثم أتي السقاية، [وهي ما كانت قريش تسقيه للحجاج من الزبيب المنبوذ من العنب]، فأتوه بقدح من النبيذ، فذاقه، فقطب، وقال: “هلموا فصبوا فيه الماء”، ثم قال: “زد فيه، مرة أو مرتين أو ثلاثا…إذا صنع أحدكم به هذا فاصنعوا به هكذا.”[ ص. 80 من العقد الفريد جزء 8]. وخلاصة تفسير محللي الخمر هي تقسيمها إلى المخمّر والمغلي، وتحليل أحدهما، وإن القضية الرئيسة هي الخوف من الإفراط والسكر.
إن الفقيد الشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي، ذا المقام العالي في النجف في القرن الماضي، قال فيما قال،:
يا غزال الكرخ وا لهفي عليك كاد سكري فيك أن ينتهكا
فاسقني كأسا وخذ كأسا إليك فلذيذ العيش أن نشتركا.

أما الذين لا يأتمون بغير خميني، فقد نشر ابنه أحمد بعد وفاته قصيدة ترجمت للعربية، [جريدة كيهان الفارسية عدد 21 مارس 1989 ]، يقول فيها:
“افتحي باب الحانة، ودعينا نؤمها ليل نهار
لأني سئمت المسجد والمدرسة
مزقت جبة الزهد والرياء
ولبست جبة الشيخ المدمن للحانة، فاستعدت الوعي
عذبني واعظ المدينة بنصحه
فطلبت العون من نفَس الماجن المبلل بالنبيذ…”

لا شك أنهم سيفسرون القصيدة ويئوّلون.. كما يشتهون لتبرير ما قاله الخميني، ولكن هذا ما قال!

31 أيار 2009