الرئيسية » بيستون » عوائلها تعيش وسط البرك الآسنة ومدرسة واحدة..محلة الصدرية

عوائلها تعيش وسط البرك الآسنة ومدرسة واحدة..محلة الصدرية

في باب الشيخ ، تمثل احد الأماكن الشعبية التي تحمل نكهة خاصة، ضمن المناطق الشعبية في بغداد. هذه المحلة المحصورة ما بين مرقد الشيخ عبد القادر الكيلاني وسوق الصدرية لها طقوسها وخصوصيتها، وهذا ما جعل منها واحدة من المحلات المتميزة في مناطقنا الشعبية. يضيف اليها جمالا آخر سوق الصدرية، المعروف بالحاجيات المعروضة فيه، ومنها طرشي الصدرية، الذي يضاهي افضل الانواع، ليس في بغداد، وانما حتى على مستوى العراق، وكذلك سوق السمك والخضار والبهارات بأنواعها. بعد الحادث الارهابي الذي حصل قبل ثلاث سنوات في هذه المحلة، ولاسيما في سوقها، تغيرت اشياء كثيرة، كانت تدخل في تكوينها، وجعلت البعض من سكانها ذوي الدخل المحدود يضطرون الى مغادرة بيوتهم.وبحث البعض الآخر عن بدائل في ذات المحلة للخروج من مأزق الانبوب، الذي كسر في الحادث الارهابي، وما زال الى الان يسرب الماء، الذي يصبح بعد ذلك اّسنا، ويدخل بيوت ناسها، دون ان تحرك امانة بغداد ساكنا. والمعروف ان دائرتها الرئيسية، تبعد امتارا عنها فقط. وان ارادت الأمانة ان تتحرك، فهي تتحرك بمبلغ يصل احيانا الى مئة وعشرين الف دينار، لسحب هذه المياه الاسنة، كما قال احد اصحاب البسطيات واسمه علي فائق ناجي. وهذا ما خلق معاناة هائلة للأطفال والنساء. فتلوث المياه ترافقه كما هو معروف أمراض الجلد والمعدة والقلب والرئتين خاصة لدى الأطفال. وللوقوف على المشاكل التي تعاني منها المحلة، بعد الحادث الارهابي، ودور المجلس البلدي في حلها، وطبيعة معيشة الناس قمنا بهذا التحقيق، الذي رافقنا فيه مشكورا قائد الصحوة في المحلة (ابو الكرار) ليسهل لنا المعضلات التي قد تواجهنا. أحاديث سكنة المنطقة
دخلنا في بيت ام محمود اولا، وكان من البيوت القديمة، التي اشتهرت بها بغداد، أكلت الرطوبة غرفه الصغيرة، التي لا تصلح لسكن طبيعي. اما ارضية البيت فكانت مغطاة بمياه آسنة، اختلطت فيها مياه المجاري مع الماء الصافي. ونقول الصافي (مجازا) لان كل شي فيه عفن، ورائحته تزكم الانوف، وتثير الغثيان. قالت ام محمود: نحن نعيش في هذا المكان، ولا توجد في البيت غير غرفة واحدة، لم تدخلها المياه الاسنة، هي التي ننام فيها، ونعيش. اما باقي الغرف الاخرى فهي محرمة علينا، لانها ممتلئة بالمياه الاسنة، ناهيك عن الذباب والحشرات التي تتجمع حول المياه
اقتربنا انا وقائد الصحوة فلم نستطع تحمل الرائحة، ثم اشارت ام محمود الى حاجيات البيت التي قسم منها، فوق السطح، وقسم اخر في مكان مرتفع من البيت. وشكت من الحكومة التي لا تلتفت الى هذه الطبقة المسحوقة، التي تسكن في المحلة، وتساءلت: منذ ثلاث سنوات ونحن على هذا الحال، لا احد يكلف نفسه بالسؤال عنا، وحل معضلتنا التي باتت هما يشغل كاهلنا. كان هناك بيت اخر لكنه مغلق، سألنا عن صاحب البيت فقالوا انها امرأة، بقيت وحدها بعد استشهاد ولدها في الحادث الارهابي الذي دمر السوق. وبعد ان صعدت المياه الاسنة الى اعلى مكان في فسحة البيت، لم تقو على تحمل مصاريف سحب المياه فاضطرت لغلقه، واختارت العيش مع ابنتها. احد جيرانها كسر لنا قفل الباب وقال: ادخلوا لتشاهدوا بأعينكم كيف حاله. كان في وضع بائس، يثير القرف، وكل الحاجيات فيه مغطاة بالمياه الآسنة. وفي بيت آخر شاهدنا شابا في العشرين، ممددا على الفراش يتنفس بصعوبة وعرفنا انه من قوة الانفجار المروع ذاك، سقط مغشيا عليه، وبعد ان افاق، اتضح ان هنالك ورما في رأسه اثر سقوطه على رأسه. تلاشى شيئا فشيئا ولكن بعد شهر، ظهرت عليه علامات غريبة مثل صعوبة في الكلام، وخروج سوائل من فمه اثناء الكلام، مما اثار خوف والديه فأسرعا لعرضه على الاطباء في مستشفى الجملة العصبية. قرروا اجراء عملية جراحية له فورا ، وأجريت له العملية، الا انه بعدها اصيب بالشلل التام منذ ثلاث سنوات، وهو ممدد على فراشه دون ان يسأل عنه احد ، وعائلته ليست بميسورة كي تأخذه الى الخارج لعلاجه .استوقفنا اثناء تجوالنا في السوق، صاحب احدى البسطيات، ليحدثناعن معاناته مع امانة بغداد. نذكر هنا ان بناية الأمانة تطل مباشرة على منطقة الصدرية، وعلى الشوارع الممتلئة بالمياه الاسنة. قال: بعد مراجعات عديدة لامانة بغداد، لغرض عرض مشكلتنا امام المسؤولين فيها، باعتبارها الجهة المسؤولة عن ذلك، وبعد جهد كبير وتوسلات عديدة، قابلت وكيل امانة بغداد، ووضعت المشكلة امامه، وما يعانيه اهالي المنطقة من سوء الخدمات، وتجمع النفايات وطفح المياه والتي كان يعرفها تماما. اجابني الوكيل قائلا بالحرف الواحد: ( دوختنا هي بيتين غرقانة… ادفنوها واسكتوا) ! .(رسول عبد) صاحب محل لبيع الكاهي والقيمر في الشارع الرئيس للصدرية، والذي تضرر محله في الانفجار الذي حدث في عام 2006، وفقد فيه ابن عمه وابن اخته، اللذين كانا يعملان داخل المحل اثناء ذلك الانفجار، قال هو الاخر: لم نحصل على اي تعويض من قبل اية جهة، ولم يتفقد احوالنا اي مسؤول، لوضع الحلول لهذه المنطقة التي تعرضت للانفجارات، وقدمت العديد من الشهداء والتي تسكنها الطبقة الفقيرة واصحاب الدخل المحدود. ويتساءل رسول متى تلتفت الحكومة الى مثل هذه المناطق؟(رائد جليل ) صاحب محل لبيع الاقمشة قال: هناك العديد من الاسباب التي حالت دون رجوع سوق الصدرية الى سابق عهده، هذا السوق المعروف لدى العراقيين والبغداديين بصورة خاصة، منها اغلاق الشارع الرئيس لمنطقة الصدرية، وخضوع الداخلين للمنطقة الى التفتيش، وعدم دخول السيارات. كلها امور ادت الى قلة المتبضعين، وهي ظاهرة يعاني منها اغلب اصحاب المحلات. اما بالنسبة للوضع الامني فهو افضل بكثير من السابق، خاصة بعد القضاء على الميليشيات التي كانت تسيطر على المنطقة، واغلب المحلات تبقي ابوابها مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل . انتقلنا مع قائد الصحوة من الشارع الرئيس، الى سوق يقع داخل المحلة، يطلق عليه سوق الميت. تساءلنا عن سبب تسميته بهذا الاسم فاجاب صاحب عربة لبيع الشاي في احد الازقة المؤدية الى ذلك السوق قائلا: يوجد في هذا السوق، سبعون محلا، تركها اصحابها، وفتحوا محلات اخرى في الشارع الرئيس، وسبب ذلك، هو أن الاقبال على شراء البضائع في الشارع اقوى منها في هذا السوق . وبعد دخولنا في العديد من الازقة الضيقة، التي لا تخلو طبعا من المياه المتجمعة في وسطها، الا ان وضع الاحجار، وسط تلك المياه انقذنا اثناء اجتيازها لنصل الى ذلك السوق، الذي وجدناه، فعلا اسما على مسمى ( سوق الميت ). ابواب المحلات مغلقة، والمنطقة مهجورة تعلوها النفايات والاوساخ، فضلا عن وجود اعداد كبيرة من الكلاب السائبة. مدرسة بإسمين وثلاث وجبات دواملم تكن المدرسة الابتدائية في الصدرية، وهي الوحيدة في المنطقة، بأفضل حالا من المنازل التي تجاورها، من حيث سوء الخدمات، وعدم مد يد الاعمار اليها اسوة بمدارس العراق الاخرى. الدوام في هذه المدرسة على ثلاث فترات، تبدأ من الساعة الثامنة صباحا حتى الحادية عشرة، ومن الساعة الحادية عشرة حتى الساعة الثانية بعد الظهر. اما الفترة الثالثة فتكون من الساعة الثانية حتى الساعة الخامسة عصرا. يقول احد المعلمين في المدرسة: الكهرباء مقطوعة عن المدرسة منذ تغيير النظام بسبب القصف الجوي الذي تعرضت له المنطقة ابان الحرب. قدمنا العديد من الشكاوى الى المسؤولين، ولكن لم نتلق اي جواب او مساعدة في اعادة الكهرباء الى هذه المدرسة التي تضم مئات الطلاب. تعاني المدرسة من قلة عدد عمال التنظيف فيها بسبب قلة رواتبهم، مما يضطرنا للاستعانة بالطلاب لتنظيفها بمساعدة الحارس وعائلته. المعلم هادي جمعة قال هو الآخر: لم يجر على المدرسة اي اعمار اسوة بالمدارس الاخرى في بغداد او المحافظات، والسبب في ذلك هو عائديتها الى احد الاشخاص وليس الى الدولة. وزارة التربية تخشى ترميمها، لان مالكها سيطالب بها كونها تحولت من حال الى حال وهذا قانوناً جائز، لذلك بقيت على حالها دون اعمار. هذا هو حال المدرسة الابتدائية في الصدرية التي تحمل اسمين بدلا من اسم واحد وهي (مدرسة القدس الابتدائية ومدرسة الكورد الفيلية الابتدائية).المجلس البلديالتقينا نائب رئيس المجلس البلدي للرصافة ( ماجد جمعة علي )، فحدثنا عن معاناة هذه المنطقة الشعبية، التي شكلت طوال عقود ذاكرة للبغداديين. قال عضو المجلس: البنى التحتية لهذه المنطقة قديمة، وتم انشاؤها منذ 70 عاما تقريبا، وهي بحاجة الى اعادة تأهيل مرة اخرى، وحسب مشروع الانماء الشامل لمدينة بغداد. فهذه المناطق مثل الصدرية وابوسيفين والفضل والكفاح، ينبغي أن تهدم ويتم بناؤها مرة اخرى على شكل عمارات سكنية حديثة، على طراز شارع حيفا مع الابقاء على بعض الدور التراثية، الا ان هذه الفكرة لا تزال حبرا على ورق، ولا نعرف متى يتم تنفيذها. ربما ينفذ هذا المشروع بعد عدة سنوات، وان قامت امانة بغداد في هذا الوقت بتأهيل شبكات المجاري والماء والكهرباء، ستصرف مليارات الدنانير ثم بعد ذلك تعاد من جديد حسب مشروع الانماء، مما يكلف الدولة خسارة كبيرة، فضلا عن الازقة الضيقة التي تمنع دخول الاليات اليها. لذلك يكون الاعتماد في اكثر الاحيان على العمل اليدوي. يقوم احد العمال بفتح المجاري، لكن سرعان ما تعود الانسدادات بعد يومين من فتحها، بسبب قدم شبكة المجاري وتآكلها. واذا ما طالبنا امانة بغداد بالاليات التي خصصت لمنطقة الصدرية، وهذه الاليات عبارة عن ( صاروخيتين لفتح المجاري وشافطة )، تعتذر عن تزويدنا بها وذلك لان امين بغداد، قام بارسالها الى منطقة الشعلة لاغراض التنظيف هناك. ويضيف ماجد :اما بالنسبة للانبوب، والذي كسر نتيجة الانفجار، وكان السبب الرئيس في تسرب الماء الى الشوارع والبيوت، فقد حاولنا عدة مرات وبمساعدة عمال من امانة بغداد، ايجاد مكان الكسر لكن دون فائدة. وذلك لقدم الالة التي تعمل على ايجاد الكسر. اما الالة التي وصلت حديثا، والتي تمتاز بقدرتها على ايجاد الكسر وبسرعة، فلا يوجد كادر قادر على استعمالها. والامانة من جانبها وعدتنا بانها ستقوم بتدريب عمال، على كيفية استعمال هذه الالة، ولكن متى؟ لا احد يعرف ذلك. والدولة لديها امكانيات كبيرة وتستطيع ايجاد الحلول الجذرية لمثل هذه المناطق التي تعاني من سوء الخدمات، ولكنها تقف موقف المتفرج دون ان تحرك ساكناً . اعضاء مجلس محافظة بغداد، والذين من المفروض ان يتابعوا المشاكل التي يعاني منها المواطن ، حصلوا على قطع اراض مساحة الواحدة منها 400م2 وفي احسن المناطق، اما المواطنون في محلة الصدرية فيعيشون في منازل مساحة كل منها 40م2 وآيلة للسقوط في اي وقت.

الخميس, 28 مايو 2009 shafaq