الرئيسية » شؤون كوردستانية » عودة الشبح والجن إلى المناطق الكوردية .. ومزيداً من العائلات تستعد للهجرة الحلقة الثانية

عودة الشبح والجن إلى المناطق الكوردية .. ومزيداً من العائلات تستعد للهجرة الحلقة الثانية

كثيراً ما نسمع من السياسيين والمثقفين العراقيين أن هناك فئات كثيرة من العراقيين يعيش الواحد منهم على دولار يومياً . وهذا طبيعي في الظروف والإرهاصات التي مرت بها العراق في ظل نظام صدام البائد وتطورها مع الإرهابيين والبعثيين والاحتلال وعصابات إيرانية تتحكم بمقدرات ومقاليد الدولة وتنهب بترولها وثرواتها .

ولكن هل يصدق أن في دولة مثل سوريا هناك الألوف من العائلات الكوردية تعيش على دولار واحد يومياً . ويتباهى مسئولي الدول بالقول في كل محفل ومناسبة : أن لدى سوريا اكتفاءً ذاتياً يعيّش شعبها لعشرات السنين إذا ما فُرضت عليها أي حصار ..

من المعلوم أنه لم يفرض علينا حصاراً بربرياً كما الأخوة العراقيين الذين ذاقوا مرارة ذلك لعشرات السنين .. ولم نخض حرباً لثمانية أعوام مع دولة كإيران ، ولم يتحالف الدول الغربية وأمريكا لشن حرباً هوجاء علينا . ولم يصلب منا استقرارنا كما حصل للغير ، ولدينا الثروات والموارد الهائلة إذا تقسمت بالعدل بين الناس لتمكنا من العيش كأية دولة خليجية أو أوروبية .

وكما هو معروف سوريا دولة غنية بالثروات المختلفة ، ابتداءً من الثروة الإحفورية ( البترول ) وانتهاءً بالزراعة التي تفوق كل دول المنطقة ، ولعل ما وقع الاختيار الأخير في استنبول على سورية كدولة منتجة مهمة للقطن في الشرق الأوسط هي إحدى نتائج القوة الزراعية التي تمتلكها .. ومن المعلوم أن سوريا تحتفظ وبجدارة بتفوقها في زراعة الزيتون ، وحصولها على المرتبة الرابعة أو الخامسة عالمياً .. ولديها زراعة الحبوب كالقمح والشعير والعدس والكمون وغيرها مما يجعلها في مقدمة المتصدرين …

وأن كل هذه الثرواة الإحفورية والزراعية وغيرها تستخرج وتثمر وتنتج في المناطق المطلة على الحدود التركية أي في الجزيرة السورية ..

وللعلم أن ثروة المياه (الأنهار والينابيع ) مصدرها تلك المناطق التي هي مركز السدود والمشاريع الرأي التي نشأتها الدولة لتأخذ بها وبفوائدها إلى المناطق البعيدة حيث المدن الغنية والصحراء بعيداً عن مناطقها الأصلية التي هي في أمس الحاجة إليها ..

فالثروة الإحفورية تذهب إلى المناطق الغربية ، وقسم منها تصرف في بناء المدن وتطويرها ، وإقامة مدن صناعية ضخمة يستفيد منها أبناء تلك المناطق .. مع العلم أن الموظفين في منابع النفط معظمهم من تلك المدن الغنية .

والثروة الزراعية هي أيضاً تذهب بيد السلطات وتجارها إلى تلك المناطق للاستفادة منها .. مع العلم أن الحفاظ على الحبوب في المناطق الجزيرة لأكثر من كيسين بمثابة جريمة لا تغتفر ، كما يمنع امتلاكها والتجارة بها ، وقد يتعرض بائعها أو شاريها إلى المحاسبة القانونية ودفع الغرامة والتعرض للسجن .

وهكذا كل مورد مسيره الانتهاء في جيوب الأثرياء في تلك المدن البعيدة والغنية والغير محتاجة أصلاً .

في المقابل مئات القرى والبلدات ومدن برمتها تعيش سكانها في فقر مدقع تتآكل البطالة شبابها ، ولعدم وجود فرص التوظيف والعمل في الدوائر والمؤسسات الحكومية بقيا لديهم الزراعية والتجارة بها ، ولكن بعد قحط المواسم واحتباس الأمطار ، وعدم وجود حلول من قبل السلطات المختصة تشتت في وجوهم ضنك المعيشة وسوء الحالة ، مما دفع بالألوف منهم إلى الهجرة نحو المدن الكبرى . فالزراعة هي روح العيش للمواطنين في الجزيرة ، والزراعة هي المصدر الوحيد لكسب لقمة العيش .. ولعل المصارف التي أنشأتها الدولة لمساعدة المزارعين تحولت إلى دوائر لسلب المواسم على يد البيروقراطيين ، هذه المصارف التي كانت تنبغي لها تطبيق الشعارات المرفوعة خدمة لاستمرار الزراعة وتطويرها أصبحت مافيا منظمة تستغل ضعف وجوع الناس ، وأكثر من ذلك أصبحت مصدراً للربة المركبة ، حيث تحصل منها على كيس سماد .. تدفع مقابلها أكياس من القمح أو الشعير .

شوارع تلك المناطق تذكرنا بشوارع كابول .. أبنية على شاكلة المدن الموريتانية .. طرق ليس فيها سوى مستنقعات من بقايا حروب المغول .فالمغول كانوا يخربون ويبنون من جديد ، ولكن البلديات والجهات المسؤولة لدينا تدمر غاية في نفس يعقوب .

كل شيء يذكرنا في تلك القرى والبلدات بسنين الغلاء التي مازالت سيرها تروى هنا وهناك ..

والمفارز الأمنية ما أكثرها .. والدوريات المنتشرة في تلك المناطق تجول ليلاً ونهاراً لتنشر الخوف والرعب في نفوس الناس .. حتى الأطفال بمجرد تخويفهم بسيارة الأمن يسقطون نائمين من خوفهم .. فيكبرون على تلك القصص التي أصبحت من أساطير الأجيال ومصدر الإخافة منه ( رجل الأمن العملاق الذي يأكل الصغار ) .

مما أصبحت تلك المناطق عرضة لخطر العصابات وانتشار المخدرات والدعارة بسبب الجوع والفقر والفوضى ..

ونحن نعلم إن سكان تلك المناطق من أبناء الشعب الكوردي ونصفهم مُهَجَر إلى العاصمة دمشق تاركين وراءهم كلُ شيء هاربين من شبح الموت من الجوع .

وفي دمشق حيث بلغ العمال بالملايين لم يستثنى مكان للعمل إلا تواجدوا فيها ، ابتداءً من ( كراسين ) المطاعم والمقاهي .. وعمال مكابس البلوك .. والبلاطين .. والدهانين .. والطيانين .. وعمال البناء .. وعمال تمديدات الصحية .. وسائقي سيارات الأجرة .. وعمال مشاغل الخياطة ، وانتهاءً بالبسطات وملمعي الأحذية والشحاذين .

ولم تخلو مهنة أو عمل في دمشق إلا تقاتل العمال عليها رغم الأجر البسيط يحصلون عليها مقابل العمل .

وإنك تجد مئات العمال يجتمعون في ساحات المدينة يرتدون ثياب العمل وبأيديهم أدوات الشغل .. وذلك المشهد السينمائي المرعب الذي تهز له القشعريرة .. عندما تأتي سيارة يطلب صاحبها عامل ما .. يجتمعون عليه كالنمل والجراد ، يتقاتلون على من يصل منهم إلى باب السيارة ، فينتهي بهم الحال في طابورِ طويل ، كأنهم في شعبة التجنيد ، أو أمام فرن لاقتناء الخبز ، كل واحد ينتظر أن يقع عليه الاختيار ، ويقولون في أنفسهم : ( هل هو أنا المختار .. لسلك أنبوب الصحية .. أو.. الخ ) .

فيتمنى أحدهم الموت ولا يرى تلك المناظر المؤلمة ، نعم .. تمني الموت خير من هذه المشاهد . فيمر أحدهم بقبر فيصيح ( ليتني كنت مكانك ) .

ورغم تلك المتاعب والآلام والضغوطات ترى هذا الكوردي المواطن الجائع والمضطهد .. يستطيع أن يغني ويدبك ويرتل الأناشيد والمواويل الحزينة ، التي تصنع الأساطير عبر التاريخ ..

ويقال في المثل الكوردي المشهور ( إن الذئاب إذا جاعت تكسر أبواب الطواحين ) …

فالكل ينتظر متى تنتهي هذه المعانات ، ومتى تقف عجرفة الحقودين والأيادي الطليقة ، ومتى تقوم السلطات بمهامها اتجاه مواطنيها .

فالكوردي اليوم يعيش مهاجراً، ويتعرض إلى أبشع الظروف المعيشية القاسية .. ونحن نبلغ العشرة الأولى من القرن الواحد والعشرين ، الحال هو الحال ، والتجويع مستمر ، وآلاف العمال الهاربين من شبح الجوع مازالوا يقصدون دمشق للعمل ، فلا مكان فيها للسكن ، ولا مكان فيها للعمل ، فأين يذهبون ، وإلى من يلتجئون ، إلى البيروقراطيين الذي يجوعهم بخطط ممنهجة ، أم إلى التنظيمات الكوردية التي تلتهي في هذه الأوقات بصراعاتها على من تملك الحقيقية ، وقياديها الذين يتمسكون بكراسي وهمية ، في الحين شعبنا يموت جوعاً .. يتنفس أنفاسه الأخيرة ، ينتظر منقذاً أو راحماً أو قاتلاً يخلصهم مما هم فيه .

والسؤال الأعظم هو : أن من يملك شاب للعمل قد يجد فرصة للعيش .. فكيف تعيش أسرة ومعيلها فتيات لا تعرفن شيء عن المدينة .. وعن العمل .. فكيف يحصلن على عمل .. وأين يذهبن .. وأي باب يطرقن .. وإن اللبيبة من الإشارة تفهمُ .

وللكلام تتمة …


‏2009‏‏-‏05‏‏25‏

إبراهيم مصطفى ( كابان ) كوباني –