الرئيسية » بيستون » رسالة من فتاة فيلية مهجرة لأخيها

رسالة من فتاة فيلية مهجرة لأخيها

2009-05-30

بقلم: ينقلها لكم د. طالب مراد
لولا حرصي على الاحتفاظ بالرسائل والأوراق القديمة لما كتبت هذه المقالة، ففي فترة من فترات حياتي كانت تلك الأوراق هي المتعلقات الوحيدة التي تمكنت من أخذها معي في ترحالي لسنوات عديدة؛ شيء من رائحة الوطن والأهل. وهذه الرسالة العزيزة حافظت عليها كثيرا ولولاها لما تمكنت من سرد هذه الواقعة الأليمة من تاريخ الاضطهاد وصنوفه في عراق البعث، تضاف لجريمة الأنفال وحلبجة وسحق انتفاضة آذار شمالا، والظلم المجحف والتطهير الذي عانى منه أهلي الفيليون عدة مرات، وقضايا أخرى تنظر فيها محكمة الجنايات الكبرى بالعراق حاليا.لكن هذه الحالة ومثلها بالمئات والألوف، لن ترفع لمحكمة ولن يبت فيها..لماذا؟ لأن البعث المقيت ببساطة إما قد تخلص من ضحاياه أو فقدوا أو هجروا أو أن أصحابها ممن لازالوا أحياء قد سكتوا وسلموا أمرهم لربهم حيث لا يملك هؤلاء الأوراق الثبوتية الأصلية المصدقة، والتي تطلبها المحاكم العراقية الآن لرفع دعاوى قضائية أو الإدلاء بشهادات ضد متهمين بجرائم، وكما نسمع يوميا في محاكمة تهجير الفيليين. فكل هذه الوثائق دمرت قبل ترحيل الآلاف من الضحايا أو قتلهم.لكن الحادثة التي أسردها بقيت حية من خلال “شاهد” هو خطاب أرسلته لي شقيقتي في 19 مايو 1974 أي بالضبط قبل 35 عاما، وكتبته من مدينة شنو الكردية بإيران.والرسالة مازلت احتفظ بالنسخة الأصلية منها حيث شرحت لي أختي فيها جريمة اقترفت من البعث المقيت بحق مجاميع من العوائل.وهذه الجريمة لم تذكر لا في المحاكم ولا في الصحافة ولا في البرامج التلفزيونية العربية ولا الكردية. وأشعر أنه قد حان الوقت للكلام عنها على الأقل (طالما لن نتمكن من ضمها لسجلات التقاضي) وهذا أضعف الإيمان. في أوائل 1974 عندما كنت أحضر المراحل الأخيرة من شهادة الدكتوراة في بريطانيا ، انقطعت أخبار أهلي عني من بغداد، وعزوت ذلك لكونهم لا يودون إشغالي بمشاكلهم خاصة وأني كنت على أبواب إنهاء دراستي، وعندما لم يردوا على رسائلي المتكررة بتاتا لجأت إلى منظمة الصليب الأحمر الدولية لمعرفة مصير عائلتي في العراق، ومازلت احتفظ الرسائل المتبادلة بيني وبين الصليب الأحمر في هذا الصدد.إلا أنه في أواسط حزيران يونيو 1974 استلمت رسالة من أختي الوحيدة كتبتها قبل شهر، وقالت فيها ” إن رجال الأمن في بغداد اقتحموا منزلنا في الساعة الثانية بعد منتصف الليل يوم 21 ابريل 1974،واقتادوا أمي وأختي وهنَّ بملابس النوم إلى مديرية الأمن العامة في بغداد”.وتقول أختي “وهناك شاهدنا 16 عائلة أخرى كلها من دون رجال، وكان عددهم حوالي 120 فردا من نساء وأطفال ورضع وكبار السن. والـ17 عائلة كانوا من عوائل المسئولين الأكراد الذين يعملون آنذاك في الدولة أو المنظمات الكردية في بغداد. وكان بينهم 4 عوائل فيلية فبالإضافة لعائلتي التي أخذوا منها والدتي وشقيقتي، وكانت هناك كانت هناك عائلة المقاول عبد مراد والأستاذ يد الله.والسيدة زكية إسماعيل حقي.”وتمضي في رسالتها “وقد تم تسفيرنا إلى شمال الوطن في نفس اليوم.. واستغرقت سفرتنا 8 أيام، منها سيرا على الأقدام ومنها في السيارة..وكنا نرتجف من البرد والخوف من قصف الطائرات، وكنا مرتدين ملابس صيفية لأن الجو في بغداد كان لم يزل حارا”وعند وصولهم إلى شقلاوة التقوا بقائد الجيش “طه الشكرجي”، وهنا ظهرت النوايا السيئة لبعض الضباط البعثيين في تلك الوحدة العسكرية؛ حيث رصوا بعض الرجال الكبار والشباب الأكراد، ووجه تجاههم ضباط الوحدة من حاملي الرشاشات فوهة بنادقهم، وكان واضحا أنهم ينوون تصفيتهم رميا بالرصاص. وللتاريخ فقد انتبه الشكرجي لما كان يجري فأخذ يركض باتجاه الرجال الذين لا حول لهم ولا قوة، ووبخ الضباط الذين كانوا على وشك اقتراف جريمة قتل جماعي، وكان محتجا على الأوامر اللاإنسانية القادمة من بغداد، بل ووصف أمامهم حكام بغداد بـ”المجانين وقتلة الأطفال”. وكانت بعض النساء من المهجرات قد وجهن له قبيل ذلك كلمات قاسية ومع هذا لم يرد. وفي هذه الأثناء طلب من 3 عوائل العودة إلى بغداد حسب ما أبلغ من قادته، وهم عائلة شاويس، وزكية إسماعيل حقي، ومنذر النقشبندي، وسط ذهول المهجرين الآخرين. وعلى ما يبدو أن الضباط كانوا يضمرون كل الشر لبقية العوائل حيث حاولوا القيام بجريمة أخرى عندما أخذوا هؤلاء إلى منطقة يتواجد البيشمركة قريباً منه، وأخذوا يطلقون النار من مواقع خلف المكان الذي تقف فيه هذه العوائل على أمل أن يرد البيشمركة بإطلاق نار مضاد بما يجعل نهاية هذه العوائل بأيدي البيشمركة. ولكن الله والقدر تدخلا مرة أخرى حيث أفلح قبلها أحد أشقاء “يد الله” مع شخص آخر في الهروب والوصول للبيشمركة، ومن ثم إخبارهم بالخدعة وبهوية الأفراد على الجهة الأخرى، لذا لم يطلقوا النار، بل تقدموا في تلك الليلة وأخذوا العوائل معهم. وأنقذ الله 120 شخصا في ذلك اليوم المشئوم.وفي أعقاب ترحيل هؤلاء كان رجال آخرون من البعث يستولون فورا على كافة أموال وعقارات المرحلين في بغداد، و هذه العوائل السبعة عشر كانت تشكل الدفعة الأولى ثم تلتها دفعات أخرى من أهل بغداد، وكان في الدفعة الثانية عائلة “رزاق فيلي” حيث توفت شقيقته ذات الـ17 عاما في الطريق.وقد طمأنتني أختي في تلك الرسالة بأن والديّ بخير، وهما في شنو بإيران، والحقيقة أنها قد أخفت بذلك عني كون والدي قد توفى في حادث سيارة يوم 1-1- 1974 ضمن إحدى حملات الدهس بالسيارات التي كان البعث يتفنن فيها، وينظمها في العراق وخارجه. ولم أعرف الحقيقة إلا بعد عام ونصف من الحادث، …وبالصدفة.ومن التفاصيل المؤلمة التي حوتها رسالة شقيقتي أنه كانت معهم سيدة آشورية وبرفقتها أطفالها الثلاثة:ولدان صغار وطفلة رضعية.. ونتيجة لهذه الظروف والأيام التي قضوها على وشك الموت في طريق ترحيلهم المفاجيء لم تتحمل الأم الضغط والخوف من احتمال قتلهم في مكان بعيد، فتركت رضيعتها على قارعة الطريق، فربما كتب لها الله النجاة، وأخذت الولدين معها، وعندما شاهدت والدتي وشقيقتي الرضيعة ملقاة بالطريق اخذاها معهما، واقتاتت الرضيعة على الماء والسكر. وبعد يومين التقوا بالأم فأخذت الطفلة غير مصدقة، وبدت وكأن الحياة عادت لها من جديد. ترى أي عدد من الجرائم والمآسي ارتكبها هؤلاء البعثيون، والذي لم يصل سوى قسم ضئيل منه إلى ساحات القضاء، ولم يمثل من مرتكبيه سوى البعض فقط في قفص الاتهام. فيما آخرون ارتكبوا جرائم قديمة، ولكن لا يتم ملاحقتهم وتجدهم يواصلون حياتهم ضامنين أنهم محصنين من العقاب، ويعشون بأمان كأن شيئا لم يحدث.ثم ما الحكمة من ترحيل عوائل تسكن بغداد إلى شقلاوة شمالا، فيما عوائل المناطق الحدودية يتم ترحيلهم إلى إيران، وبينما كانت المناطق التي تشهد صداما بين القوات الحكومية ومعارضيها محدودة للغاية ولاتستلزم إقصاء كل هؤلاء عن ديارهم، بالأخص أنهم كانوا ممن لا حول لهم ولا قوة من نسوة وأطفال وعجائز.وليس الأمر بعسير على أي محكمة تريد فرض العدالة أن تستند للأحداث التاريخية والثابت من روايات الشهود والمراقبين، وعبر ذلك تحدد الجلادين وتتعقبهم بالاتهام والمحاسبة ، فمن المسئول مثلا ً عن ترحيل المواطنين في محافظتي الكوت وديالى والمدن الحدودية والعاصمة بغداد وغيرها؟ وكثير منهم أكراد فيلية، أليس وزير الداخلية، مدير عام الشرطة و مدير الأمن العام في تلك الفترة؟ أليس هؤلاء من يجب محاسبتهم أيضا؟والرسالة التي أنقل فحواها موجودة لمن يرغب، فإذا لم يمكن استخدامها كوثيقة لمقاضاة المسئولين عن هذه الحادثة، وبتهمة التهجير القسري وتعريض حياة نساء وأطفال للخطر ومحاولة القتل خارج القانون، فعلى الأقل تُحفظ لنعرف أن الجرم ليس فقط ما يتم المحاكمة عليه، فكم من الجرائم ترتكب وتبقى بلا عقاب لكون الضحايا عاجزين عن ارتياد سبل التقاضي بتعقيداتها. وأدعو كل من تتوافر لديه وثائق مشابهة لضمها لأرشيف عام يتيح للأجيال إدارك الصورة الحقيقية للنظام البائد وجرائمه، ويساعد الباحثين على رصد كل جوانب هذه الحقبة.وسؤالي أيضا هو : لماذا تصر المحاكم العراقية على أن يأتيها المدعون بأوراق وهويات نفوس بينما المعروف والثابت من القصص المكررة أن آلاف الضحايا قد طردوا وسرقت ممتلكاتهم ودمرت أي مستندات كانت لديهم!. ثم من أين يحصل هؤلاء المتضررون على أوراق أصلية مصدقة بينما هم أخرجوا بالقوة من منازلهم ليلا ، بل وبعضهم يرتدي ملابس النوم؟!