الرئيسية » المرأة والأسرة » أثر الأسرة في التكيف عند الطفل

أثر الأسرة في التكيف عند الطفل

التكيف كما يراهه علماء النفس والتربية هو عملية ديناميكية يهدف بها الشخص لتغيير سلوكه كي يتمكن من إحداث علاقة اكثر توافقا بينه وبين بيئته وهو يعني قدرة الفرد على تكوين العلاقات المُرضية بينه وبين البيئة المحيطة به .وعملية التكيف هي نسبية في طابعها ، إذ أنها تختلف من بيئة الى اخرى ومن ثقافة الى اخرى. فهي ليست مطلقة تنسحب على كل الأطفال في كل زمان ومكان .

ويرى علماء النفس ان العوامل الآتية لها اكبر الأثر في إحداث التوافق المنشود بين الأفراد وبيئاتهم وهما :

1 ـ إشباع الحاجات البيولوجية للفرد، ومنها الحاجة الى الطعام والشراب والراحة ويعتبر إشباع هذه الحاجات أمراً ضرورياً لبقاء حياة الفرد ، وهي تمثل إستعدادات فطرية تولد مع الأنسان .

2 ـ إشباع الحاجات الأجتماعية ، ويطلق عليها البعض إجتماعية ـ نفسية، ذلك ان الفرد يكتشفها ويتأثر بها من بيئته عن طريق الخبرة والتعلم والممارسة ، ومن اهمها الحاجة الى الحنان ، الأستقرار، المعرفة ، الأنتماء، الأمن ، الحرية والنجاح .

ومرحلة الطفولة لها اثر كبير في بناء شخصية الفرد ومدى تفاعله وتكيفه في المجتمع .والطفل الذي يحصل على إشباع ورعاية لحاجاته ( بيولوجية كانت او إجتماعية )،يشعر بالطمأنينة في هذا العالم ،وإن عدم إشباع هذه الحاجات سيخلق لديه توتراً وإضطرابا تزداد شدته كلما طال حرمانه منها . وإشباع حاجات الطفل ، تحدد بدرجة واضحة التوافق في الحياة مستقبلاً. وإذا لم تسمح ظروف البيئة الأجتماعية في إشباع هذه الحاجات ، فالفرد يبحث عن وسيلة اخرى يُشبع بها حاجاته ، حتى وإن كانت هذه الوسيلة غير سوية ولا يقرها المجتمع ، فالفرد هنا ينحرف أو يجنح .

إ
لاشك ان الأسرة تضطلع بمسؤولية وضع اساس بناء شخصية الطفل لأنها تمثل الوحدة الأجتماعية الأولى في حياته والتي يتأثر بها نموه الأنفعالي والعاطفي ويتشكل وفقا لها اولى تفاعلاته وعلاقاته الأجتماعية .وكثيرا من مشكلات السلوك التي يبديها الطفل في مستقبل حياته ترجع الى حرمانه من حاجات الطفولة وحرمانه من الحب . فالحب في الطفولة يمثل العلاقة الأنسانية الأولى في محيط الأسرة والعامل الأول في تكوين إتجاهات هادفة نحو الحياة والمجتمع . لذا فإن اساس بناء شخصية الطفل يعتمد على ما توفره له الأسرة في هذه المرحلة من تحقيق لحاجاته ، وإحترام لشخصيته كفرد في حد ذاته.

ومن خلال ما يراه علماء النفس والمربين ، فإن اهم العوامل الأسرية في سؤ تكيف الطفل هي إفتقار الطفل الى العاطفة . فالطفل في أشهره الأولى تكون علاقته بامه وثيقة في تحقيق حاجاته الأولية من غذاء وشراب ولذة حسية ، ولكن مع فترات النمو يستطيع أن يميز بين ذاته وامه وتنشأ بعدها علاقة قوامها المحبة والعطف وشعور الطفل معها بالحنان والأمن والأستقرار عن طريق صلتها به وتحقيقها لرغباته وحاجاته . وان حرمان الطفل من الحب في السنوات الثلاث الأولى يؤدي في الغالب الى عدم قدرته على التكيف و حدوث إضطراب نفسي .وفقدان الطفل لرعاية امه يعرضه الى نوع من الحرمان والقلق والأضطراب . لكن الحب الذي يصل الى مرحلة الأسراف والدلال الزائد يعطل نمو الطفل وإستقلاليته وشعوره بذاته ، كما يعطل عنده الثقة بالنفس كما ينمي فيه سلوكا انانيا أو عدوانيا .وقد لوحظ أنه من خلال فترات النمو يوجه بعض الأطفال أنزاعا مجتلفة من مشاعر الخوف والأضطرابات الأنفعالية تتجسد تأثيراتها في تكوين عقد نفسية لديهم مما يؤدي احيانا الى سؤ تكيفهم في الأسرة وتظهر آثارها في المدرسة والمجتمع .

و للوضع الأجتماعي للأسرة تأثير كبير في تكيف الطفل . فألأسر التي يعم فيها الود والتفاهم والمحبة ، إنما تهيء لأطفالها مناخا سويا يمكنهم الأستمتاع بمرحلة الطفولة ، أما الأسر التي تنشأ فيها المشكلات والكراهية ، فإنها تغرس في أطفالها الخوف والحقد والأنحراف .و إن سوء التوافق في الأسرة والنزاعات الداخلية قد تؤدي الى تهديم كيان الأسرة وتكون سببا في شقاء أطفالها وإضطرابهم النفسي .فوفاة الأب أو الأم ، حالات الطلاق أو ألإنفصال المؤقت ، الفقر وحجم الأسرة ، كلها تؤثر في الطفل وتؤدي الى سوء تكيفه في مراحل نموه .

كما وتلعب الحالة الأقتصادية للأسرة دورا هاما في مدى تكيف أطفالها، فالحالة المادية للأسرة تؤثر على العلاقات الأسرية وهذه بدورها تنعكس آثارها على الطفل . فكلما إرتفع دخل الأسرة وتمكنت من القيام بإلتزاماتها ، كلما ساد العلاقة الأسرية جو من الهدوء والأستقرار . فالطفل الذي يعيش في وسط إقتصادي افضل ، تتوفر له وسائل النشاط واللعب والمرح والتسلية، وهو اساس عملية التعلم وإشباع حاجة المعرفة وحب الأستطلاع .

كما وأن للمستوى الثقافي للأسرة واسلوب تربية الطفل وطريقة التعامل معه من قبل الوالدين أو الكبار تأثير كبير في تكيف الطفل النفسي وتفاعله الأجتماعي .ومن اهم الأسباب التي تؤدي الى سوء تكيف الطفل هو عدم رعاية الطفل والأهتمام به داخل الأسرة ، إنفصال الطفل عن والدته أو والده ، القسوة في معاملته وكثرة التحذيرات أو المغالات في العطف والتدليل وتدني المستوى الثقافي التربوي للكبار في الأسرة .وقد لاحظتُ من خلال عملي في االتدريس أن أطفال الآباء الذين لهم وضع إقتصادي وثقافي جيد ، يكونون أكثر تكيفا وإلتزاماً بواجباتهم المدرسية .

لكل مرحلة من مراحل النمو عند الطفل متطلباتها ورغباتها وفي حالة عدم إشباع هذه المتطلبات ،يحدث تعثراً في النمو والتكيف .ولعل اهم هذه المتطلبات هي التغذية وكفايتها وتنوعها ، الأنتماء ويتمثل هذا في شعور الطفل بالحنان والأمن بما يمكنه من التكيف في جو الأسرة ، اللعب وإختيار زملاء اللعب ، فاللعب في حياة الطفل ما قبل المدرسة يساهم بقدر كبير في المساعدة على النمو الجسمي والعقلي والخلقي والأجتماعي ، وبواسطة اللعب يكتسب الطفل المزيد من المهارات والمعارف .

وتعتبر جماعة اللعب بمثابة الجماعة الأولى التي يرتبط فيها الطفل بالعلاقات الأجتماعية ويخضع فيها لقواعد اللعبة ونظم الجماعة .ومن وسائل اللعب وأماكن اللعب أو الأستفادة من الوقت مع زملاء اللعب يتمكن الطفل من تنمية إتجاهاته نحو الجماعة والمؤسسات الأجتماعية .

أما في حالة الأطفال المعوقين جسميا أو عقلياً فهولاء يختلفون في درجة تكيفهم مع بيئاتهم بسبب الإعاقة .