الرئيسية » مقالات » البعدُ الميثولوجي في .. حكاية من النجف لحمودي عبد محسن

البعدُ الميثولوجي في .. حكاية من النجف لحمودي عبد محسن

عن دار( فيشون ميديا ) في السويد، صدرَ في مطلع عام 2008، للكاتب (حمودي عبد محسن) نص بعنوان حكاية من النجف.
هوَ منجزهُ الأدبي السادس، الذي عَودنا من خلالها على سَعيه لإتباع أسلوبٍ في التعبير خاص ٍ به، لذلك لا يلجأ لتصنيف إبداعهُ كما حَدثَ من قبلها في نص ِملحمةِ الإله تموز الشعرية بالديوان، وتجنبَ وصف وتأطير عمله الحالي بالرواية، وإنْ جاءَ عنوانها بحكاية ٍ من النجفِ على شكل ِنص ٍأدبي يتدرجُ ليحكي رواية ًعن النجفِ وآلام ِ أهلها وأحزانهمْ، وتاريخها المشبع بالدم والأساطير والمتناقضات..المدينة ُ..
( الغارقة في الظلام، المحاصرة بالصمت بعد أن أوجعتها جنائز الموتى، وأوحشتها الدهور، وأرهقتها الليالي الكئيبة، والأحزان، أيّ أحزان ٍ هذهِ المتوارثة عبر الأجيال؟! ص6).

جعلَ بدايتها ما وردَ في حكاية ٍ لجدته ِ من خلال أبعاد ميثولوجية تتداخلُ خيوطها مع الواقع وتتشابك معه في الشكل والمحتوى… حكاية تشخصُ إرهاصاتِ وبداياتِ الأشياءِ والحوادث التي مرت بها لتؤرخ الزمن، من خلالها، محددة فواصلها التاريخية بتلك الخطوات التي جلبت معها ذلك الجثمان مستقدمة معه..
( أحزان وجدت منذ أن شيدت المدينة، منذُ أن حُمل جثمانُ الإمام علي إليها، آنذاك كانت السماوات قد شرعت أبوابها، وانفلقت منها كواكب درية مدوية، تضيء ذاتها، تضيء القمر، تشرق الأرض بأنوارها، تنيرُ الطريق لموكب عظيم: الإمام قادم، إنه قادم ص6) …
حكاية تدفعهُ للتساؤل عن سرّ تواصل الحزن وتوارثه من قبل سكان وزوار المدينة مع مقدم ذلك النفر من المنحدرين من خيام البدو التي اختارت أرض المدينة لتستقر فيها وتتوارثها وتتوارث معها..
( أي أحزان هذه المتوارثة عبر الأجيال؟! أحزان ملهمة مغتفرة يتعذر استئصالها، تر سّخت طوال قرون سحيقة، لها أسلاف انحدرت من خيام البدو التي عبثت بها الرياح، انحدرت من أكواخ، استراحت في ظلال النخيل وعلى ضفاف الفرات، أسلاف حملت بوجع عميق رايات خضراء ص8)…
لينقلك من خلالها بين عالم السماء والأرض، عِبرَ سلسلة متداخلة من الأحداثِ والوقائع ِ، كما في مشهدِ دفن ِ الإمام الذي مزج بين..( لغة الأرض والسماء ص7) …وقد أبدع الكاتب في وصفه وتصويره لأجواء المشهد الميثولوجي، وبرع في نقلنا لساحة الحدث/ الجريمة وتداعياته المؤلمة التي تنزُ وجعا ً وألما ً ودما ً إلى الحد الذي شاركت فيه ِ الناقة ُ البشرَ في التعبير عن مشاعرها بالحركةِ والصوتِ وتفاعلت مع أجواء الموكب المغلفة بالأحزان ِ، تحسُ بثقل الآلام الدفينة كالبشر وتساهم في اختيار المكان الملائم للدفن بينَ طياتِ حباتِ الرمل ِالناعمة في لحظة من التجلي بين السماء والأرض..

( كانت الناقة تولج خفية في العراء، تارة تتوقف، تنصت إلى أصوات عجيبة: الإمام قادم ، أنه قادم .. تارة أخرى تحني عنقها، تشم عشب الأرض ثم توغل أخفافها في دقيق الرمل لينه وغليظة في طريق واضح، فكان سيرها تهويدا ًرفيقا ً، سهلا ً لينا ً، رويدا ً طلقا ً، فجأة توقفت صامتة مبهوتة، وظلت ساكنة لبعض لحظات ٍ متفحصة المنطقة، شيء ما يكلمها كلمات كثيرة واضحة: الإمام قادم، أنه الإمام، حركت أذنيها وأرز مت دون أن تفتح فاها، لأن الصوت خرج من حلقها، قطعته، ولم تمده، إذ بغمت، وتزغمت ثم ضجت، وحنت، وسجعت بصوتها كأنها تنحب، أجالت النظر حولها، إنها قبالة الصخرة البيضاء، توقفت عيناها فيها، صخرة لبست أنوار السماوات، بركت، ولم تنهض، أحنت رأسها كما لو أنها تقبل الأرض، تشم رائحة الرمل وتعطر أنفاسها أو تسجد، وأطالت في السجود وتفجرت عيناها بالدموع، ها قد أصبحت السماء ثرية متلألئة فوقها تقطر نورا ً، تصحبها رفرفة أجنحة، تهبط إلى الأرض، تصحبها أدعية وتعاز كثيرة، أصوات تتداخل في أصوات، أضواء تتداخل في أضواء، في لغة الأرض والسماء: هنا قبر الإمام ص7)….
هي تجليات لحالة الصراع المحيط بالإنسان، ومخاوف وهواجس المطارد من قبل سلطات القمع التي تلاحقه.. ها هو جثمان الإمام لم يسلم من هذه الإجراءات التعسفية، التي تفرضُ قناعاتها ونتائجها على سلوكه وتفكيره وتدفعه للتساؤل عن حقائق الأشياء، والبحث والتقصي عن مدلولاتها …

( تلك كانت لغة السماء، لغة الموكب العظيم، لغة الدفن المهيب، عفي القبر، أخفوه كما أوصى الإمام، فظل سرا ًمكتوما ًعلى الأمويين، والخوارج، لا يعلم به غير أهل بيته والخواص من شيعة الإمام، ولم يفشوا سر الدفن العظيم، زاروه ليلا ً ونهارا ً في الخفاء حتى هلك الأموي، وهلك سلطانه وهلك ظلمه وهلك الخوارج وأتى عصر عباسي ص7)…

في منحى يكون ميثولوجيا ً يأخذ من التراث الديني أبعاده وأوهامه، وواقعيا ًيكون داميا ًومشبعا ًبالألم والدم والمعاناة التي تترافقُ مع إفرازاتِ الحرب، هي حربٌ في السماء يشتركُ فيها الآلهة وهي حرب على الأرض يدفعُ فيها الطغاة البشر لساحات الموت، في كلا الحالتين ثمة خيوط مشتركة تجسدُ طبيعة الصراع ومحتواه من خلال قطبين متنافرين يعكسان قيمتين مختلفتين في الوجود يحددان مفهومين متناقضين للحياة والسلوك، تفصلُ بين ما يعرفُ بالخير والشر والرموز الموحية بالقيم و الصفات الأسطورية..
يرسمُ صورة ً ميثولوجية للشر، من خلال هر ٍأسود ٍ يعبثُ بالكتب ِ، في استعارة تشبيهيه ذات دلالة عميقة المحتوى، عن حالة القمع الفكري ومنع الثقافة، وبالتالي إلغاء الوعي، هي صورة للتسلط والاستبداد الذي يعبثُ بالناس، كما يعبثُ القط الشرير، المتسلط على المكتبة، يسحبُ من بينها كتاب الملل والنحل، يجرجره من غلافه، كما تجرجر أجهزة القمع المعاصرة المثقفين والمواطنين من حملة الفكر من ياقاتهم وتسحلهم لأقبية التعذيب والموت والفناء، في عنوان الكتاب الذي قررَ القط ُ إعدامه دلالات كبيرة لسيطرة ِ العقلية الشوفينية التي تسعى للقضاءِ على حالة التنوع الثقافية والفكرية والإثنية والسياسية في المجتمع، الذي جسدتها سلطة القمع التي مرّ بها العراق في العهد الدكتاتوري ..

( أغمض عينيه محتميا ًبالرقاد، وبدهشة رأى في منامه هرا ً اسود حالكا ً، كبير الرأس، يدور حوله وحول كتبه ويصوب إليه عينيه الصفراوين اللامعتين رافعا ً ذيله إلى أعلى هازا ً إياه إلى اليمين واليسار كأنه يرسم إشارة خطر، من أين جاء؟ كان الهرُ يتشممُ الكتب، يلحسُ أغلفتها الخارجية، يموء، ينفخ، يكشف عن أسنانه البيضاء، يدور وهو يتفحصه ويتفحص كتبه، ويراقبه بحذر، ماذا يريد؟ نفش شعره، رمش بعينيه، حرك شاربيه الطويلين بامتعاض، قرفص وهو يموء، تقدم إلى الكتب بعناد وبطء، بعثرها بقدميه، داسها، ومشى باحثا ً بينها عن كتاب معين، لم يجده، قلب الكتب، ثم خرْمَشها بمخالبه، سحب بفيه ِ كتاب الملل والنحل للشهرستاني من حافة غلافه ِ الخارجي وتراجع إلى الوراء كما لو انه يسحب فريسة أو ضحية. استقر في زاوية المكتبة قاعدا ًعلى الكتاب، يضربه بقدميه، يصدر فحيحا ًمتحفزا ًلوثبة مباغتة، َخرْمَش جدار المكتبة، وقفز محاولا ً إسقاطها، لم تمض برهة من الوقت فإذا به يكبر ويطول ويقف قبالته ماردا ً اسود وهو يمزق الكتاب ويرمي أوراقه على الأرض، يزعق ويطلق اصواتا ً وحشية ويردد:
– لا تقرأ …
– ماذا…؟!
– لا تقرأ… ص21-22)

بنية النص تستندُ على مقدمة سردية- تأملية، فيها الكثير من الخزين العاطفي الداخلي لشخصية سلام التي تنزُ تداعيات لمحطات في الذاكرة تستغرقُ خمسون صفحة ً، تكوّن المدخل والأرض لبقية الحدث الدرامي المتشعب الذي يأتي على شكل حكايا متداخلة بلغة مصحوبة بامتدادات الزمن يُحشدُ كلماتها لتقص أجزاء من حكايته عبر استنزاف مخزونه الفكري وانفعاله الداخلي في تكوين سلسلةٍ من الأحداث والوقائع التي تمدُ لحظة الموت وتطيلها لتعيد إنتاج ذاكرتها وأسرارها وألغازها عبر مفاصل الزمن في أماكن مختلفة، تفردُ للبشر حكاياتهم المتناثرة والمتقطعة في زوايا النص عبر زمن ٍ متداخل الخطوط والاتجاهات بين الماضي والحاضر، ممتدٌ في التاريخ ليكون شاهدا ًوراويا ًموثقا ًعلى تواصل حالة القمع والشقاء التي مرت بها أرض النجف والساكنين فيها، لا بل حتى المارين بها، كونها أرض مقدسة.

هكذا يكون للزمن والتاريخ والميثولوجيا، كما في موضوعة المهدي المنتظر والكف العائدة للعباس حكايات ٍ لها وقعها الثري والمؤلم كمكون مؤثر في النص، كذلك للناقة والحمامة والحُصن والأسد والقطط والأشباح والأشرار والشياطين، لا بل حتى للرمل والأرض والصخور والماء ودهاليز البيوت ومحتوياتها كقرُب المياه والصناديق، حكاياتها التي يُكشفُ عنها شيئا ً فشيئا ًفي ما يليها من الفصول المكثفة التي تنتهي عند الرقم الثاني عشر، في مخطوطة الأب مهدي بحكاياتها المتداخلة في نسيجها بلغة ٍ قد تكون لغزا ًغير مفهوم الأبعاد للوهلة الأولى من القراءة غير المتفحصة والعجولة، قد يتصورها البعض نوعا ًمن الفنتازيا التاريخية، لكنها عميقة المحتوى بدلالاتها الواقعية، تستند على ما ورد في مقدمة النص، لتفسره وتفك ألغازه.
مدخل الرواية يقول :
( اجتمعت الملوك السماوية ذكور، وإناث للتداول في أمور البشر بعد أن كثر الظلم وكثرت الحروب وانتهاك الإنسان للإنسان في أبشع مرحلة من مراحل الشرق الأوسط ليصبح الموت شائعا ً يوميا ً ص6).
بلغة واضحة المعاني ترتبط ُ بالأرض وما يدور عليها من أحداث ومحن، تؤشر كلماتها بعمق إلى خطوط وزوايا الانكسار في بنية الشخصية المهزومة والمقهورة العائدة من حرب الصحراء، شخصية سلام المرعوبة التي تتحسبُ لإجراءاتِ من يتفنن بقتل ِضحاياهُ من عسكر ِالسلطة ِالتي تطارد الناجينَ من الموتِ مِمَنْ وصلوا مشارفَ المُدن ِ ودخلوا في ثنايا شوارعها وأزقتها الخالية من البشر، تلك المدن التي تتحكمُ بها قوانين الحرب ِفتصبحُ امتدادا ً لساحات ِالقتال ِتوزعُ الموتَ المجاني بين الناس ليشمل من لم تقتله الجرافات والقنابل التي كانت تستهدفُ كل ما له صلة بالعراق والعراقيين ..
ها هو سلام يدخل المدينة المهجورة من جديد كأنه يدخل ميدانَ الحربِ تطاردهُ الهواجس والأشباح، فالحرب قد أعادت صياغتهُ، وغيرت محتوى مكوناته، أعادت إنتاجه كمكون مضغوط ببنيان مهزوم يسير على قدميه بالمقلوب.. قذفتهُ يتلفت حوله فزعا ً لا يثقُ بما يحيط به من كائنات ٍ، طالما كان احتمال توجيه الطعنة من الخلف قائما ً .. هذا ما تعلمه من الحرب، مصيره مرتبط بفتح الباب.. عن أي باب يتحدثُ؟:
( سلام ابن مهدي الذي عرف حرب الشياطين ص6) … ( كان سلام ذو البشرة السمراء، المتوسط القامة ،النحيف، الشاحب الوجه بعينيه الصغيرتين يرى روضة المدينة باكية في دموعه. لم تعد تعذبه حروب عشرين عاما مضت.ص8)

( الآن لمْ يرى سلام دخان الموت ولم يسمع إنفجارات ِ القنابل، كان رأسه مشدوها ً، ينكفئ ثم ينهض، الروضة موجودة، اجل موجودة على أطراف الصحراء أما جثث الموتى فما زالت على الحافة الأخيرة من رمالها …. عدت مهزوما ً من رعب اسود لا تعرف كيف خرجت منه دون أن يفنى عقلك عدتُ ليس إلى الروضة الخصبة، عدت إلى سرداب السن ..كان يلتفت، ويستدير بين الفينة والأخرى متأهبا ً لإطلاق النيران. الحروب علمته بأن الموت يباغته من الخلف لكن لا يدري على من يطلق النيران؟ فلم تكن هنا معركة. كانت هناك معركة… لا… كانت مذبحة، أي… قنابل الطائرات تتساقط عليهم، الجنود يصرخون، يموتون في خنادقهم، نعم… هذا أنت يا سلام في خضم عاصفة الصحراء تحتضن التراب، انهض اترك خندقك المحاط بالموت! في لحظة مسعورة خرج من خندقه، وركض بين احتراق الدبابات، والحافلات، والمدرعات.. من هنا… هذا طريق الأمان … اتبعني… ركض بين أشلاء الجنود هاربا إلى وطنه دون أن يفهم شيئا… الجرافات تدفن الجنود وهم أحياء… ركض دون أن يفهم شيئا ً… واجتاز طريق الموت الذي امتد من خندقه في الكويت حتى حدود البصرة، فطائرات التحالف كانت تحرق بصواريخها الذكية كل شيء عراقي لم ينج من هذا الطريق إلا القليل وبأعجوبة. ص10-9)..

( أما الآن فهو ببذلته الرثة الممزقة، وشعره الكث، وهموم أعوامه الأربعين لا يسير على جثث القتلى أو أوصال الجنود المتناثرة، فهو يسير في شوارع معبدة بالإسفلت حاملا آماله الخائبة مثل السراب، أيّ أمل واع ينتابُ هذا الإنسان المهزوم؟ أمل متلهف يتصاعد بضربات وحشية في أوصاله المرتعشة التي تحسسها حينما سار لوحده في مدينته. أوصاله ترتعد فزعا ً، أجل ترتعد فزعا ً من الوحشة المخيفة الكامنة في داخله فلو القوا القبض عليه هاربا ًمن الجيش- ربما قطعوا أوصاله، فهنا في بلده كل شيء ممكن وكل شيء فن لاسيما فن الإعدام، الدكتاتور يأمر ورجاله يعدمون البشر أو يدفنوهم وهم أحياء.
– يا إلهي، لماذا هذا الرعب؟ ص10).. ( كانت صرخات الهزيمة تلاحقه ليتلاشى لاهثا ً في الأزقة، وتتداخل بعنف مع مواء القطط ، وتقوده إلى بيت أهله المهجور. آه يا زقاق المدينة! انزلقت دموعه… وداعا ً … وداعا ً.. يجب أن يبعد عن مخيلته الأفراح الكاذبة، والآمال الخادعة، ويمنح نفسه القوة، ويعزيها ليقاوم هزيمته. بقي صامتا ً بلا أحلام فالأحياء من أهله ماتوا والأمل مات، عمن يبحثُ؟ …. فروحه لم تعد صالحة للحروب، ولم تعد صالحة للحياة ما لم يفتح له هذا الباب…..ص11).

يصابُ ويسقط وتقطع أجزاء من جسده، يتشوه ويفقد أذنه، لكنه لا يستسلم، ويسعى للملمة جراحه وتحريك بقاياه رافضا ً الإصغاء لنداء الموت، بقي متشبثا ً ببقايا روحه، يُحرك جَسدهُ ويحلم بوضع حد ٍ لماضيه التعس، يرغبُ في التخلص من تبعات أيامه السابقة..
يحول مسار مقاومته ويوجه طاقتها نحو أعماقه ليستنهضَ روحه كي تساعد جَسده على الحركة رافضا ً الإقرار بالنهاية والاستسلام للموت، عازما ً على البدء من جديد في تكوين نفسه بعيدا ًعن سياقات الحرب وأطر الصراع اللا مجدية، ناكرا ً انتماؤه السابق، معتمدا ًعلى قناعة ٍ جديدة تتيحُ له بناء ذاته بعيدا ً عن أجواء الكره والانتقام فالحياة اكبر من أية حالة انتماء، وهو يسعى للتمتع بها فيما تبقى من أيام عمره بسلام وآمان.. هذا ما يدفعه للتشبث بالحياة ويتمسك بالمستقبل ..

( دوي هائل ولمعة تشبه لمعة برق .. أظلمت الدنيا في عينيه…سقط هنا مع صيحته، وأحس بدوار في رأسه، وغبار يلفه، أشياء تنهار، طابوق يتساقط أخشاب تطقطق، لم يظهر أمامه أحد، هل هناك كائن ما آخر خلفه؟!، لم يكن يعرف، لم يفقد كامل وعيه، هناك شيء ما حدث له – مجرد انهيار- إلا أنه لم يتوقع ما حدث له، لأنه لم يعرف ماذا حدث له بالضبط سوى أنه سقط على الأرض، وانه بالذات سقط بصورة مفاجئة، لم يستطع أن يلفظ الكلمات، لا يمكنه أن ينهض، وقد اختلفت عليه الأيام، أنه لم يعرف التفاصيل بالضبط…. اختلطت عليه الأيام، وقد ترك أسئلة المعارك في الوراء، بالرغم من أنه عاشها، وجاء منها، أحس بالسأم منها، تضايقه قسوتها، آثار شرها، ظلامها،عنفها، موتها، ونبذ أن يكون مرة أخرى جنديا ً فيها، حاول أن يبتسم، وينكر انتماؤه السابق، ويكون ذاته خارج الآخرين، هو ذاته بميزته الجديدة كفرصة يمتحن فيها سقوطه، لذلك عليه أن يفتح عينيه، ولا يجنح للانتقام أو الكره، هذا كان اختياره في باقي حياته الممكنة….. وقد انتابه شعور لا إرادي أن أذنه قد قطعت…..
لم يفهم إذا كان هو ضحية أشباح متصارعة تنعكس على ذاته، وتشوه وجوده، سوف يجاهد أن لا يكون محطما ً، ولا يلجأ إلى وداع نفسه، فعليه أن ينتزع نفسه من أنين يرقد معه، قد يكون ذلك في غفلة منفلتة من الخراب الذي يدمره، حينئذ سيكتشف ذاته خارج شرنقة الصراع الوحشي، آنذاك سيفهم أسباب الانهيار، وسقوطه المدثر به، المتناقض، الخشن، المحاط بصمت فريد ثم يحمي نفسه من فريسة قلقه الخطر، إلا أن قلقه تمحور في بقاء أذنه، لأنه لا يستطيع أن يكون شخصا ً حرا ً مستحيلا ً يخرج من الخراب دون أذن،لأن فقدان الأذن يحط من مكانته، وهيبته بين تلك الشخصيات العادية المنحازة للاستسلام دائما ً، وما أكثرها في وطنه!! أحس بغضب شديد تجاه نفسه لهذا الاعتراف… لا …لا… لا يمكن أن يستسلم للخسارة حتى في لحظة الموت. ص31–33)

لكنه رغم تشوهه الجسدي أدرك حجم خسارته، بفقدانه المذل والمهين لجزء مهم من جسده، الذي يشحنه بالمزيد من العذاب وعدم الثقة، وجعله يربط سقوطه بسقوط القيم ويتعداها إلى مفهوم سقوط الإله والشك بنواياه.. ( كاد يفقد ثقته بملاكه، لماذا تركته وحيدا ً يعاني محنته؟! لم يفهم هذا التخلي عنه) ص32، ( بدأ الشك ينتابني، وعزوت كل شيء إلى شكوكي بالموروث القديم أو بما يحيطني من الأشياء، ولا يزال الشك يراودني راسخا ً في ذهني،وتراودني رؤيا أن ملائكتي تلاحقني أطيافها ص72) و يربط ُ سقوطه ويقارنهُ بمقتل الجنود في ساحات الحرب الدامية.. ( أحَسَهُ جنديا ً يسقط ُ ميتا ًعلى الأرض. آه، يا لرأسه المشدوه!!) ص12 …
وينقلك لحالة أعمق من الشعور والإدراك، حالة تحديد حجم ومحتوى السقوط المولد للمزيد من الألم.. انه الم الاكتشاف المتأخر لجوهر حالة السقوط الذي يتعدى مفهوم اللغة ودلالاتها وتصبح الأشياء كل الأشياء والمفاهيم قابلة للسقوط ، مع سقوط الإنسان، هذا السقوط الذي يترافق وينجم من لحظة مصادرة حريته فينتفي وجوده البشري وتنتفي حاجته للآلهة…. ( فأحس أن كل شيء يسقط ، الحلم سقط عاريا ً، الموت تناثر بعيدا ً عن وحشية الحروب، وكذلك تلاشت لحظات الرعب تحت قدميه ليتلألأ في هبات ملاكه ) ص12..

ويدخله انكساره في مرحلة من التأمل المدرك لاكتشاف نقطة الانحراف المؤدية لدخوله دهاليز الحرب وفواجعها المسببة لهذا الكم الهائل من الأحزان والخسارة كونه ضحية من ضحايا الاستبداد والإعلام الديماغوجي الذي يضلل الحقائق ويتفاخر بنتائج الحروب الدامية التي تنعدم فيها المآثر ..هذه الحرب التي تحول الضحايا إلى قتلة يمارسون القتل تحت سياط الجلاد وأوامر مؤسسة القمع التي تطحن الناس وتدفعهم لساحات الموت مجبرين وتجعلهم وقودا ً لها يحترقون بنارها، الناجون منها يتعذبون عندما يكتشفون إنهم امتداد لماضي مقيت، ماض إجرامي.. هم جزء منه، يتحملون آثام من لحظة الرضوخ المذلة.. تلك هي بداية السقوط وهذه هي القيامة.. يا لحجم الإثم الذي ارتكبه.. يا لمرارة الاكتشاف .. اكتشافه لذاته المريرة ونفسه الآثمة…
(رجل بدون إذن… أنه بحاجة إلى كلمات موثوقة، مرهفة ذات ثراء، لا عيب في دلالتها، ولا سوء في تفسيرها، كلمات صحيحة، لا تستعصي على الحل في شكوكه بأنه ضحية بريئة لسلطة الاستبداد…. لا ليس للحرب التي خاضها مآثر…لا…كان مضللا ً ومرغما ً على الإذعان لمصير أعمى، لم يدر أن سقوطه قد وقع بدوي هائل أنذر بيوم القيامة، لقد وقع منذ أن أصبح جنديا ًمجبورا ًعلى ممارسة القتل، هذا المٌ نز في قلبه، في عالمه الكبير الضجر المتواصل، أي أن هذا الإدراك صدمه بمرارة كإثم، كإدانة لذاته في سفر رؤياه الأحادي الجانب، كان ينبغي أن يدركه منذ البداية، ذلك لا يمكن أن يكون في طي النسيان، هذا يصدمه كثيرا ً سواء بإخلاص أو بيقين… ص34) ..
ويعي طبيعة الحرب وويلاتها وأكاذيبها التي تفني كل شيء وتمحوه من الوجود ويبقى هناك من يزعق في الليل والنهار إننا لمنتصرون. انه انتصار للحرب الخاسرة التي تبتلع المهاجمين.. كل المهاجمين مع حُصنهم ودباباتهم وآلياتهم ابتداء من حروب ِ ما قبل التاريخ حتى عاصفة الصحراء والحروب القادمة..
( كانت الحرب خاسرة، سقط المهاجم من الحصان، سقط من الدبابة، قتل المهاجم، قتل كل المهاجمين. ص29

يتداخل الحلم بالواقع وتمتزج السماء بالأرض..هاهو باب الدار يتحول في لحظة من الزمن مصحوبة ً بومضة ٍ من نور الشمعة إلى بوابة فردوس…
( إنها ملاك سماوي أرضي في جمالها. آه كم كانت ملاكه شفافة رقيقة تنير له الطريق بنور شمعة أثناء التقدم، والتراجع وأثناء غمرة أوجاعه!! أراد أن لا يكون ذلك حلما ً زائلا ً يموت في فراغ السكون الذي أحسه جنديا ً يسقط ميتا ً على الأرض. آه لرأسه المشدوه!! نظراته إلى لهيب الشمعة جعلته يومض عشرين عاما ً، وينطفئ عشرين عاما ً آخر في جحيم الحروب، وآلاتها التي خلفها وراءه ….. مشى خلفها في مدخل صغير- هشتي- الذي منه ينبثق سلم يؤدي إلى الطابق الثاني، وتحته مرحاض فأحس أن كل شيء يسقط ، الحلم سقط عاريا ً، الموت تناثر بعيدا ً عن وحشية الحروب، وكذلك تلاشت لحظات الرعب تحت قدميه ليتلألأ في هبات ملاكه ص12) …
ويرصد حالة القلق المرافقة لتحولات الذات العميقة التي تتزامن مع عودة سلام ومسعاه للتمتع بالحياة الطبيعية مع الفتاة الوحيدة كرمز للنقاء والجمال في الفردوس، الذي يمنحه بوجود المرأة/ الأنثى السعادة والقيم الحضارية الجميلة التي يشكل وجودها شرطا ً للدخول لمرحلة جديدة تختلف وتنفصل عن حياة ما قبل الحرب.. تؤدي فيه دورها في عملية الخلق مستبدلة صفات الخشونة والقسوة والغرائز الحيوانية التي نمتها الحرب عنده بصفات ومشاعر إنسانية حقيقية تعيدنا إلى أجواء ملحمة كلكامش السومرية التي أفردت دورا ً مهما للمرأة لإعادة صياغة وعي كلكامش وتهذيبه وجعله إنسانا مكافحا ً باحثا ًعن القيم الإنسانية الجميلة..

(عندما وصلت باحة السرداب ألقت نظرة عتاب على بندقيته فصار مذهولا ً حائرا ًيحرك رأسه محاولا ًتجنب نظرتها الحادة المؤنبة، مديرا ًعينيه إلى الشموع التي تحترقُ، وتضيء أشياء السرداب المرتبة بعناية تامة، كان يلملمُ ذهوله من نظرتها التي أرغمته أن ينزع بندقيته من كتفه، ويمسكها من طرفيها، ويلقي عليها آخر نظرة مثلما يلقي نظرة الوداع المؤلمة على الجنود المقتولين، ثم تقدم نحو البئر، وألقى بها فيه، جاءه صدى اصطدامها أشبه بانفجار قنبلة سقطت قرب خندقه، ما لبث أن شرع ينزع جزمته، وملابسه العسكرية، ويرميها الواحدة تلو الأخرى. أنه تخلص من ثقل أرهقه طويلا دون معنى، تخلص من مظهر العنف، ناقوس الخطر، رمز الموت، وبقي بين ضياء الشموع الخافتة يواجه ملاكه التي تنظر إليه كما أنه مخلوق جديد خال من الكره، والخوف، والضعف. أراد أن يتقدم إليها، يرفع برقعها وهو ينظر إلى ثوبها الأبيض الخفيف المطرز بزهور خضراء، الملتصق بجسدها، المسترسل شفافا إلى قدميها، يفني حزنه في خطوط جسدها غير العادي، الممشوق، الأنيق بكل أعضائه. لم يجرأ على ذلك كما تعود أن يهجم على جنود دول الجيران، والأشقاء في ساحة الوغى، تراجع إلى الوراء، وقد أدرك أنه لا يستطيع أن يخفي نشوته في حلم خفي، ولا يستطيع أن ينفي أنه قد يكون مجهولا أمامها، وأنه لا يعرف أيستطيع أن يقترب منها، يلمسها، يتوحد معها؟ جلس مقرفصا ًعلى الفراش المفروش قرب البئر تحيا في داخله رغبة فوارة لتنهي صداما ً عنيفا بين تردده، وبين جسدها ليرشف من كأسه المبطن بأبهى تجلياته، وملامحه، وخطوطه، وليرتاح في أسراره، فراح يردد مع نفسه:
هذا مخجل، إلا انه خرج من غيابه بعد أن اقتربت أقدامها منه، واقتربت بكامل جسدها، برهافتها، في مثل هذا المكان المشاع بالأمان، جلست جنبه هادئة، لم تقل شيئا، لمست خده وقرأت الليل في عينيه اللتين صارتا شاردتين في جسدها. خيم صمت مشحون بالانتظار أن ترفع برقعها، وفي هذا الصمت الرفيع مسكت يده المضمومة، فتحتها، فاجأتها تلك الخشونة التي استمدها من المعارك… ص13) ..

هذه الحرب التي يصور بشاعتها وتفاصيلها القاتلة والدامية المتعبة والمؤذية للقارئ من خلال بدايات تسجلُ حكاية البابلي وأحلامه وتطلعاته المستقبلية التي تسحقها الحرب وتدوسها الأقدام من دون أن ينشغل المتحاربون بصيحاته أو يتوقفوا عند مصيره الذي يفقد قيمته ويصبح في أجواء الاحتدام شيئا ً لا أهمية له لا يلتفت له أو يغيثه احد طالما كانت الحرب مستعرة وتحتاج للمزيد من الوقود منذ ( اعترافات الجنود التي انبثقت في زمن الحرب، اعترافات مكدسة، مشبعة بالقهر، والوخز المؤلم. تلك كانت الحصيلة النهائية للرضوخ بالسير في ظل الحرب، الحرب التي أرغمت الجنود أن ينفوا ذاتهم، أن يخنقوا إرادتهم، ويخفقوا فيما يرمون إليه، وتستعجل الحرب موتهم، أجل لم يكن يكف أن يتذكر وجه صديقه البابلي، وهما على الخط الأمامي للجبهة، لا ينبغي أن ينساه، كان صديقه ينظر إلى السماء المرصعة بالنجوم ليروي بصوت خافت حزين حكايته التي آمن بها، ويمخر بقلقه مع الليل إلى ليالي العالم القديم، ليالي بابلية، ينبثق منها حلمه البهيج الاستثنائي المذهب بسعف النخيل، بأغصان الدوالي ، بأوراق الزهور، كان يحلم مع قمر فضي، ومع يد حارسة أبواب مملكة بابل، – تلك الآلهة- عشتار المزدهرة بنور ربيعي. بغتة انبثقت صيحات عالية: هجوم.
نهض صديقه بسرعة، أغمض عينيه، وسقط على الأرض. كانت أضواء النجوم تعبانه ضعيفة، ساكنة فوق وجهه، لكنها نافذة إلى رؤياه التي انبهر بها، وانبهر بعيني عشتار هادية شعره، كان يتخيلها قبل موته، يسمع همسها، يشم رائحة شعرها، ورائحة الأرض التي تسير عليها،يلمس بشرتها الملساء، وخديها الدافئين، يشكو لها عن أكاذيب الحروب. تلك كانت رؤياه، لم ينفصل عنها إلا برصاصة الموت، كيف كانت حكايته؟! تلك كانت حكاية الحلم والشعر.
استحضر سلام وجه البابلي كشاهد إيماءة وتعبير، كتحطيم لهمهمات خفيضة، لهاث غير منقطع، هموم فوق أرض ملطخة ببقع دم، تدوسها أحذية حرب سوداء طويلة قاسية، تسحقها، تشتتها، تمسحها بأعقابها الخشنة، تلك علامة تقدم وانهزام، تلك آلاف الأحذية زاحفة أو راكضة فوق بقع الدماء، آلاف الأحذية وآلاف بقع الدم مبعثرة فوق الأرض، إشارات القصف المدوي فوق الأرض، إشارات الرصاص في الأجساد، صراخ، عويل، جروح،أشكال متقدمة، أشكال منهزمة ، كلها تتأرجح في كف الضجيج الذي لا يتوقف، في كف الأعوام التي تمضي، لم تكن لها أهمية، لم يأخذها أحد بالحسبان، لم يفصح أحد عن عودتها، رغم كل شيء، كل شيء، كل عام أسوء مما قبله، في خاتمة المطاف تمضي الأعوام كمصدر إغواء دائم للأحلام، فتمضي معها الأحلام في مداها الضيق، في فشلها الكبير. وجه البابلي بلا صوت، تخطى حدود الحياة، وجه زائر عابر في ذمة الخلود، لم يبال أحد بموته، مشاغل المعركة كثيرة، مشاهد الموت كثيرة، ضنى، مكابدة، لغز الموت ذاته منذ أن خلق البشر، كان نصيبهم الموت، أعوامهم محدودة يستنفذون بها أحلامهم، أما البابلي فليس لديه في الدنيا سوى أن يموت، ويموت حلمه، هذا شيء غريب، لا يمكن أن يكون البابلي كما أراد في بلد الشعر. ارتفعت صيحة :هنا ميت،لا أحد يبالي بموته، مشاغل المعركة كثيرة، لم يتوقف العنف، قفز فوق الأرض، توتر عام، العيون تكاد تخرج من محاجرها، عراك بالسلاح الأبيض، تشابك بالأيدي، عض بالأسنان، سيول العرق تتصبب من الأجساد، رائحة البارود ثقيلة تفوح من الأرض والأجساد، دخان يتصاعد، جروح، صيحات، أنين متواصل، ضياع، لهاث، آلاف الأحذية السوداء تسير فوق الدم، تسحق وجوه البشر.ص27-28

وينقلك لأجواء وزمن مصرع الحسين الذي أبدع في وصفه متخيلا ً المشهد الأسطوري بأبعاده المتكاملة مصورا أجواء تلك الحرب وتفاصيلها المؤثرة معتمدا على الروايات الأسطورية التي تناقلها أهل النجف عن واقعة ألطف ….
( تلبدت السماء بالغيوم، انهمرت الظلمة على الأرض، غطت كل شيء بالظلام واتحدت السماء الأرض، كل شيء اسود، لم تمطر السماء، السواد ثقيل ينذر بالحزن، ينذر بالانفجار، انفجار لا حدود له، بغتة انجرت السماء بومضات بيضاء، لم تتوهج السماء، صوت يجلجل في الفضاء، تلك حمائم بيضاء تصفق بأجنحتها، صوت أسد يزأر فوق الأرض، لم تخافه الحمائم، ضلت معلقة في الهواء، السد يدور حول جثمان الإمام الحسين، يحرسه، يحميه، يتوقف، يحفر بأطرافه الخلفية في الرمل، يحفر بأطرافه الأمامية وبفمه، يمتلأ فمه رملا، ينفخ بأنفه، بفمه، يعض الرمل ويحفر بجسده ويسحق الرمل بأطرافه، رمال مدماة، ملتهبة، حفر أعمق ما استطاع، لم تخف من زئيره الحمائم، حطت على الرمل الحار وتمرغت بالدماء، أغرقت نفسها فيها وأصواتها ترتعش: وداعا، يا سيدي! حمائم حمراء ، سماء صافية، بيضاء ثم حمرة شروق الشمس، الأسد يزأر، يحفر في الأرض، الحمائم تحلق في الفضاء: وداعا، يا سيدي! .ضم سلام الصور في عينيه فأصبح وجهه حزينا ليوم ألطف، ليوم السواد وهو يردد مع نفسه: يا ليتني كنت معك ، يا أبا عبد الله، وأحس بالإرهاق من الغدر الأموي، من التاريخ الدامي، الذي لم يلب نيته في التخلص من ملل الحروب، فالماضي يزخر بها على ارض الرافدين، الآن عليه أن يحتفظ بالصبر ويستمد معرفته بمعلومات أخرى من بطون الكتب التي ستفضي له عن أشياء متسترة في جنح الظلام، تلك مجبرة أن تكشف عن نفسها في حمرة الفجر.
تلفت حوله فقد تناهى إلى سمعه من الزقاق ضجيج وغمغمة من الأصوات المتداخلة غير الواضحة، غير المحددة، وتعالى صراخ ثم تلاه وقع لأقدام ثقيلة، فمشى بسرعة إلى الشباك لأن هناك عالم آخر في خارج البيت،عالم مقنع بالعذاب،فقط هناك قناع الموت. بحث عن ثقب فيه يتلصص من خلاله على المارة، لم ير عناصر أمن تقتحم داره بل رأى رؤوس بشرية تتحرك وعباءات سوداء وعقل فوق كوفيات مرقطة بالسود والأبيض وعيناه خائفتان تمتدان إلى مدن بعيدة، بحار هائجة، غابات مظلمة، وحوش مفترسة، وعما ليق سود. ص20- 21

ويدمجها بالواقع المعاصر الذي لا يقلُ بشاعة في تفاصيله ومادته ومآسيه ويقحمها في ثنايا القيم الميثولوجية الخيالية بأبعادها الأسطورية، يفرغها من محتواها، ينزع عنها جلدها، يعريها، يكشف زيفها، يسقطها من الوجود، يدحضها، يبين خواءها، ليقول لك في النتيجة، إنها إنْ كانت متواجدة “كحقائق” فهي في ثنايا ذهنك في تفكيرك فقط.. وما دونها هو هراء وعبث غير مجدي ..

الانتظار هو حالة عجز، هو موت آخر، هو حالة تعفن ينبغي الخلاص منها، علينا أن نكتشف الأشياء، أن نكتشف أنفسنا، نعيد بناؤنا، نجدد فكرنا ونعيد إنتاج مفاهيمه كما فعل الإمام قبل أن يودع تراب هذا المقام في النجف حينما كان حيا ً ( الذي كان قبل مماته يقضي بأطراف النجف خلوته، يتجول، يتأمل، يفكر بمصير أمته التي أنهكتها الحروب وأنهكتها الثارات ص8) مؤكدا ً من خلال حديث الجدة لسلام عدم جدوى الانتظار… ( أنه مات، والمرقد الذي نزوره، هو قبره، يا ولدي .. صدّق جدته، وهرع إلى أصدقائه، وهو يدق أبواب البيوت … جدتي تقول:
أنه مات ص9 …. لكنه موت لا يلغي مهمة سلام في العودة من جديد بعد أن رمم جسده المعطل وشحذ همته.. هي عودة محملة بقناعات جديدة تدفعه..
( أجل سوف يعاود القراءة، ويندمج مع التاريخ، وينتسب إلى القوة، ينظم الشعر، يتأرجح مع الكلمات واللحظات في الاستثناء أنه سيبرز قويا ً إلى الدنيا من هذا الخراب بعينين مندهشتين ص36 )
وهي عودة محملة بيقين فكري يستشف جذور الأشياء وأصولها من بداية إرهاصاتها الأولى..
( بدأ يقرأ بتمتع مركزا على جذر الخلاف وأصله بين الناس، راح يتقفى بعينيه أثر المقدمة الثالثة في نصها المعنون: في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة، ومن مصدرها الأول ومن مظهرها في الآخر، فانبعثت عنده رغبة أن ينقب في النص ويفتش ويبحث فيه. شحذ ذهنه مهتما بمحتواه، أعاد قراءته متشبثا بالمناظرة بين إبليس والملائكة ليعرف ماذا كان يقول إبليس في حججه؟!. بدا له أن هذا التحدي المرعب الحاسم في ضمن سياق المناظرة أشبه بطلسم لم يمت منذ الخلق وظل يفعل في بني الإنسان تأثيره أكثر مما يفعله شيء آخر، وجده جرحا لم يشف لأن لغة التساؤل ينبع منها الشك والغياب وتقود إلى الإنهاك في العقل والسلوك، أدرك سلام معنى التساؤل من مصدره ومظهره المعنون، ذلك كان مصدر المشكلة الأول و الأخير، قديما وحديثا، تراءى له وجه إبليس باردا متجهما محملقا في وجوه البشر منذ الخليقة الأولى ويواصل تأثيره بين الناس إلى ما لا نهاية. ص23).
لهذا تتواصل الحروب وهذا هو جوهر السر الذي يكتشفه سلام عند قراءته للمخطوطة التي ترسم له أفقا ً للإدراك المعمق بمعرفة التاريخ من خلال الموروث الميثولوجي الحقيقي بأبعاده المأسوية التي تجملُ صورة القتلة والمستبدين من أمثال خالد بن الوليد وتصنفنهم بالصحابة والأتقياء معتبرة إياهم من أبطال التاريخ لكنهم قتلة ومدانون، تاريخهم مدان، تصرفاتهم مدانة، إيمانهم مدان..ومدان بوخز ِ الضمير من يكون مخدوعا ً بهم وبطولتهم المزيفة التي بنيت على أشلاء الضحايا والأبرياء من سكان النجف الآمنين قبل وصول جحافل الموت لها..لتكون بداية التاريخ الدامي للمدينة والقاطنين فيها .. هذا الزيف الذي تواصل مع الزمن في حروب الطاغية المتكررة مع إيران التي اختار منها الكاتب معركة الفاو ليحدثنا عنها ويشبك نتائجها بجرائم خالد ضد العراقيين..
(عاد سلام إلى كتبه التي تكدست على السجادة، تمدد بينها وهو يتابع في ذهنه معركة الفاو، أجل كم أخذ الموت من أصدقائه، هذا ما أحزن سلام، وعيناه خائفتان ما زالتا تمتدان إلى مشهد الموت: خيول قادمة من بعيد، من أرض قاحلة غبراء، حوافر خيول تدق في ارض الحضارة الأولى، سيوف مشهورة تتغذى على الرقاب، خيول تصهل وأجساد تتدافع، التاريخ لا يتكرر لا يستيقظ، يرتد في صخب معركة، صيحة طعنة، سهام مدماة، خيول مطأطئة الرؤوس، القائد ما ينفك يقتل الوجبة الأولى، الوجبة الثانية، الوجبة الثالثة، بحق الله يا خالد ملأت الفرات بدمائهم، ارحم بهم…لا… أما الدين وأما الجزية… إنهم يحتضرون ينزفون، بحق الله يا خالد ملأت الفرات بدمائهم… لا … من هنا يبدأ التاريخ.ص21)… هذا التاريخ الذي يسعى سلام للتخلص منه والفكاك من أسره المشين والمخزي الذي يرتبط ببذرة الشر الدامية في أرض النجف المقدسة التي امتهنت القسوة وجعلت السيف مسلطا ًعلى الرقاب يحزها بمباركة من فقهاء الدين جاعلة منها بداية لعهد جديد امتدت فصوله متلاحقة لزمن عاصفة الصحراء .. رغم محاولته للنأي بنفسه من أجوائها في مسعىً لإيجاد حل يؤدي للخلاص الفردي..
( حاول أن يفك سر الماضي الدائم المتدفق في روحه، لا يريد سوى أن ينهض من رائحة- بطنها ونقش الحمامة في نهدها- ذلك الغموض الغريب ينغرز في نبضه، يضنيه دون علم وذكيه أيضا ً. بدأ يفتش عنها في المنزل الفارغ، ينهكه الصعود والنزول، يسير في الغرف حزينا، ينزوي في زاوية منها وينساق مع آماله: أنه سيجدها . لم يتغير شيء في المنزل، كل شيء صامت في مكانه، كل شيء يدثره الغبار ولم تمتد إليه يد إنسان غريب، كان يتحرك ببطء وهدوء، لم يجدها في الغرف المتداخلة أو الدهاليز المظلمة أو تحت الخزائن عجز عن أن يجدها أو يجد أثرا لها ص18)…
لكنه يعجز عن إيجاد الحل الفردي والشخصي المقبول فينحو للبحث عن حلول جذرية للخلاص من الحرب وإرهاصاتها بتوجهه للبحث عن المعرفة في بطون الكتب التاريخية لتوصله معطياتها إلى ..
(… أيقن أنه لا يمكن أن يبحث عنها في الفراغ أو يقتفي ظلها، لذلك قرر أن يبحث عن شيء آخر يقضي وقته به، يطرد الملل والضجر عنه، يلغي إحباطه وخيبته. صعد السلم إلى الطابق الثاني ثم صعد سلما آخر صغير، فتح بابا لم يكن مغلقا وانسل إلى مكتبة والده التي ورثها عن جده… الآن أصبحت ملكه…سينصرف إليها، فليس أمامه مخرج آخر سوى أن يقضي أيامه بينها،…..عليه أن يغوص في فائدتها وأسرارها مستفيدا من تراثها، يستدل بها على المعرفة التي حرم منها سنوات طويلة، فقد عزم أن يفتش عن إرشادات في متونها ومعانيها، ربما- يستنبط منها إشارة أو علامة تقوده إلى شيء واضح عن ملاكه، وقد يصل إلى غايته في الكتب التي تتحدث عن العصور القديمة. بدأ يقرأ صفحات في كتب التاريخ ليشبع ذاكرته، يتوسع ذهنه مع صفحاتها ويغوص في الأزمان السحيقة وينتهي منها بسخرية: كلها حروب و….. كان يعتصر ذهنه لينتشل منها حكمة الماضي التي وجدها عبئا ثقيلا من الوهم والخداع بنى فيها المجد على دماء وجماجم آلاف الأجيال كضحايا لأباطرة خالدين جثموا على صدور الجواري وأغرقهم التعفن في المتع والملذات، لقد أصبح يعرف صور الضحايا ويفهم النزاعات الخاوية على العروش وما تلاها من تهاو وانهيارات ونهايات مؤلمة. توقف عند كتاب مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني فتأثر به تأثرا آخر، لأن فيه تفاصيل وفيرة ومعلومات مهمة يستدل منها عن معاناة الطالبيين لعصور متواصلة من الاضطهاد والبطش، أفزعه ذلك فالطالبيون ماتوا مقتولين أما في ساحات المعارك أو مسمومين في السجون والبيوت وقد أدرك أنهم لم يتمردوا على الخلفاء لمجرد أحقيتهم بالخلافة، بل لأن الطالبيين أرادوا أيضا ًمكافحة الظلم والجور والحياة الباطلة. هذا وقد ذرفت عيناه الدموع لمأساة ألطف وكانت مخيلته تستحضر صورا ً من وحي خياله: ص-20-19) …
ليكتشف المعنى الحقيقي للحياة وأهمية وضرورة الحرية ومساهمة الآخرين معه في صنع البرهات الممتعة، التي لا يمكن الوصول لملذاتها دون مشاركتهم بها ..
( حينذاك اكتشف أن الصمت بهيج مشوق لم يسبق أن كان ملتبسا بالشوق مثل هذا التلبس… خالية بطنها من السرة …. فقد أيقن أنها اكتشفته في الآلام منذ فترة طويلة وإنها سمعت أنينه أثناء أوجاعه ….. ولا يمكن أن يكون حرا ً دونها إلا انه سرح مع معاني وقفتها . إنها أنقذته من المحن ليس لأن العالم يبدو ضيقا مظلما ….. أن هناك لغز أكبر من هذه الأشياء …. أنه لا يكاد يفهم دنياه بدونها، لذلك اعترته الطمأنينة وتملكته غبطة عظيمة. تمدد على الفراش، سحب الغطاء من بين قدميه، دثر جسده خجولا ً، فأغفى مرتاحا ً. ص14)..
ليجد (ذاته خارج شرنقة الصراع الوحشي .. لا يستسلم للخسارة حتى في لحظة الموت ص33 ) قويا ًمتحررا ًمن آثار السقوط ، مستعدا ًلمواجهة أشباح سلطة الاستبداد الذين عبثوا بجسده وشوهوه حينما أقدموا على بتر إذنه وجعلوه منزويا ً قابعا ًيتجنب الاختلاط بالناس، محروما ً من رؤية النهار.. يتخلص من عجزه .. يعود للكتابة ونظم الشعر..يستكمل قصيدة طيف الأيام… تلك هي بداية الخلاص.. بالأنغام فقط يمكن لسيل الدم أن يتوقف..هذا ما سعى إليه الكاتب حمودي عبد محسن في إبداعه الجديد.. حكاية من النجف وهو يحكي قصة سلام ابن مهدي ومقتل زوجته متتبعا ً قصة الفراق والبعد بين الأب والابن ومفارقات معاناتهم وخطوات عذابهم في السجون والمعتقلات والحروب التي حولت الأرض والسماء إلى ساحة للصراع والموت، تتداخل حيثياتها مع معطيات التاريخ والميثولوجيا ومعراج سلام وأبيه كالأنبياء بين السماء والأرض للبحث عن الآلهة والأشياء المهمة أو محاولة اكتشافها تحديدا ً في حكاية أهل النجف والمهدي الذي ينتظرونه كمنقذ ومخلص وبين تداعيات كاتب النص الحقيقية وكفاحه وفراقه لأعزاء له في زمن القمع.. قد يكون سلام ابنه والفتاة التي قتلها الملثمون زوجته أم سلام وقد يكون هو نفسه المهدي الحقيقي الذي يقاوم الدكتاتورية ولا ينتبه له الناس!!..
يشترك الشعر كمؤشر مهم في النص بدلالات زمنية متداخلة تجمع بين الشعر البابلي وما أنجزه الكاتب من نص ملحمي بعنوان الإله تموز قبل هذه الرواية ليعيدك من أجواء التاريخ وأساطيره لأرض الواقع في لغة لا تقبل الالتباس.. ( أحس سلام انه جاهد، وانتصر فقد افرغ عالمه في قصيدته التي كانت غنائية بلغتها، وانسيابها، ذات استدلال منطقي لتداخل انسياق البعد البابلي بالحاضر العراقي، بشخوص أسطورية تظهر، وتختفي في سحرها. كان راضيا ً في مكمن أعماقه لإنجازه الفريد..ص43)…
عودته لممارسة فعل الكتابة هي ولادته الجديدة بعد مراجعة الذات والفكر ومحاولة فك الغاز الحياة وطلاسمها.. كما دفعت شكوك مهدي بالطقوس والمسلمات للبحث عن ذاته من جديد، وفي ذات الوقت عودة واقعية حيّة بعد أن تخلص من أرث الماضي والتاريخ المزيف الذي لم ينجز إلا ثقافة عنف وقمع تعيدُ إنتاجَ الموتى ليتحكموا بنا، فيصبحوا هم الأحياء وسادة الموقف ونحن الموتى.. ثقافة تعد بالفردوس.. الذي يكتشف مهدي فيه الخواء والملل وفقدانه للحرية ( الفردوس الخالي من الصلاة والممارسات الدينية وأجواء الشهوة الجنسية ) فيقرر مغادرته والعودة الحرة إلى أرض السلام حيث القبور محاولا ً تقصي مكان زوجته وابنه من خلال مشاهد تنقلك إلى التاريخ حيث الممارسات البشعة بحق البشر باسم الدين وسبايا المسلمين المتحاربين على السلطة بينهن ( نساء وعقائل بيت النبي على أقتاب المطايا من بلد إلى آخر)، وربط هذه الممارسات بسلطة الاستبداد وزنزانات الموت في أقبية شباط 1963 وما بعدها حيث تتداخل العذابات البشرية مع صور الشر وتجليات الشيطان المندس وسط المتظاهرين بين الجموع المنتفضة التي تستدعي كف العباس لتقابل جنازير الدبابات المتأهبة لسحق البشر… وصورة الجلاد البائسة الخاوية من الروح ومصدر قوة وصمود الضحية.. والأمل في الخلاص بشحذ الذهن وتركيزه للقضاء على الشيطان كرمز للشر والطغيان . وتأملات مهدي /سلام الفكرية، سقوط الحمامة، خفايا النفس والعالم وأسرارها، والقسوة والعدوانية، وحالة التشبه بالجلاد والسؤال من أنا؟..
بل من نحن؟ …
ها قد عاد المهدي/ المخلص/ المنقذ/ الضحية .. لكن بصيغة ميلشيات تتحكم بالعباد وتنشر الموت من جديد!! …
متى نتخلصُ من الموتى الذين مازالوا يتحكمون بنا؟!!… ذلكم هو السؤال الكبير والمهم الذي تطرحه حكاية من النجف لحودي عبد محسن؟!!!..

صباح كنجي
منتصف اكتوبر2008
نشرت في الثقافة الجديدة عدد329-330 آذار2009
______

صدرت للكاتب..
1- الإله تموز /فيشون 2006
2- حورية أيشكو مجموعة قصصية/ فيشون عام 2006
3- المزمار/ رواية/ دار الكنوز الأدبية بيروت عام 2005
4- الدفان والغجرية/ رواية/ دار فيشون / السويد2007
5- تنبؤات كاساندرا / قصص قصيرة/دار فيشون2007
6- حكاية من النجف / دار فيشون/ السويد2008

*
ورد في نص الرواية عددا ًمن الكلمات والمراد فات المحلية النجفية التي استخدمها الكاتب لها جذور ودلالات في اللغة الكردية وددتُ تسجيلها لمن يهمه البحث والتقصي في تشابكات لغات الشعوب والقبائل والأجناس من بينها التكوينات العراقية التي تتداخل مرادفاتها اللغوية وتشترك بين عدد من القوميات..منها خرمش ص21، باي – باية الدرج ص13، أرض كوفان ص33، السدير، القربة، غرفة البرانى ، هشتي- المدخل الصغيرص12، الدولان – الدهليز- الزقاق الضيق، دنك- دعائم ص 14، باد كير- فتحة التهوية ص14، فحم خاكة – ناعم ص29 خاك هو التراب، اللكن ص29 المغسلة، دربجة – الباب الصغير، الباشورة- الحافة ص30، جاون – هاون، الطمّة – القيصرية، الإيوان ص50،