الرئيسية » مقالات » الفاشية الطائفية تهدد العراق والمنطقة بالدمار الشامل

الفاشية الطائفية تهدد العراق والمنطقة بالدمار الشامل

لست مبالغاً إذا وصفت الطائفية بالفاشية، لأن تعريف الفاشية ينطبق على أي تمييز بين البشر على أسس عنصرية، دينية، أو طائفية، بغض النظر عن موقف هذا الإنسان من الخير والشر. لأن هذه الانتماءات يرثها الإنسان بحكم الولادة وليس بحكم الاختيار بإرادته الحرة. وهكذا وجد الشعب العراقي نفسه مكوناً من تعددية عرقية ودينية ومذهبية، وهي ليست خياراً حراً أختاره العراقيون بأنفسهم وبملء إرادتهم، وإنما هي من نتاج التاريخ والجغرافية، وهي حقيقة يجب عليهم قبولها والتعايش معها وفق مبدأ حق الاختلاف والتعايش السلمي، تجمعهم الأخوة الإنسانية ووحدة الوطن.

والشعب العراقي هو ليس الشعب الوحيد الذي يتصف بهذه التعددية، فمعظم شعوب الأرض وجدت هكذا وتقبلت اختلافاتها، بل وحولتها إلى وسيلة من وسائل الوحدة الوطنية وفق مبدأ (الوحدة في التعددية Unity in diversity). فالشعب الصيني مثلاً، يتكون من 54 قومية، وفي الهند هناك عشرات الأديان والقوميات واللغات، كلها تعيش بسلام. فلماذا العراقيون وحدهم دون غيرهم، يحوِّلون التعددية إلى سلاح الدمار الشامل يستخدمونه للانتحار الجماعي؟ فهل يصح هذا السلوك بشعب الحضارات الذي ندعي أنه علَّم البشرية القراءة والكتابة… الخ؟ لا اعتقد من حقنا التبجح بتاريخ يعود إلى آلاف السنين، بينما نحن الآن أبعد ما نكون عن السلوك الحضاري الإنساني في التعامل مع التعددية. فالحضارة والثقافة سلوك قبل أي شيء آخر.

مناسبة هذه المقدمة هي الحملة المسعورة التي يشنها عدد من غلاة الطائفية الشيعة من أمثال صدر الدين القبانجي وجلال الدين الصغير في تأجيج الوضع وإشعال نيران الطائفية وكأن الشعب العراقي لم يكفه ما حصل له من قتل ودمار بسبب الفتنة الطائفية منذ سقوط الفاشية البعثية وإلى الآن.

لقد حاول الصديق الدكتور كاظم حبيب جلب انتباه المسؤولين العراقيين والرأي العام العراقي، إلى ما يجري الآن في العراق، من محاولات غلاة الطائفيين التدميرية، لتفادي الكارثة التي يمهد لها هذا الثنائي ومن لف لفهما من الذين استغلوا الديمقراطية وحرية التعبير، ومكانتهم الدينية والسياسية، لا للدعوة إلى لم الشمل والوحدة الوطنية، بل لتأجيج الصراع الطائفي وتمزيق الشعب الواحد، وصب الزيت على الحريق الطائفي المشتعل أصلاً .

ولنكون منصفين بحق شعبنا العراقي، فإن الغالبية العظمى منه ضد الطائفية، تريد أن تعيش بسلام، كما وضح ذلك في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة عندما حاول المرشحون الإسلاميون تجنب الترشيح تحت واجهات حزبية طائفية. وما تحقيق قائمة السيد المالكي تحت واجهة (دولة القانون) نجاحات باهرة في تلك الانتخابات إلا دليل على صحة ما نقول.

والمفارقة، أن هذا التحريض الطائفي لم يأت من أناس أميين أو قطاعات الشعب الواسعة من الفقراء المحرومين من نعمة الثقافة، بل يأتي من أولئك الذين يدعون العلم والمعرفة وامتلاك الحقيقة من مستغلي الدين لأغراضهم الشخصية، ولكن سلوكهم التخريبي هذا أثبت أنهم جهلة ومغرضون، يغلفون جهلهم بغشاء خفيف من ثقافتهم الدينية السطحية. وأكاد أجزم أن هؤلاء الأدعياء هم أبعد الناس عن روح الدين وفهمه. فالأديان هي شأن خاص بين الفرد والخالق، فالله سبحانه وتعالي يقول “لا إكراه في الدين” ويقول “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين” “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”. والإسلام هو أقرب إلى العلمانية مما يتصوره الجهلة، والنبي محمد هو الذي خاطب المسلمين بأنهم “أعرف بشؤون دنياهم”.

لذا فليس من حق القبانجي وأمثاله الذين يدعون امتلاك الحقيقة، أن يتدخلوا في شؤوني الدينية الخاصة، وإذا كنتُ مخطئاً أو مقصراً في أداء واجباتي الدينية، فالله وحده الذي سيحاسبني يوم الحساب. أما في هذه الدنيا فأنا ملزّم بتطبيق القوانين الوضعية التي شرعتها الدولة الزمنية (الدنيوية) وأعاقب في هذه الدنيا إذا خالفتها، لأن مخالفتي لهذه القوانين تشكل تهديداً للسلم الاجتماعي، وتجاوزاً على حقوق الآخرين. إن أشد ما يحتاجه الشعب العراقي الآن وهو يمر في أخطر مرحلة تاريخية عاصفة، هو رص الصف الوطني وتجنب أي شيء من شأنه أن يثير الخلاف والشقاق وبالأخص التأليب الطائفي.

لذلك أتفق مع الدكتور كاظم حبيب في قوله: “إن هذا التوجه الطائفي في خطاب القبانجي يحمل في طياته مسألة أخرى هي دعوة وقحة موجهة إلى إيران لمواصلة دعمها للحوزة الدينية والأحزاب والقوى الطائفية بمختلف أشكاله، ومنها المجلس الأعلى وجماعة مقتدى الصدر وبدر وممارسة الضغط على المالكي لتغيير تصريحاته بشأن المجتمع غير الطائفي في العراق ورفض المحاصصة الطائفية، وكذلك الدعوة للتعاون من أجل إزاحته عن الحكم. وهم يستفيدون من الخلاف القائم والقابل للحل بين السيدين المالكي والبارزاني بشأن العلاقة بين حكومتي المركز والإقليم لهذا الغرض أيضاً.”

لقد بدأ غلاة الطائفية منذ مدة حملتهم المسعورة ضد العلمانيين والديمقراطيين والليبراليين، بدعوى أن هذه القيم الحضارية هي ضد الدين. لقد تناسى هؤلاء عن عمد أن حرية الأديان مضمونة فقط في الدول الديمقراطية العلمانية، وليس في الدول الدينية. فأية حرية للمذاهب الإسلامية غير المذهب الوهابي في السعودية، ناهيك عن حرية أتباع الديانات الأخرى من غير المسلمين؟ وأية حرية لأهل السنة في جمهورية إيران الإسلامية الشيعية؟ بينما تتمتع جميع الأديان بجميع طوائفها بحريات واسعة في ممارسة طقوسها وشعائرها الدينية والمذهبية في البلدان الغربية الديمقراطية فقط وليس في غيرها.

إن رجال الدين الطائفيين من أمثال القبانجي الذين يستغلون خطب الجمعة للتحريض الطائفي واستحواذ الطائفة الشيعية بالسلطة، يحفرون قبورهم بأيديهم، فهم لا يسيئون إلى الشعب العراقي فحسب، بل ويسيؤون إلى الحوزة الدينية نفسها التي يدعون بالتحدث باسمها، ويسيؤون بالأخص إلى مكانة السيد السيستاني، لأن القبانجي يتحدث كممثل عن السيد.

وإنصافاً للرجل، فقد حاول السيد السيستاني منذ البداية أن ينأى بنفسه عن السياسة، وبالأخص عن الشأن العراقي، ولكن القادة السياسيين العراقيين بعد التحرير، هم الذين زجوا به، وراحوا يطرقون بابه، بمناسبة ودونها، فيستشيرونه في كل صغيرة وكبيرة، وكأنهم أطفال قاصرين غير قادرين على أخذ أي قرار دون مشورته، وغرضهم من ذلك هو استغلال مكانته الروحية في أوساط المؤمنين الشيعة، لإضفاء المصداقية والشرعية الدينية على قراراتهم تحت عباءة المرجع الديني. بل وراح البعض منهم يضع صور السيد السيستاني على شكل بوسترات في الحملات الانتخابية البرلمانية السابقة لخدع الناخبين بأن قائمته هي قائم المرجعية الدينية. بينما الرجل قالها بصراحة منذ البداية في رده على دعوة من الحاكم المدني لقوات التحالف، بول بريمر: “أنت أجنبي وأنا أجنبي فلماذا لا نترك الشأن العراقي للعراقيين”.

أكاد أجزم أن العِلَّة الرئيسية للأزمة العراقية المزمنة وعدم استقرار العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ولحد الآن هي التفرقة الطائفية والعرقية واستحواذ فئة واحدة على السلطة والنفوذ. وبعد طول المعاناة والصراعات الدموية انتبه العراقيون إلى تشخيص هذه العلة الرئيسية، وتوصلوا إلى قناعة أن الحل ليس بمواجهة الطائفية بطائفية مضادة كما يدعو لها القبانجي والصغير وأمثالهما، بل يكمن الحل في نبذ الطائفية والعرقية جملة وتفصيلاً، وبناء دولة المواطنة والديمقراطية. لذلك تحرك المستفيدون من الصراعات الطائفية بحالة هيستيرية مشبوبة لتأجيج الصراع وبعث الروح في هذه الآفة القاتلة.

إن تعددية مكونات الشعب العراقي لا تسمح لأية طائفة ومهما كان حجمها، وتحت أية ذريعة كانت، بالاستحواذ على السلطة لوحدها، فالعراق بلد متعدد القوميات والأديان والطوائف، ولا يستقر أمره ولا يزدهر اقتصاده إلا بمشاركة الجميع في حكمه وصنع قراراته، وهذا لا يتم إلا بتبني الديمقراطية الحقيقية، أي نبذ الطائفية والعرقية.

إن دعوة النائب الشيعي الشيخ جلال الدين الصغير، من المجلس الإسلامي الأعلى، برفض أي رئيس وزراء من خارج الإتلاف ولو كان شيعيا، هي دعوة صريحة يقصد بها رفض السيد نوري المالكي رئيساً ما لم يكن من كتلة الإئتلاف. إن مطالبته بإعادة الإئتلاف على أسس طائفية، لدليل واضح على طائفيته أولاً، وعدم استيعابه للخصوصية العراقية ثانياً، واعترافه الضمني بما ستفرزه الانتخابات البرلمانية القادمة من هزيمة ماحقة بمجلسه الأعلى كما حصل له في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة، لأن حزب فقد شعبيته ثالثاً. لذلك يطالب الصغير باستماتة بإعادة هذا الائتلاف لكي يحقق له الفوز من تحت معطف المالكي ويحافظ على ماء الوجه. ولذلك أشير على السيد نوري المالكي أن يرفض الإئتلاف مع المجلس الأعلى، لأن أي تحالف معه يكون سبباً لإبعاد الناخبين لا لجذبهم له.

كما وأهيب بالمسؤولين العراقيين، وعلى رأسهم السيد رئيس الجمهورية، والسيد رئيس الوزراء بلجم صدر الدين القبانجي وكل من يحاول إشعال الفتنة الطائفية، ومنع وسائل الإعلام من نقل خطاباتهم الطائفية اللامسؤولة. فتركهم على هواهم بإطلاق خطبهم الهوجاء هذه مخالف للدستور الذي يمنع الترويج للطائفية والعنصرية، كما ويهدد الأمن والاستقرار وينذر بشر مستطير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عنوان البريد الإلكتروني: Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com
الموقع الشخصي للكاتب: http://www.abdulkhaliqhussein.com/