الرئيسية » مقالات » هل تحمل خطبة القبانجي محاولة جادة لتبويش المالكي والمنجزات الأمنية؟

هل تحمل خطبة القبانجي محاولة جادة لتبويش المالكي والمنجزات الأمنية؟

حقق السيد نوري المالكي نجاحات مهمة في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة , إذ رشح أعضاء حزبه وكافة مؤيديه باسم قائمة “فرض سلطة القانون” وبعيداً عن اسم حزب الدعوة الإسلامية. ولم تأت تلك النجاحات بقدرة قادر أو عبثاً , بل تحققت له بفعل عدة عوامل أساسية أركز عليها , رغم وجود عوامل أخرى أيضاً, وهي:
1 . نزول أتباعه ومؤيدي سياسته في فرض القانون تحت قائمة غير قائمة حزب الدعوة, وهو تكتيك تأكد نجاحه لابتعاد الناس عن الحزبية الطائفية المذمومة.
2 . إعلانه المستمر عن رفضه للطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية وتأكيده على المواطنة العراقية, رغم عدم تخلصه من بعض المجموعة الطائفية الملتفة حوله حتى الآن.
3 . تحسن ملموس في الوضع الأمني رغم استمرار وجود ضحايا بشرية تسقط سائحة بدمائها على أيدي قوى الإرهاب والأعداء المناهضين للوضع الراهن والراغبين في منع الاستقرار, ومنها قوى القاعدة والبعث الصدامي وقوى ميليشيات طائفية نزعت أسلحتها ولكنها لا تزال تمارس الإرهاب المبطن لإشاعة الفوضى غير المنقطعة والتشكيك بقدرة الحكم على حماية الناس.
4 . ضرب المليشيات الطائفية المسلحة إلى حدود معينة, وخاصة في البصرة ومدينة الثورة ببغداد, وتركها تعمل سياسياً, رغم إدراكه بأنها توجه المليشيات المسلحة السابقة التي نزعت شكلياً أسلحتها, إذ أن بعض أهم أسلحتها مخبأ وبعضه الآخر يصل باستمرار, كما كشفت ذلك أجهزة وزارة الداخلية أخيراً والقادمة من إيران.
5 . شعور الناس بحريتها النسبية بسبب تراجع ضغط قوى الإسلام السياسي الطائفية والمليشيات المسلحة على حرية الأفراد وعلى تصرفاتهم الشخصية التي لا تؤذي أحدا, إضافة نراجع نسبي في تدخلها بشئون العائلات المباشرة.
6 . توقيعه على اتفاقية لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق في نهاية 2011/2012.
هذه النتائج المحدودة, ولكنها مهمة وطيبة وضرورية, أغاضت أبرز قوى الإسلام السياسية وحلفائها في إيران وحركتها باتجاه معارضة سياسات المالكي.
ولا بد من الإشارة أن هذه المنجزات تبقى هشة ما دامت الإجراءات السياسية لا تزال غير متحركة, كما في قضية العلاقة بين المركز والإقليم, إضافة إلى عدم وجود سياسة اقتصادية تساهم في تغيير تدريجي في الواقع الاقتصادي العراقي الراهن والابتعاد عن الاستثمار في الصناعة الوطنية وتحديث الزراعة وإغراق البلاد بالاستيراد السلعي. والسؤال هو: كيف تتم معارضة سياسة المالكي؟
القرار المتخذ, كما يبدو بوضوح كامل, هو تبويش هذه السياسة وتقويض أركانها المعلنة من جانب المالكي, وخاصة تحريك القوى الطائفية لمعارضة تصريحات ضد الطائفية السياسية والمحاصصة الطائفية من خلال شخصية دينية مثل صدر الدين القبانجي بصوته الطائفي المرتفع والمقيت أبداً, وبسبب قربه من الحوزة الدينية في النجف وتمثيله للسيد علي السيستاني. وبالتالي يبدو للناس وكأن المتحدث هو السيستاني ذاته. إن لم يتنكر لها السيستاني فهي تعبر عن رأيه ايضاً!
أين يفترض أن يبدأ مخطط التخريب من جانب القبانجي؟
نحن الآن أمام قضية جوهرية تمس المجتمع العراقي وشعوب وحكومات دول الجوار. فهي تمس عدداً من الأمور التي يفترض التفصيل النسبي بها لنرى مخاطرها على المجتمع العراقي. والنقاط التالية هي التي تفسر لنا وجهة عمل القبانجي ومن يقف خلفه ويسانده:
1. إن عليه مهمة تشديد الصراع والدفع به إلى نزاع سياسي أو حتى إلى نزاع مسلح داخل المجتمع العراقي. فهو حين يدعو إلى إقامة نظام إسلامي مذهبي شيعي في العراق, فهو بهذا يقف ضد المذهب الإسلامي السني أولاً, ويقف ضد كل القوى السياسية التي ترفض الطائفية من منطلقات ديمقراطية علمانية ومدنية ثانياً, ويقف ضد حكومة المالكي التي تتحدث يومياً عن نظام غير طائفي سياسي وضد المحاصصة الطائفية ثالثاً. إن مثل هذا المشروع الذي يطرحه القبانجي علناً هي دعوة صريحة للاحتراب الداخلي وتعبر عن إحباط في داخل هذه القوى الطائفية وليست عن قوة فعلية. إنه يدفع مجدداً, وإلى سطح الأحداث, النقاش البيزنطي المعهود الدجاجة أولاً أم البيضة, هل الصحابي أبو بكر الصديق الخليفة الأول , أم الصحابي علي بن أبي طالب هو الأول, والتاريخ يذكرنا بأن الإمام علي بن أبي طالب قد اقر بالخلافات الثلاث التي سبقته بغض النظر عن الأسباب التي دفعته إلى ذلك, ولكنها تعبر عن حصافة وحرص وثقة بالنفس وبحق الاختيار. فهل نجعل هذه المسألة نقطة خلاف وصراع مجدداً في العراق ليحترق الأخضر بسعر اليابس ونقود المجتمع إلى حرب أهلية ماحقة؟ إنها سياسة الجهل والتحريض المرفوض الذي يفترض أن يدان بقة وصرامة ومحاسبة.
2 . والقبانجي بهذا يثير جميع الدول العربية التي ترفض إقامة نظام طائفي في العراق والتي سعى السيد رئيس الوزراء إلى القول بأن العراق يرفض إقامة نظام سياسي طائفي في العراق ويرفض المحاصصة الطائفية. والقبانجي بهذا يعطي الحجة لتشديد الصراع ضد العراق والتأليب عليه وتقديم الدعم لمن يقف ضد الطائفية الشيعية في العراق من أتباع المذهب السني.
3 . إن هذه التصريحات تستبطن تحركاً قوياً من الحوزة الدينية الشيعية والأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية الطائفية, بسبب شعورها بالضعف والتراجع, إلى التعبئة واستقطاب المجتمع لصالح الانتخابات القادمة التي يراد لها أن تشطر المسلمين إلى معسكرين متصارعين ومتنازعين ومتحاربين شيعي وسني, وبهذا نعود إلى نقطة الصفر التي بدأ بها العراق بعد سقوط نظام البعث الدكتاتوري, والتي رفضها المجتمع بعد معاناة طويلة وقاسية.
4 . إن هذا التوجه الطائفي في خطاب القبانجي يحمل في طياته مسألة أخرى هي دعوة وقحة موجهة إلى إيران لمواصلة دعمها للحوزة الدينية والأحزاب والقوى الطائفية بمختلف أشكاله, ومنها المجلس الأعلى وجماعة مقتدى الصدر وبدر وممارسة الضغط على المالكي لتغيير تصريحاته بشأن المجتمع غير الطائفي في العراق ورفض المحاصصة الطائفية, وكذلك الدعوة للتعاون من أجل إزاحته عن الحكم. وهم يستفيدون من الخلاف القائم والقابل للحل بين السيدين المالكي والبارزاني بشأن العلاقة بين حكومتي المركز والإقليم لهذا الغرض أيضاً.
5 . يقول القبانجي بوقاحة بالغة متحدياً سلطة الدولة العراقية بأن المرجعية الدينية أو الحوزة الدينية حين تقول حول قضية ما “لا” فالناس كلها تقول “لا”, وإذا قالت “نعم” كل الناس تقول “نعم”. إن هذا هو أكبر تحدي تواجهه سلطة الدولة والحكومة والدستور والقانون, إنها محاولة جادة وخبيثة لوضع الرجل فوق الدستور والدولة والقانون وضد إرادة الأفراد الحرة وكأنهم قطيع من الغنم لا غير يقادون من الحوزة الدينية دون أي احترام لإرادة البشر وشخصياتهم المستقلة , من أجل تبويش وإفراغ دولة القانون من أي محتوى يراد تحقيقه وتحويلها إلى دولة مذهبية طائفية بائسة تأتمر بأوامر المرجعية الدينية الشيعية , وهي مرجعية طائفية بأجلى معاني الطائفية السياسية. وهي محاولة كثيفة للضغط على المالكي ليبتعد عن تصريحاته التي ترفض الطائفية, فأقوال القبانجي تنفث سماً قاتلاً لقوى المجتمع وتنبعث منها رائحة قيح مثير للتقزز والكراهية والحقد, إنها الطائفية المقيتة, التي تؤمن وتعمل على أساس التمييز بين المواطنين بسبب اختلافهم الديني والمذهبي, وهي تحمل كراهية لكل الأديان والمذاهب الأخرى.
وتصريحات القبانجي دعوة صريحة وشرسة لكل الشيعة للمبارزة مع كل قوى السنة على السلطة, أي نسف كل الجهود التي بذلت خلال السنوات الستة المنصرمة من أجل تقريب وجهات النظر والتفاعل المتبادل لإبعاد الحكم عن الطائفية السياسية, في حين يسعى القبانجي لا إلى تكريسها فحسب, بل وإلى جعل الطائفية السياسية معياراً للحكم في العراق.
لقد حان الوقت لتدرك قوى المجتمع السليمة التي ترفض الطائفية السياسية بغض النظر عن دياناتها ومذاهبها الدينية واتجاهاتها الفكرية وبرامجها السياسية الوطنية بأن المجتمع لا يمكن أن يتعايش مع الطائفية السياسية لأنها مدمرة وعليه أن يرفض أي تدخل للمؤسسة الدينية في الحياة السياسية وفي تسيير سلطة الدولة, لقد آن الأوان لكي يفكر كل مواطنة ومواطنة المستنقع النتن الذي يريد القبانجي ومن لفّ لفّه دفع العراق وشعب العراق إليه. إنها الحرب الأهلية التي فشل مجرمو القاعدة وقوى البعث ورأسها العفن عزة الدوري, الذي أصبح يطلق على نفسه لقب المعتز بالله, وكأن الدرويش عزة الدوري أصبح خليفة الله في أرضه كما في توقيعه لرسالته الموجهة على تايه عبد الكريم, وبعض القوى القومية اليمينية والطائفيين الآخرين, في إشعالها, يريد الآن القبانجي إشعالها بطريقة لا تخدم إلا القوى المناهضة للعراق, سواء أكانت إيران أم سوريا أم غيرها من الدول.
إن المطلوب من السيد رئيس الوزراء إدانة هذه التصريحات والمطالبة بمحاسبته لأنه يدفع باتجاه إثارة الأحقاد والكراهية والحرب الأهلية في العراق. إنه سينشَّط الصراع المذهبي من على منابر المساجد, تماماً كما كان يحصل في فترة الصراع العثماني الفارسي في العراق, ويحوله على الشارع . وهي مخاطر جدية على الوحدة الوطنية العراقية وعلى مستقبل العراق.
29/5/2009 كاظم حبيب