الرئيسية » مقالات » مزايا و محدودية الديمقراطية الكويتية

مزايا و محدودية الديمقراطية الكويتية

لم ينقطع الاحتفاء بعد بنتائج الانتخابات الكويتية الأخيرة , فبينما بدا أن كل شيء قد أخذ يعاند المنظرين الليبراليين العرب و عرابيهم السياسيين لا سيما مع اختفاء المحافظين الجدد المفاجئ و مع وقع الأزمة المالية و الاقتصادية العالمية سواء على شرعية و جدوى السياسات النيو ليبرالية أو على الواقع المعاشي و الاقتصادي للناس و مزاجهم تجاه الأنظمة القائمة , جاءت الانتخابات الكويتية لتشكل تغييرا في المشهد , ليس فقط لأنها جرت في بقعة ترفض السلطات القائمة فيها حتى الأشكال الشكلية الفارغة من المشاركة أو المحاسبة الشعبية , بل بسبب نتائجها التي شهدت تراجعا للإسلاميين و انتخاب أول دفعة من النساء الكويتيات لمجلس الأمة , هذه النتائج التي خالفت صعود الإسلاميين في الانتخابات المصرية و الفلسطينية و حتى الكويتية السابقة , لكن يجب علينا هنا ألا ننخدع بالظاهر , فالليبرالية كأي شيء في هذا العالم هي فكر أو ممارسة تتغير دون توقف , فالكويتيون و معهم الخليجيون أصبحوا بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990 ليبراليين بالإكراه , بمعنى أنهم أصبحوا يرون في التفوق الأمريكي و الغربي العالمي و الإقليمي الحامي الحقيقي لمستوى الحياة التي يعيشونها من مطامع جيرانهم خاصة الأقوياء منهم , و قد أصبح مثال إسقاط نظام صدام على يد المحافظين الجدد بتحريض و تمويل خليجي هام هو المثال النموذج للتعامل مع صعود قوى إقليمية غير مرتبطة بالمشروع الأمريكي الإسرائيلي أو منافسة له كإيران اليوم مثلا , هذه بالنسبة للخليجيين قضية وجودية , هكذا تفسر الليبرالية على أنها تبعية غير مقيدة بل و ارتباط وجودي بالنفوذ الأمريكي الحاسم , هنا تتعرض الليبرالية لتشويه مضاعف , فعدا عن أنها قد أصبحت غربيا حاملة لمطامع و مطامح الشركات متعددة الجنسيات وريثة الرأسمالية التنافسية التي استخدمت الليبرالية ذات يوم لمهاجمة سيطرة الأرستقراطية و الكنيسة لتؤسس لسيطرتها هي , أصبحت عربيا و في الشرق عموما محاولة للتعبير عن انتماء للعالم الغربي كنقيض لهوية المنطقة الحضارية أو العقيدية يشترطه في الخليج مستوى الحياة المرتفع و عند الموارنة اللبنانيين مثلا انتمائهم الديني و ذات الشيء بالنسبة لليهود في إسرائيل , لقد عملت المارونية السياسية على تكريس فكرة أن الماروني ينتمي إلى الغرب لأنه مسيحي كاثوليكي و حولت تلك الهوية الغربية الموطنة محليا إلى مجرد حالة شكلانية تكرس هوية قبلية أو طائفية لا تختلف عن الهويات الطائفية أو الدينية المضادة إلا في الشكل بينما تتطابق معها بالمضمون , اليهود في إسرائيل أيضا قادتهم الدعاية الصهيونية ليعتبروا أنفسهم جزءا عضويا من ذلك الغرب رغم تاريخ الاضطهاد والإقصاء و حتى المجازر الطويل مع الغرب , و اعتبار أن مصيرهم نفسه يتوقف على وجود قوة استعمارية خارجية متفوقة و مهيمنة , الليبرالية هنا تنحط إلى شكل مذهبي أو طائفي الذي يعني أو يمكن اعتباره حالة قبلية أو عشائرية عقيدية , و الذي يعادي الأشكال الأخرى العشائرية من الفكر أو العقائد العشائرية الطابع المعارضة أو المعادية , أي تلك المجموعات القومية أو الدينية أو الطائفية التي تعتبر نخبها الحداثة أو أية مراجعة للتعريف الأصولي للهوية مهما بلغت من تفاهة تهديدا وجوديا لها , لذلك نجد أن الديمقراطية الكويتية قامت على شرط أساسي لا يمكن إعادة استنساخه في أي مكان آخر : و هو التسوية التاريخية بين السلطة القائمة لآل الصباح و التي احتفظت بالعرف السلطوي الذي يعتبر الحاكم مالكا للبلد و كل خيراته و بين الأرستقراطية القبلية و العشائرية و القوى المالية المرتبطة بها غالبا و التي مثلت منافسا تاريخيا لأسرة الصباح الحاكمة و لسيطرتها المطلقة على موارد الكويت خاصة النفط و التي فرضت شكلا مختلفا لحكم آل الصباح أو لمصدر شرعيته و هو شكل تمثيلي ديمقراطي تلعب فيه تلك الأرستقراطية دور الشريك الصغر لكن القادر على إزعاج السلطة منذ وقت مبكر يعود لثلاثينيات القرن العشرين , تمت هذه التسوية التاريخية بعد غزو نظام صدام للكويت و التي سبقها تعطيل السلطة للعمل البرلماني لفترة طويلة بمعنى استبعاد تلك الأرستقراطية عن أية مشاركة فعلية بعيدا عن إرادة و قصر و دواوين الحاكم , و قد فرض هذا الواقع تطور الأرستقراطية القبلية الكويتية و المراكز المالية المبكر و الدور المحدود جدا للمؤسسة الدينية في تشكيل الدولة أو في بنيتها كما في السعودية مثلا , بعد التسوية التاريخية تحول النيباري و الربعي مثلا إلى دعم الحكومة التي تعبر عن سيطرة آل الصباح بل و حتى إلى المشاركة فيها , هناك شرط أساسي سمح لهذه التسوية و هو الوفرة المالية التي جعلت رشوة الأرستقراطية العشائرية ممكنة و حتى توفير مستوى حياتي عالي للناس العاديين لا يمكن توفيره في أي دولة أخرى لا تملك صناعة متقدمة أو لا تنتمي أساسا للعالم المتقدم صناعيا , مرة أخرى لعب غزو نظام صدام للكويت دورا حاسما في تنبيه الكويتيين , خاصة الأرستقراطية العشائرية , إلى الخطر الوجودي للأنظمة القوية المجاورة , هذا “الوعي” الذي نراه ظاهرة مميزة لكل المجموعات اليوم ولا يقتصر فقط على الأقليات القومية أو الدينية و الذي هو من جهة نتاج حالة موضوعية هي بداية صيرورة عملية تغيير حالة الركود السابقة و هي عملية ضرورية استنادا لأزمات حالة الركود السابقة و من جهة نتاج واعي إرادوي لقوى تريد الإبقاء أو الاحتفاظ بسيطرتها على الجماهير و على الواقع سواء المركز الرأسمالي الغربي أو النخب المهيمنة محليا , لقد لعب الإسلاميون مؤخرا في الكويت كما في كل مكان آخر دور المشاغب الأساسي على السيطرة المطلقة للأنظمة القائمة , و من المؤسف أن نتائج الانتخابات الكويتية الأخيرة مثلت استبعادا لتلك الأصوات المشاغبة على الفساد المستشري في السلطة لصالح مجلس أكثر رضوخا و قد كان هذا قرار واع للأرستقراطية العشائرية التي قررت سحب دعم القبائل للإسلاميين و منحه للموالين للحكومة , و هذا لأن من يسمون أنفسهم بالليبراليين العرب انتهوا , أو ولدوا , كجزء من ماكينة السلطة القائمة , محليا أو عالميا , و معركتهم هي معركة بقاء هذه القوى محتفظة بهيمنتها سواء ضد القوى المنافسة الداخلية أو الإقليمية أو ضد احتمالات التغيير الشعبية…….