الغجر

الصحراء صارت مرةً اخرى موطن حزني الازلي ، منذ داحس والغبراء ، منذ تفاخرت بقطاع طرقها وهم يغيرون على قوافل المارة ، مذ تفاخرت برملها الذي لاينبت زرعا ، منذ ان صنع الطغاة سجونهم في اطرافها ، ضقت منها ذرعا ، ما احببت الصحراء لكنها هذه المرة وفي هذا الزمن كانت قدري ، سَبحتُ في رمالها فالوقت عصراً ، الشمس رحلت باتجاه الافق ، لكن خيوطها الذهبية مازالت تلهب وجوهنا مثل ضربات الكرابيج بأيدي الجلادين المسعورين ، خلت الايام الثلاث الماضية من أي اثرٍ للحياة سوى بضعة طيور ربما خرجت عن اسرابها ، مثلما خرجنا نحن عن اسرابنا المتجهة نحو الموت والضياع .
تشق الفضاء في فترات متباعدة بضعة طائرات بعيدة نظلُ نَرقبها حتى تتماهى مع زرقة السماء فتعجز عيوننا من تتبعها ، كنا نتمنى لو نقفز مثل سوبرمانات كي نتعلق بها لنذهب بعيداً عن هذه الصحراء الموحشة ، فالليل في هذه الصحراء أصعب من زنزانات الموت دون كرابيج الجلادين ، فلاغطاء نتدثر به من البرد الذي يهاجمنا في الليل دون رحمة ، كيف نهرب منه فلا شجرة ولازرع ولاجدار او قنطرة ننام تحتها ، كنا نسمع صوت الذئاب لكننا لم نخشاها فهي لم تخيفنا مثلما كانت ترعبنا الذئاب البشرية التي تنتظر ان نقع في شراكها ، الماء يوشك على النفاذ رغم بخلنا على انفسنا في شربه ، النهار افضل فهو يجدد الامل بالحياة ، نستطيع ان نتلمس دربنا وان نرى خارطة الافق المجهولة ، كنا نحاول ان نعبر مساحة الافق الممتدة باقدامنا المتوثبة نحو الحياة ، لم نكن نبالي بأفاعي الصحراء ولاعقاربها ، ففي النهار ترتفع درجة الحرارة بنفس الحدة التي تزداد فيها برودة الليل ، كل المخلوقات في الصحراء لاتخيفنا ولاتقلقنا ، حين يهد التعب اجسادنا النحيلة نستريح على الرمل الذي بدا مثل فراش ناعم نستلقي عليه دون خوف ، وفجاةً ظهرت نقط سوداء في الافق ربما هي مجموعة بيوت من الشعر اوقطيع من الاغنام .
إتجهتُ صوب إحدى الخيمات واختار رفيقي في المسير بيتاً أخر ، بعد قرابة ساعة كنتُ داخل خيمة مصنوعة من شعر الماعز الاسود ، فُرِشَتْ أرضها بالبسط الحمراء الزاهية ، ألقيتُ بجسدي المتعب على فراش الصوف ، رَحَبَتْ بي المرأة العجوز صاحبة البيت وأحْضَرتْ طاسة ماء شَرَبْتُها بسرعة ثم جَلَبَتْ الطعام ، كان صحناً من بيض مقلي مع لبن وخبز رقيق ، أكَلْتُ بشراهة ثم ألقَيْتُ برأسي على مخدة الصوف ، فغرقتُ في نوم عميق ، وأستيقظتُ على صوت العجوز وهي تهزُ كتفي بشدة وتطلب مني النهوض ، سمعتُ غناءً انثوياً وايقاع طبلٍ يرافق الغناء ، أصابني ذهول لم افهم مايحدث ، كان هناك رجلاً يجلس قُبالَتي يرتدي دشداشة بيضاء وعِقالاً ، وُضِعَتْ أمَامهُ صينية إمتلأتْ بالمُكَسَّرات ، بدا رجلاً ذو شأن ومُحتفى به ، راحت إحدى الفتيات ترقص على ايقاع الطبل وتتمايل بجسدها النحيل أمَامهُ حتى يَكاد أن يُلامس رأسها عمود المهباج قرب دلال القهوة الموضوعة في المنقلة المذهبة المزركشة بخيوط فضية رسمت على جدرانها وردات زاهية انعكس عليها ضوء اللوكس الموضوع على طاولة مربعة مرصعة بالمينا والاصداف البحرية ، وراح هو يُكَسِّـر بأسنانهِ حبات الفستق وينظر اليها بعيون ذئبية ترغب بإلتهامها كلما ارتشف جرعة من الشراب الذي وُضَِعَ أمَامَهُ ، وجلست فتاتين على جنبيه ، القت كلاهما برأسها على كتفه ، فَركتُ عيناي ، لا ادري هل عَرجْتُ الى التاريخ ام اني مازلتُ أغرقُ في أحلامي ، إنتبهتُ الى الرجل الاسمر الذي يضرب على الطبلة ، بشواربه المفتولة ، بدا مثل دمية متحركة بعيون باردة خالية من الحياة ، يوزع على ضيف السهرة ابتسامات زائفة ، اما انا فكنت ضيفاً ثقيلاً وغير مرغوب بوجوده ، خرجتُ من الخيمة ، كانت السماء صافية امتلأت بالنجوم ، وكان الافقُ واسعاً ، أحاطتْ بي النجوم من كل الجهات حتى شعرتُ وكاني اسبحُ وسطها ، اخذتُ شهيقاً عميقاً ثم اطلقتُ زفيراً وتنهيدةً عميقة ، لماذا تسوقني الاقدار هكذا ؟ هل اقدر ان أبقى بعيداً عن عالم الذئاب البشرية ، هل سأعيش حياةً خاليةً من الخوف والذل والمهانة ؟ الصحراء لم ترحمني ، كذلك تلك الفتيات لم ترحمهن الصحراء ، فهن يتحولنَ الى جواري في الليل ، لكن الصحراء كانت اقل قسوة من الجلادين الذين ينتظرون وقوعي في شباكهم ، كنتُ اخشى من وشاية احدهم ، فكثيراً ما رأيت في نومي جنوداً يقفون فوق رؤوسنا يصوبون بنادقهم نحونا ويأمروننا بالوقوف .
بعد ثلاثة ايام سألتني العجوز الذي الذي كان وجهها غابة من الوشم الازرق ، ان كنتُ أجيدُ الغناء ثم اردفت قائلة
– انا احب سيدكم وكم تمنيت ان ازوره في قصوره واهديه احدى فتياتي الجميلات ، فهو رجل شجاع وكريم ثم تابعت كلامها ، انتم تمتلكون اصواتاً جميلة واغانيكم حلوة ، غني وعش معنا .
– شكراً لارغبة لي في الغناء ، لابد لي من الرحيل ، فقط اعطيني خبزاً وماء هكذا اجبتها .
لن اغني في هذه الاجواء الخانقة الضاغطة على روحي ، ولارغبة عندي في البقاء في هذا البيت رغم بهائه ونعومة فرشه وطيب طعامه لابد من الرحيل ، وكم كنت خائفاً من الرحيل ومذعوراً ، ومتمنياً من اعماق روحي المتعبة ، ان اتمسك بأوتاد الخيمة ، ان التصق بالبسط الحمراء الممدودة ، لن ارى بعد اليوم صينية الفطور الحبلى بالصحون العامرة ، لن اذوق الطعام المطبوخ بالسمن العربي ، سأفترش الرمال والتحف السماء واواجه قدري لكني سأسعى الى حياة افضل تتوق لها روحي .
ابتدأتُ السير من جديد ، كانت الصحراء واسعة امامي ، لا ادري هل سأجد ملاذاً اخر ؟ ام ستلتهمني الصحراء ؟ راحت قدماي تنغرز في الرمال ، الوقت هو ساعات الصباح الاولى ، الشمس في هذه الساعات طيبة وحنونة تبعث باشعتها المتكاسلة ، فهي لازالت غافية لم تستيقظ بعد ، ساسرع الخطى لكن ليس قبل ان اسأل عن رفيقي الموجود في احد البيوت الاخرى ، الجميع أنكروا رؤيته ، دارت الارض بي ، اصبحت مثل زوبعة رملية تدور حول نفسها ، اللون الاصفر اصابني بالغثيان ، اصبحت وحيداً في هذه الصحراء اللعينة ، سأسير وحدي دون رفيق يخفف وحشة دربي ، اين صاحبي ؟ بقيت عدة ايام ادور متسكعاً حول البيوت وأبحث عنه دون جدوى ، انتظره كل يوم على التلة حتى المساء ، ارقب البيوت من بعيد ، علَّني اراهُ مرةً اخرى ، وحين زجرني احد الرجال وطلب مني الابتعاد عن البيوت ، رحتُ اغذُ السير نحو الغرب وانا التفتُ نحو البيوت التي بدأتْ تختفي في الافق ، فيما راحتْ الدموع تغسل وجهي حزناً على صاحبي الذي افتقدتهُ في هذه الصحراء اللعينة ، فيما رحتُ أُغني غناءاً هستيرياً اشبه بالبكاء .