الرئيسية » شؤون كوردستانية » موصل من غير اكراد.. شوفينية محسنة

موصل من غير اكراد.. شوفينية محسنة

ازمة مجلس محافظة الموصل، وتداعياتها، طرحت الفكرة الشوفينية في ابسط تعريف مدرسي لها على الوجه التالي: ابناء القومية الصغيرة(الثانية في البلاد) مواطنون من الدرجة الثانية. غير مؤهلين للمشاركة بالحكم. موضع ريبة. متآمرون. والتفاصيل تتضمن، في الموقف من اكراد الموصل، الكثير مما يدخل في الكراهية القومية واثارة نزعات وغرائز الانتقام والتاليب، حتى ان البعض من التصريحات (في الموصل وفي غيرها)ذهبت، بصفاقة، الى الدعوة للانتقام من الشعب الكردي “باثر رجعي” لجهة دوره في اسقاط نظام الدكتاتورية، والبعض فتح ملف”جرائم التمرد الكردي ضد الدولة
العراقية” والى الحديث عن خطأ فكرة التفاوض مع الاكراد، بوصفهم غير مؤتمنين على الوعود والاتفاقات.
وهكذا بلغ غبار الحساسية السياسية حيال الاكراد وممثليهم في مجلس محافظة الموصل، مبلغ المشروع السياسي الشوفيني على مستوى البلاد، وعلى مستوى التاريخ ايضا، بخاصة حين بدأ ترويج الوصفة الموصلية (البعض يبدي اعجابه بها) باقصاء الاكراد من خلال دعوات صريحة باقامة عراق جديد لا يشاركون في سلطته، او العودة الى الصيغة الصدامية البغيضة باذلال او شراء اكراد وتنصيبهم في مواقع حكومية شكلية، وإظهارهم على واجهات التلفزيون بين حين وآخر عندما يحتاج النظام الى الرد على الاحتجاجات الدولية ضد ابادة الاكراد، والى نوع من الدعاية عن “الجنة” التي يرفل
فيها الاكراد العراقيون.
هذه الوقفة لا تشغل نفسها في تفاصيل الخلافات بين ممثلي مكونات مجلس محافظة الموصل، ولا في قضية المناطق والقصبات المتنازع عليها، لأن تلك وهذه (بل واعقد القضايا المستعصية) يمكن العثور على حلول وسبل لمعالجتها، او لتهدئة الخواطر منها(وقد يتم التوصل الى حل ما بصدد الموصل) إنما المشكلة تتمثل في ما ظهر من نزوع سياسي تدميري خطير، ابتدأ من بروفة الموصل ويمتد الآن، كحريق الى مناطق اخرى، ليمس هيكلية العراق كدولة من قوميتين رئيستين، تتآخى فيها قوميات اخرى، ويقوم هذا المشروع فوق معادلة جهنمية استئصالية تقول: الاكثرية العربية في الموصل من
حقها ان تحكم المحافظة، وفق قواعد الانتخاب والاحصاء ، ثم، الاغلبية العربية في العراق من حقها ان تحكم البلاد بحسب ذات القواعد.. وتلك هي الديمقراطية “وما توعدون”.
في التفاصيل يجري التعبير عن التعاطف(والاعجاب والترويج) في محافل وكتابات وفي ما بين السطور فضلا عن بيانات هيئة علماء المسلمين مع وجاهة موقف الاكثرية في مجلس محافظة الموصل، ويجري توظيف خلافات حول قانون النفط والغاز وصلاحيات المركز والاقاليم وقضايا الميزانية وحراسة الحدود في الحملة التي تتجاوز الامر الى صفقات ولي ذراع واعادة حسابات والبحث في اقصاء او تحجيم الرقم الكردي في المعادلة السياسية، وينخرط في هذه اللعبة الخطيرة (او يتفرج عليها) مشاركون في العهد، وغيرهم.
لكن النزعة الشوفينية هذه لا تاخذ صفة المشروع إلا بمقدماتها (الصدامية) المعروفة باستخدام سياسة الحصار والاذلال والبطش والاخضاع بالقوة والقصف الكيمياوي والانفال، لتتكامل عند شعار محوري: بقوة السلاح او بالديمقراطية، على الاكراد ان يقبلوا مصيرهم كجالية في العراق، او كشعب تابع.. حتى إشعار آخر.

**
صحيح ان اكراد العراق، في علوم الاحصاء، لا يزيدون عن ربع سكان العراق، وفي حساب صناديق الاقتراع اقلية، بالمقارنة مع الاكثرية العربية، لكن الاكراد(هكذا ينبغي النظر اليهم) القومية الثانية في العراق، وهم شعب عريق، له وطن وثقافة ولغة وحضارة وبصمة عميقة في التاريخ العراقي المعاصر، فلا يصح(بل من الخطورة واللامسؤولية) النظر اليهم من زاوية نسبتهم العددية في لعبة الاكثرية والاقلية، بل من الزاوية الاكثر مساسا بمصير العراق كدولة موحدة، وبالضبط، من حقيقة الدور الذي لعبه الاكراد والحركة القومية الكردية في العراق في صناعة حاضر العراق
السياسي، ومن الحقيقة الاكثر اهمية كونهم جزء عضوي من مستقبل العراق الجديد.
والآن، ينبغي التحذير من ان اصحاب هذا المنطق.. منطق الاكثرية العربية التي يجب ان تستفرد بالحكم، وللاكراد خيار الاقلية بالاستسلام لمشيئة الصناديق(بروفة الموصل-النجيفي) انهم – على نحو ما- يدفعون الشعب الكردي(اذا ما جرّوا قوى سياسية متنفذة الى منطقهم) نحو البحث المشروع عن شكل من اشكال الادارة يضمن له حق تقرير المصير ويمنع محاولات إذلاله وصهره وسلب مكتسبات كفاح مرير وباهض التكاليف خاضه لاكثر من خمسين سنة.
مرة اخرى، يبدو ان المطلوب من اولئك الذين ينظرون بواقعية ومسؤولية وإنصاف الى الحالة الكردية في العراق(وازعم اني واحد منهم) ان يميزوا بين الحقوق الثابتة والمشروعة للشعب الكردي وبين السياسات التي تدير هذه الحقوق، وهي عندي سياسات قد تخطئ وتصيب في هذا المفصل او ذاك من مجريات الصراع والتعاطي مع التطورات والاستحقاقات السياسية العراقية والكردستانية، والموضوعية تفرض القول(اولا) ان لهذه السياسات الكثير من العيوب والاخفاقات التي مهدت (من بين عوامل اخرى) الى نمو الحساسيات العربية(الشوفينية)ضد المصالح الكردية في العراق، فوق انها(ثانيا)
نجحت في ادارة وبناء الموقف الكردي الموحد من الاستحقاقات السياسية الجديدة، وفي التاثير على الحراك السياسي لمرحلة ما بعد الدكتاتورية، وايضا في كسب بعض القوى(او تبصيرها) على الساحة الاقليمية العربية.
على ان الذين يتابعون اتجاهات الرأي العام العراقي في امتداه العربي، ويحللون عناصر الوعي وردود الافعال المحلية، يرصدون حمية لافتة لبعض الفئات السياسية الدينية والقومية والمتنفذة نحو تبشيع نيات الاكراد من بناء دولة عراقية قوية ومن استحقاقات الشراكة بالوطن الواحد، وحمية اكثر في نفخ بعض العثرات الاعلامية والتعبوية الكردية، وتجد هذه الحملة مفردات لها في محاولات تعريض وتشويه منهجية خلال ندوات ومؤتمرات ومحافل ومساجد وكواليس يتولى فيها دعاة وساسة ومشايخ مهمة إثارة غرائز الكراهية القومية وتوظيف الخلافات السياسية (ملف النفط.
الفيدرالية. كركوك. المناطق المتنازع عليها. الدستور) في شحن اجواء الريبة السياسية حيال الاكراد، ومنها، الى المشروع الاكثر خطورة وشوفينية: حكم عراقي جديد(للاكثرية) من غير اكراد.
بعذلك فان الحل القومي العربي الإخضاعي لمشكلة الاكراد في العراق (منذ استعانة عبدالسلام عارف بقوات مصرية) فشل في اطفاء هذه المشكلة وتسويتها بالارض، كما فشل في تقديم صيغة(حتى شكلية) تتعايش فيها المكونات الاثنية الوطنية بسلام، اما الحل الشوفيني فهو باختصار وصفة للحرب الاهلية، المريرة والمدمرة، وينبغي استعجال القول هنا بان ثمة خيط رفيع بين النظرة القومية العربية الاخضاعية وهوس الشوفينية، هو الفرق بين ان تسوم الضحية العذاب والاذلال حتى تستسلم وبين أن تتخلص منها باقرب حفرة.. هو، بالضبط، الفرق بين الاذلال الجماعي والابادة
الجماعية.
وقد ترجم صدام حسين الحل الشوفيني الى سلسلة من الحروب المديدة المتوحشة والعبثية، انتهت في احد فصولها الدراماتيكية المخزية الى رشوة شاه ايران بشط العرب مقابل المساعدة في كسر شوكة العصيان الكردي المسلح، لكن الدرس الاخر الاكثر اهمية في هذه الحقائق يتمثل في ان الردع القومي العربي المفرط في وحشيته وقسوته يخلق (وقد خلق فعلا) تيارا كرديا متشددا، يكفر بالاخاء القومي، وبجدوى الشراكة في وطن واحد، وقد عبرت هذه الحقيقة عن نفسها في اشكال عديدة، عرفتها ورصدتها المجسات والدراسات السياسية والفكرية الكردية، فيما تجاهلت النظر اليها بصائر
القوميين العرب وزملائهم الجدد.
المشكلة ان فرسان الحل القومي والشوفيني، ينتجون الان جيلا جديدا، محسنا، يبدأ مما يطرحه اصحاب “صيغة نينوى” العربية من لزوم ان يبقى الاكراد مواطنين من الدرجة الثانية وعليهم اعلان”الولاء” شرطا للحصول على الشفقة او فتات المناصب، كما يبدا من انتقاء اكراد موالين كديكور سياسي إعلاني في محاولة لاحياء مثال (طه محيي الدين) في نظام الدكتاتورية. لكن الجديد في الامر هو انضمام شرائح دينية ومليشوية جامحة (ومتشظون من اليسار) الى هذه الصيغة، الامر الذي يضيف تعقيدا جديدا في طريق بناء دولة اتحادية في العراق بوصفها الحل لمشكلة الاكراد، على هدى
تجارب دول اتحادية كثيرة في العالم.
على ان ثمة القليل مِن هذا المعسكر مَن يعي نتائج التاليب والعسف والانكار ضد الاكراد، واحسب ان ثمة القليل من يتملى، بمسؤولية، دروس الحروب الاهلية في ما يسمى دول العالم الثالث، واخص منها بالذكر انفجار الاحتقان المتراكم في اقليم دارفور السوداني بين شريحتين من شعب مسلم واحد، واحدة عربية متنفذة، واخرى افريقية مهمشة، كما يشار بهذا الصدد الى تجربة وحدة شطري اليمن قبل ما يزيد على عقد ونصف من السنين، إذ استخدمت الفئة الحاكمة سياسة اذلال وتمييز منهجية ضد سكان جنوب اليمن ودفعهم الى خانة مواطنين من الدرجة الثانية، فيما تندلع منذ حين حركة
جامحة ترتد الى الانفصال والانقلاب على الوحدة ولم تستطع حملات التأديب ان تعيد السكان (وهم يمنيون ومن نفس القومية) الى بيت الطاعة.
على ان بيت الطاعة لم يكن غير عنوان مهذب لسياسات الصهر القومي المحرمة دوليا.. ولنا منه، في العراق، بقايا وذكريات وفرسان جدد.
ـــــــــــــــــ
كلام مفيد:
“من عاش بوجهين مات لا وجه له”.
قول ماثور