الرئيسية » مقالات » مسبحة حسن خريشة … ومسبحة غرامشي

مسبحة حسن خريشة … ومسبحة غرامشي

كثيرون أولئك الذين يودون تمرير سلعهم “الفلسطينية” تحت راية “الشرعية”، انطلاقاً من نتائج انتخابات المجلس التشريعي 2006، منهم مَنْ تتسم مواقفهم بعدم الوضوح (انتهازية) الذي يجلب أذىً كبيراً لعملية تأسيس النظام السياسي الفلسطيني وإخراجه من مأزقه؛ على أسس ديمقراطية حقة.
جميع هؤلاء بأنواعهم ومنابتهم ودرجاتهم وعقائدهم، يمرون أمامنا بكلماتهم على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية، بعضهم يعمل بتخطيطٍ واعٍ بالإساءة للمصلحة الوطنية العليا ولموضوع وطني بامتياز، لمصلحة ما أو ارتباط ما، يساهمون بوضع المجتمع الفلسطيني “تحت الحراسة الداخلية” وإرساله مخفوراً إلى الحصار الصهيوني، والخلاصة فِهم متخلف وضيق لمفهوم الديمقراطية والحرية ومعها الاستقلال وتقرير المصير.
أمامنا وبشكل رئيسي في هذه المقالة؛ وعلى هذا المنبت السيد حسن خريشة (فتح سابقاً، فتح أبو نضال المجلس الثوري، نجح على قائمة حماس في الدوائر 2006) في حواره مع “وكالة فلسطين اليوم الإخبارية”، و “الشيطان له إصبع في كل فطيرة”، فهو يندد بحكومة سلام فياض الراهنة، و”أنها فقدت شرعيتها منذ اللحظة الأولى، وأن الفصائل المنضوبة تحتها لا تمثل إلا أقل من 3%، وبالتالي لا تعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني في داخل الضفة الغربية وقطاع غزة”.
ما شاء الله ! فالسيد خريشة يرتل تعويذته على “حبات مسبحة غرامشي” الحداثية، ولكن بطقوس مغرقة في الجهل والقِدَم، وأن يظل ـ رغم هذا ـ مفرطاً في “حداثيته”، يرطن بما قرأه في حكومة سلام فياض الراهنة. فثمة انتهازية في الأمر، فهو يريد أن يساير “العُرْف” وقيمه المهيمنة المستجلية معه بالانفصال والحسم العسكري، ويعزف من عطايا أربابه؛ ومن جانب آخر رفع راية “القانون الأساسي الفلسطيني”، الذي أنتج انتخابات 2006، ودون العودة إليه بعد المأزق المستحكم، فهو في ضفة الحداثة التي لم يرفضها إن لم يعيها بعنوانها الأصيل الديمقراطية الحقة، في ترداده اللفظي، وقد سقطت عليه كـ “هبة سماوية” لتنقذه من تناقضه، لكنها كي تكون أغلى “مقتنياته” فإن عليه العودة إلى كامل العملية الديمقراطية من أساسها، لا إلى منهج “لا تقربوا الصلاة …” ونقطة.
للسيد خريشة نقول: إن الوضع الفلسطيني برمته في مأزق خطر جداً، بعد فشل حوارات القاهرة المديدة، وطالما أنك ومَنْ تمثل “قانوني متمسك بالنظام الأساسي” وبحذافيره؛ فأمام الاستعصاء الراهن لماذا لا تذهب ـ تذهبون ـ الآن إلى العملية الانتخابية الشاملة والاحتكام للشعب في انتخابات “التشريعي” والرئاسة؛ ولمنظمة التحرير ومجلسها الوطني ؟ نقول هذا كي لا يبدو هذا “التمسك” بدون رصيد وبعد معاناة وطنية أشد بؤساً، يعزز هذا التوجه بأن حكومة فياض ـ كما تقول ـ لا تمثل أكثر من 3%، والجزم بهذا المسح البياني العقدي الخاص. لو كانت مكانك أية قوة حزبية ـ اجتماعية في أية بقعة أو دولة أو خلافة في هذا العالم، لذهبت فوراً، ولرفعت هذا الشعار “الآن … الآن وليس غداً …” !
هذا النمط من الانتهازية وعلى “حبات مسبحة غرامشي” تدعو للرثاء، لأنها غباوة مطلقة تمنح ذاتها صفة المعلم لـِ “التعاليم والواجبات الديمقراطية” ووفق النظام الأساسي للسلطة الفلسطينية، التي جاءت من اتفاقات أوسلو، فكم أنتم بارعون في الأمور الصغيرة على حساب القضية الوطنية العليا، لأن موقف السيد خريشة وبمجمله ومناوراته يقوم على عدم الذهاب إلى موعد الانتخابات في 25/1، أمرٌ يدعو للرثاء حقاً؛ فـ “القانوني” السيد خريشة تقوم حساباته على ترك الضفة الفلسطينية بدون حتى حكومة تصريف أعمال، وربما بدون بلديات، ينطبق عليها المثل الفلسطيني “لا مطلقة ولا معلقة” كـ “حالة وقف”، فإلى أي درجة أيها “السيد” تخاف الله، إلى الدرجة التي يخاف منها “الدولار من الله”، وبذات القدر من خوفه من الثورات الشعبية و “البروليتارية” فثبت إيمانه ـ الدولار ـ بالله، وعلى جسده الأخضر، قانون “الإيمان” الذي ينضوون تحته وبأقصى طاقتهم، تماماً كما يفعل “القانون الأساسي” لحماس، بفكره الحر والمتمدن في قطاع غزة، والفكر الحر “اللامتدين” يلتقي هنا مع “الماركسيين” المنضوين تحت “إصبع الشيطان في الفطيرة” حين طالب أحدهم بخطابه بـ “تحرير فلسطين … كل فلسطين … فلسطين إسلامية من النهر إلى البحر”، بعد أن طالته بركات العمّة والجبّة الممهورة بالدولار المنفوط المدموغ بـ “نؤمن بالله”، فهل يمرر المواقف؛ الارتدادات ـ قُلْ الانتهازية ـ بمحض المصادفة !
الانتهازية موضوع ذاتها، ما دام المرء مجبراً على انتزاع الفهم عنوةً وعناءً، لكنها هنا مفضوحة مباشرةً، وليست مثل حبتيّ قمح مخبأتين في كيس تبن، للبحث عنهما طول النهار، بل غدا الناس يعرفون هذه “المواقف” بحاسة واحدة تقوم على الإدراك البصري المشاهد فقط، فلا يحتاجون إلى ممارسة البحث في كيس التبن، أو بحقائق المعرفة المنهجية المتكاملة المتميزة والمتناسقة الكاملة. فعلى مَنْ يا سيد خريشة تلقي هذا الهراء !
لم ينتهِ السيد خريشة عند هذا الحد في حملته على حكومة فياض الراهنة، فهو يتهم هذه الفصائل في تعميق الانقسام في وجه الحوار الفلسطيني، أي الحوار الذي حوله إلى قصة “إبريق الزيت” منذ عام 1998، فالسيد حريص على إنهاء الانقسام، بل يفيض علينا بالقول حرفياً: “كنا نعتقد أن النظام السياسي الفلسطيني يتألف من سلطة ومعارضة، رغم وجود (الأنجزة) ـ التي يعرفها بـِ ـ مؤسسات أهلية فلسطينية بتمويل أمريكي وغربي لتنفيذ سياسات هذه الدول، لكن الجديد اليوم؛ أن اللجنة الرباعية وأمريكا، أصبحتا جزء ومن مكونات النظام السياسي الفلسطيني، ومساهمتها في الضغط لتشكيل هذه الحكومة، بات أمراًَ واضحاً، ولأسباب أيضاً باتت واضحة ومعروفة”، هذا بالنص وحرفياً.
لن نوضح قضية (الأنجزة)، لكن كما يعلم السيد خريشة فهو يتلقى راتبه الشهري بحكم وضعيته في المجلس التشريعي عن طريق الدول المانحة، فلماذا خلط “الحابل بالنابل” وبمكونات النظام السياسي الفلسطيني، الذي يشارك به وفق قوانينه التي يستشهد بها وهذا أولاً؛ وثانياً: المطلوب استئصال الازدواجية بها وهذا في استخدام “القانون الأساسي”، بل استئصال الازدواجية في المواقف السياسي برمتها، بما فيها استئصال الاحتكارية الثنائية لـ “ناكير ونكير” والجان والغيلان، بوحدة أسمى هي كنف الديمقراطية الحقة بالتمثل النسبي الكامل في مرحلة حركة التحرر الوطني، بل لما بعد الاستقلال، حاجتنا إلى ما تعمل به “جنوب إفريقيا” قبل وبعد الاستقلال بالتمثيل النسبي الكامل دون عتبة حسم، ولديها 12 مليون نسمة خارج أراضيها في مهاجر التهجير والشتات.
قد لا ينته السيد خريشة إلى هذا المثال الساطع، ويركز على النفي وعلى تجريدي للغول من الوجود الموضوعي، وسيقول قد كان موجوداً في العصور الوسطى، فما عليك يا سيد إلا بالرقيّة والتعويذة … فقط. وقد يسلم البعض ممن يقرأ لك بوجود أناس لا يفهمون المنطق، فيقدمون مجرد أفكار وهلوسات في أحادية تصويرية ـ كما هي الأحادية في حكومة حماس غزة التي تغمض عنها عينيّك ـ، قمة في التجريد الأحادي، والاحادية في المجلس التشريعي الفتحاوي الذي كنت عضواً فيه من 1996 – 2006 والذي انتهت مدته الشرعية عام 2000، بل قمة في التجريد الميت، أما “الحقائق” المقدمة فهي رخيصة، حين تستثني كامل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، متناسياً وجودهم وتعددهم وتنوعهم، ذلك لأنك موجود عبر وجهة النظر الأحادية. النظرة المخالفة للحوار، بما فيه الحوار الفلسطيني حتى الآن بالقاهرة، ذلك لأن الحوار هو تفاعل ذوات مدركة ما بها، وما حولها؛ باستجابات الاكتساب والتكيّف والتطابق والاختلاف.
في استئصال الازدواج؛ السيد خريشة وبموقعه هو ذاته من إنتاج النظام السياسي ذاته الذي يتحدث عنه، كما يتسلح بقانونه الأساسي، لكنه يترك المأزق الفلسطيني “قدراً محتوماً”، ثم يحاسب حكومة فياض الراهنة وقبل أن تبدأ، ويقفز عن حكومة حماس والسيد هنية الراهنة، فلا يضع الأمور في نصابها، فهو يتنكر للمقدمات التي أنتجته، بينما المأزق الفلسطيني لم يعد يحتمل المواريات والمناورات والمجاملات، وأكثر من ذلك؛ فإن استفتاءه “العقدي ـ الإيديولوجي” أعطى حكومة فياض 3% من تأييد الشعب الفلسطيني، لا بأس أيها “الديمقراطي” فلماذا لا تحتكم للشعب بانتخابات على كل الصُعْد، وسنسلم سلفاً بالنتائج، أم أنت من جماعة “الإجماع” والنسبة العربية المعروفة التسعة وتسعون بالمئة، وتسعات أعشارها المضافة اللامتناهية !
في هذا المناحة ـ الاكتئاب ـ المسمى وطنياً، يمكن تفكيك ما يقوله السيد خريشة وما يرمي له بخلاصاته الفعلية، والتي بلغت حدها الأقصى بانفصال الوطن عن الوطن، والشعب عن الشعب بسبب مأزق الانقلاب العسكري، فيا سلام على الديمقراطية، والضفة الفلسطينية وقطاع غزة تتمتعان بسلطتين تحت الاحتلال، ناهيك عن التقسيمات الباندوستانية في الضفة الفلسطينية، ومن ثم فصلها عن القدس التي أخذت تذوي أمام أعين الإسلام والعروبة حيث يتم تذويبها بناسها ومقدساتها تهويداً واقتلاعاً، وصولاً إلى إعلان “اللا” الصهيونية بخصوصها، كـ “عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل”. لا جديد أضيف لك سوى ما قاله مظفر النواب منذ ثلاثة عقود … وإدراكاً مني أنه لم يعد يكفي لمثل هذا الزمن، فيا لنبوءة الشاعر … !
إن رياح السموم التي يطلقها أمثال السيد خريشة هي مَنْ أوصلت الحالة الفلسطينية إلى المأزق، بل إلى الصوملة التي يبتغيها هدفاً، متناغماً مع مهاجمة الهوية الوطنية والتعدد وألوان الوحدة، وصولاً إلى منظمة التحرير ذاتها، الكيانية للهوية الفلسطينية. وهذا ليس ناتجاً عن تكلس القراءة السياسية، بل بسبب نظرية الاستبدال والإقصاء المتمثلة بـ “الهوية الإسلامية” لإعتبارات الهوية الوطنية ـ، فالقومية هي نتاج مستورد أوروبي غربي، ولهذا ينقل أمثاله الحالة الفلسطينية إلى اليباب، لا مِنْ تكلس القراءة السياسية بل بسبب الأزمة العُقَدية التي يعاني منها.
لماذا لا تفسر لنا كيف أن حماس تبذل جهودها مع الغرب وغلاتهم، لانتزاع “شرعية” تمثيلها للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وقد باتت طرفاً عبر جهة ثالثة في كل تفاوض، واكتمل “استقلالها” عن السلطة، أما هدفها: فهل هو “إسقاط نهج التسوية” ؟! … راجع خطابات وحوار خالد مشعل في “دراسات فلسطينية”، وإلى آخر القائمة التي يتقدمها محمد نزال وأسامة حمدان، فالمغزى هو الوصول إلى هذه النتائج، على “رهان الدم الفلسطيني ـ الفلسطيني” وصولاً له، ولتحقيق أهداف لن تمكنها الوقائع في القراءة السياسية أن تبقى على قيد الحياة. لقد قدمت وثائق الحوار “وثيقة الوفاق الوطني ما يطوي صفحة الانقسام، ونحو المسار المؤدي إلى العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، فلماذا ممارسة الرياء والمداورة والمناورة والتغطية على الممارسات الخطأ، بدلاً من فتح أبواب “المحظورات” المتمثلة بالنقد والنقد الذاتي، بدءاً من تقديم المصلحة الفصائلية على المصالح الوطنية العليا. ولتراقب مع الشعب وبعين الشعب، يا نائب الشعب، ما يجري في قطاع غزة منذ سيطرة حماس، فالسلطة المفروضة تؤدي دورها التنفيذي متمثلاً بِـ “الجباية”، وجمع الضرائب على الواردات والعائدات، وصولاً إلى الضرائب على المواد المهربة، وهنا لا واجبات عليها تجاه المنكوبين، تجاه القضايا الاجتماعية الخانقة، بل كرّست دورها ليس مثلك على “مسبحة غرامشي”، بل كرّسته نحو قوانين متكلسة في مواجهة العصرنة والتعدد، وبمجتمع منهك تحت الاحتلال، أضعفت حيويته وديناميته، وشطبت النزعة النقدية للسلطة ـ أي سلطة ـ، أليست هذه هي “القوانين المتكلسة” ـ نحو مواقف مقولبة معلبة في شعارات قديمة باسم “الدين” لا زحزحة عنها، رغم أن مفهوم الدولة ذاته هو مفهوم غربي بما فيه ائتلاف القوى المجتمعية !
إن هذه “الفذلكات” لا تُسمِن ولا تُغني من جوع غزة وحصارها، حين لا يقتصر الجوع هنا برغيف الخبز، أليس من الأجدر مواجهة الذات بالنقد والنقد الذاتي الفصائلي، لأن “الفصيل هو أهم من الشعب” !
ختاماً نقول للسيد خريشة إن صرف النظر عن مفاهيم ثلاثة أساسية وضرورية في معادلات الصراع هو تقديم نتائج إما مزيفة أو مغرضة: طبيعة الصهيونية وإسرائيل كاستعمار استيطاني اقتلاعي عنصري، والمقاومة وبرنامجها الشعبي في “وثيقة الوحدة الوطنية”، برنامجها لتعديل الموازين المفروضة بقوة الاحتلال الاستثنائية المتميزة والمدعومة دولياً وبامتدادات؛ وصولاً لحق العودة وتقرير المصير وتجلياته بالدولة المستقلة وعاصمتها القدس، هي “فذلكات” شعبوية، لأن مَنْ يحدد الأهداف، ينبغي له أن يحدد الوسائل … أليس كذلك يا سيد خريشة ! … لتوقف هزَّ مسبحتك المستعارة !
أن نكون أبناء بررة للتاريخ والأهداف الفلسطينية؛ يعني مباشرةً أن لا تطل البلاهة علينا بمكياج فاقع متعب من المرايا التي تداري القبح بلا طائل، كما لو أن قمامة القرون كلها تتقدمنا باسم ورسم جديدين، في مواجهة التغيير والتثوير والتنوير والتحرير، كي نضمن حقاً تاريخياً بامتياز … ما بعده حق.
مراد يوسف ـ كاتب فلسطيني