الرئيسية » مقالات » هل عاد صدام حسين ثانية بحملة إيمانية مزيفة جديدة أم هناك من حل محله؟

هل عاد صدام حسين ثانية بحملة إيمانية مزيفة جديدة أم هناك من حل محله؟

ما أن بدأ الناس باستنشاق نسيمات من الحرية المحفوفة بمخاطر قطع الرقاب من جانب قوى الإرهاب بمختلف تكويناتها وأشكال وجودها بعد أن تراجع الإرهاب الواسع النطاق وعدد العمليات الإرهابية اليومية نسبياً وبعد أن تقلص نسبياً وبشكل ملفت للانتباه عدد ضحايا عمليات الانتحاريين الأوباش, وما أن بدأ الناس بالسعي لتأمين حقهم المكفول دستورياً في التصرف بحرية ودون وصاية من مؤسسة دينية أو سياسية أو شخصية من دون أن يسيئوا إلى حرية الآخرين, وما أن بدأ الناس التفكير في احتمال بدء مرحلة جديدة في العراق يتراجع فيها الضغط الإرهابي النفسي على الفرد العراقي الذي تعرض له طوال حياته, وخاصة في فترة حكم الطاغية صدام حسين, وما تعرض له بعد سقوط النظام أيضاً من جانب قوى إسلامية سياسية متطرفة ومليشيات طائفية مسلحة كانت ولا تزال تهدد الإنسان إزاء أي تصرف يمكن أن يمارسه في حياته اليومية كأن يكون حلاقاً أو أن تكون امرأة حلاقة للنساء أو فتح محلات بيع المشروبات الروحية أو تناول هذه المشروبات في بارات التي كانت بغداد مليئة بها على امتداد قرون طويلة, وما أن شعر الناس بجو جديد يمكن أن يساهم بامتلاء شارع أبو نواس العتيد والمبهج حتى بدأت قوى خفية تتستر برداء الدين وتخفي أهدافاً أخرى تهاجم بأسلوب استفزازي شرس ومثير للقلق والتذمر والاحتجاج حقاً العلمانيين والديمقراطيين واللبراليين, ثم وبشكل خاص, متناولي المشروبات الروحية, ضد شاربي العرق العراقي أو غيره في حين أن كثرة كاثرة من العراقيين كانوا لا يتركون مناسبة إلا وذكرونا بالمقولة الشهيرة “ما طول بالنخل تمر, ما جوز من شرب الخمر”, حتى أن ابن خلدون, صاحب كتاب المقدمة الشهير, إذ كتب يقول بأن العراقيين أذكياء فقد سمّوا المشروب الروحي المنتج من التمر عرقاً وليس خمراً, لأنه لم يأت ذكر العرق في القرآن بل الخمر, وبالتالي فهو غير محرم, رغم وجود تباين في الموقف من الخمر بين شيوخ الدين من مختلف المذاهب الإسلامية وفي المذهب الواحد أحياناً غير قليلة.
نحن أمام حملة “إيمانية” جديدة يقودها الشيخ جلال الدين الصغير وتروجها قناة الفرات الفضائية, الشديدة الطائفية والتمييز الطائفي وإثارة النعرات الطائفية في المجتمع, التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي في العراق الذي يقوده عمار الحكيم ويقدمها الصحفي المتوتر والمتعصب وغير الحيادي المدعو جواد كاظم, إذ بدأ الناس عن حق يتساءلون “هل نهض صدام حسين من قبره وتردى برداء جلال الدين الصغير وأخيه محمد حسين الصغير ليقودا معاً حملة “إيمانية” جديدة مزيفة وبائسة لا تختلف عن حملات خير الله طلفاح وصدام حسين ومن لف لفهما, أم أن هناك من هم من أمثال صدام حسين وخير الله طلفاح يريدون قيادة مثل هذه الحملة لأغراض سيئة وخبيثة ولا يختلفون عنه إلا بالثوب الذي يرتدونه والعمامة التي يضعونها على رؤوسهم ليستروا بها تهلهلهم الفكري والسياسي والتعبير عن الخشية من فقدان المواقع التي يحتلونها الآن ويدفعوا إلى تهييج الجهلة من الناس, وهم كثرة حالياً في العراق, بقضايا أخرى بائسة ومثيرة للسخرية.
ينسى هؤلاء الناس أن الإنسان يولد حراًً ولا يحق لأي إنسان أن يقيد حريته بهذه الطريقة العدوانية. فالإنسان مالك لعقله وعليه أن يتصرف بالطريقة التي يراها مناسبة دون أن يؤذي أحداً أو يتجاوز على حقوق أحد, لا أن يفرض هؤلاء أنفسهم أوصياء على الناس. ومنذ قرون تحضرت الشعوب حين وضعت لها دساتير وقوانين وقواعد تسهم في تنظيم حياة البشر وتمنع العدوان أو التجاوز من أي كان على الإنسان وحريته. وليس هناك من يمارس الحكم باسم الله على الأرض. والعراق يملك الآن دستوراَ وعلى الجميع الالتزام به إلى حين تعديله وفق ما تتفق عليه الأكثرية.
ولا بأس أن أذكر هنا بأن منع المشروبات الروحية والتجاوز على من يتناولها أو يبيعها هو تجاوز على الدستور والقوانين وعلى حرية الإنسان أولاً, وأن على جلال الدين الصغير, ومن هم من أمثاله وأخيه, أن لا ينسى بأن العراق متعدد الأديان والمذاهب والقوميات, وبعض هذه الأديان تبيح شرب المشروبات الروحية ومن حقهم بيعها في كل بقعة من أرض العراق. نسى هؤلاء أن الكثير من أهل كربلاء من المسلمين الطيبين كانوا يذهبون مجاميع كبيرة وفي باصات كبيرة لمشاهدة الأفلام في سينما مدينة الهندية (طويريج) وتناول المشروبات الرةحية , كما كانوا يسافرون إلى سدة الهندية أيضاً لشرب العرق أو البيرة المثلجة هناك, إذ لم تكن هناك سينما في سنوات العقد السادس. نسى هؤلاء أن نادي الموظفين في كربلاء كان يقدم العراق والبيرة وغيرهما لمن يريد تناول الخمور في عهود كثيرة. ونسى هؤلاء أن أنبياءً ومؤمنين وشيوخاً صالحين من مختلف الأديان كانوا يتناولون العرق أو سواه, أو أنهم لم يحرموه ولأسباب كثيرة.
لقد توجه هؤلاء المتعصبون في تفكيرهم والراغبون في الهيمنة على فكر وممارسات الإنسان ضد الأديب العراقي إبراهيم خياط في ندوة أدارها المدعو المتحيز والمتشدد والفقير فكرياً السيد جواد كاظم ليهاجم بأسلوب غير معقول ومتوتر السيد إبراهيم الخياط الذي أبدى كياسة ووعياً في طريقة التعامل مع هؤلاء الذين لا يعرفون معنى لحقوق الإنسان وحرياته ولا يعرفون معنى في ضرورة عدم التجاوز على حياة الفرد الشخصية وعلى من يريد تناول المشروبات الروحية. كما حرم الأستاذ عبد الرحمن الباشا من الكلام عملياً ولم يعطه الوقت الكافي للتعبير عن رأيه. وكان المدعو جواد كاظم فظاً في تعامله وأسلوب حديثه ليثبت للشيخ الصغير وغيره أن مخلص لهم, إلا أن عينيه كانتا وكأنهما تفضحان سيرته الذاتية وتعاطيه لما يهرج به ضده.
أنا لست من مشجعي تناول المشروبات الروحية, ولكن ليس من حقي منعها. وعلى من يريد أن يفرض على الناس التعامل بوجهين وليس بصراحة وحرية تامة, فما عليه إلا أن ينظر لما جرى ويجري في الدولة الإيرانية الإسلامية المتطرفة. فإيران واحدة من أكثر دول العالم استخداماً للخمور والمخدرات, وهي مصدرة للمخدرات أيضاً. والكثير من الناس يموتون لأنهم يتناولون كحولاً سيئة ومدمرة للصحة وليست مراقبة من قبل الدولة أو جهات صحية مسئولة عن المواصفات والمقاييس المقررة لها.
لقد جند الشيخ جلال الدين الصغير أخيه غير الشقيق الدكتور محمد حسين الصغير, وهما ولدا الراحل الشيخ علي الصغير, وكان خطيباً في جامع براثا, لهذه الحملة, وهو يعرف تماماً بأن الدكتور محمد حسين الصغير كان قد كلف في زمن صدام حسين بمراقبة دار وتصرفات وحركة السيد علي السيستاني وكتابة التقارير لجهاز الأمن الصدّامي بهذا الشأن حينذاك, وأهل النجف أدرى بذلك ويعرفون تفاصيل هذه الحقيقة ويتحدثون عنها علناً لأن ملفات الأمن قد ظهرت إلى النور وكشفت عن هذه الحقيقة المرة التي أعانته على العيش في بحبوحة وبعيداً عن المخاطر. إن المزيفين من الناس لا يمكن أن يمارسوا الكذب طويلاً, إذ سرعان ما يفتضح أمرهم. وهو نفسه الذي أصدر في العام 1959 كتاباً تحت عنوان “الشيوعية كفر وإلحاد” الذي قدم لها القومي اليميني الذي ناصب عبد الكريم قاسم العداء الدكتور عبد الرزاق محي الدين لا ليهاجم الشيوعيين والديمقراطيين وقاسم وأتباع قاسم فحسب, بل ليحرض على قتل الشيوعيين حينذاك, وينسجم مع ما صدر فيما بعد من فتوى في هذا الصدد. كم أتمنى على الشيخ جلال الدين الصغير, وهو النائب في المجلس النيابي, أن يهتم بأمور المجلس وأمور الجياع من الناس وأن يلاحق نهّابة وسلابة المال العام, وأتمنى أن لا يكون أحدهم, وليس الناس الطيبين الذين يتناولون الكحول لأي سبب كان, أو أن يعمل ضد العلمانيين ويلاحق الناس الطيبين والبسطاء والمثقفين في معيشتهم وفي حريتهم. أتمنى أن تنشر ملفات الأمن الخاصة بالدكتور محمد حسين الصغير أو ليكتب من لديه معلومات موثقة أكثر عنه لكي يتوقف هذا الرجل عما يمارسه وأخيه في هذا الصدد المجحف بحق الناس.
وآخر ما علمت وكتبت عنه الصحافة والمواقع الإلكترونية أن الشيخ جلال الدين الصغير قد هدم قبر الأستاذ الراحل الدكتور علي الوردي ليفتح طريقاً أمناًً لمروره. أملي أن لا يكون صحيحاً وأن يجري التحقيق بذلك وكشف الحقيقة, إذ أن هذا الأستاذ الجليل له مكانة كبيرة في عقول وقلوب الناس الطيبين وهو من أبرز العناصر العلمية التي أنجبها العراق والمناهضة لكل أشكال التمييز, ومنها الطائفية.
إن الحملة الإيمانية الجديدة لن تنفع الناس ولن تنجح لأنها مخالفة لروح العصر ومخالفة لطبائع الناس وعشقهم للحرية والديمقراطية, وهي لن تستطيع إشغال الناس عن قضاياهم وعن الإساءات التي لحقت بالناس من جراء تصرفات الكثير من قوى الإسلام السياسية, ومنها المجلس الأعلى وبدر وجيش المهدي, إضافة إلى قوى القاعدة وحارث الضاري ومن لف لفهم خلال السنوات السبع المنصرمة.
إن تشكيل قائمة “فرض القانون” لم تكن حالة عبثية بل مقصودة, كما أن حصولها على مزيد من الأصوات على حساب القوائم الإسلامية السياسية الأخرى لم يكن تصرفاً عبثياً من الناخبة والناخب العراقيين, بل عقوبة استحقتها تلك القوى التي لم تحترم الإنسان وحريته وحقوقه المشروعة. إنه الدرس الذي يفترض أن يتعلمه الجميع.
إن عملية حرق 25 شخصاً عراقياً “اتهموا” بالمثلية الجنسية, كما نقلت الأخبار ذلك, هي جريمة لا تغتفر ويندى لها جبين العراق كله, إنها جريمة بحق الإنسان والدستور العراقي والقوانين التي لا تبيح لأحد قتل آخر خارج إطار القانون ومن دون محاكمات شرعية وليست محاكمات قرََقوشية, كما فعلها جيش المهدي في النجف منذ عدة سنوات, أو كما مارستها محاكم تنظيم القاعدة الإجرامية. إن هذه الجريمة قدمت من جديد للعالم كله السلوك المتوحش لهؤلاء الناس الذين يريدون فرض أخلاقيتهم على المجتمع كله, وهم يعرفون أن هذا البعض الذي ساهم في القتل ربما كان من المثليين أيضاً. تكشف حقائق في جميع الأديان أن الكثير من رجال الدين يمارسون المثلية سراً ويشجبونها علناً, وعلينا متابعة هذه الحقيقة لدى بعض رجال الكنيسة, حيث توجد حرية وشفافية يكشف عنها بسرعة, في حين أنها موجودة أيضاً وليست بعيدة عن أتباع ديانات أخرى. وهكذا هي حالة جمهرة كبيرة من الناس في العالمين العربي والإسلامي, ولكنهم يستقبحون ذلك ويشجبونه علناً ويمارسونه سراً, وهي مصيبة المجتمعات المتخلفة.
ثبت بالدليل العلمي القاطع بأن المثلية ليست سوى نتاج هورمونات موجودة في جسم الإنسان وفي التكوين البيولوجي للشخص المثلي, امرأة كانت أم رجلاً. وأنه غير قادر على التخلص منها, بل هي التي تشكل تكوينه الجنسي. وأن على المؤمنين من شيوخ المسلمين أن يبتعدوا, ما داموا مؤمنين بالله واليوم الآخر, عن معاقبة إنسان خلق بهذا التكوين البيولوجي وليس بغيره. فهم مؤمنون, وهذل وفق إيمانهم, من خلق الله وعليهم القبول بما كتبه الله في جبين هذا الشخص أو ذاك لا أن يدعوا البعض منهم إلى قتل المثليين كما حصل أخيراً في بغداد, بحجة الدفاع عن الأخلاق, في حين أن القاتل هو الفاقد للأخلاق الحسنة وهو المجرم.

27/5/2009
كاظم حبيب