الرئيسية » التاريخ » (المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة التاسعة و التسعون

(المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة التاسعة و التسعون

ومن الامور المهمة التي جاءت في كتاب مينورسكي اشارة الى المستشرقين واسمائهم من الذين عنوا مبكراً باللغة الكردية مثل السيد ليرخ الذي قابل بعض الاكراد الاسرى في فترة حرب القرم ونشر نصوصاً كردية ثم الاشارة الى اثنين من المستشرقين اللذين سافرا الى كردستان في أربعينيات القرن التاسع عشر لدراسة الكرد.
ثم الاشارة الى القنصلين (خودزكو و أ-زابا)، وقد نشر الاول في مجلة آسيا (1857) مقالة حول لهجة السليمانية او كما يسميها اللهجة الشرقية اما الثاني فقد كان في ارضهم من 1848 الى 1866 حيث كان يدرس اللهجة القريبة من اللغة الكردية (37-40).
لاحظ سون في بداية وصوله كردستان اذ قد بلغها في كردستان الشمالية الغربية اي كردستان تركيا وفي مدينة اورفا بالذات، ان الكرد يدعون ان المدينة كردية ويعلق سون على الرغم من وجود عدد من القوميات الاخرى في هذه المدينة الا ان الجميع يفهمون الكردية ويعقب سون ان الكردية قد فرضت نفسها على السكان الغرباء جزئياً وانها اي الكردية تستطيع ازاحة اللغات المتمركزة بسبب حيويتها و(فحولتها).
ولكن سون تفاجئه ظاهرة اخرى معاكسة لما شاهده وسمعه في اورفا فقد وجد في السليمانية ان جميع السكان تقريباً – على حد قوله – يعرفون الفارسية وان الناس في السليمانية كانوا يفهمون الفارسية بشكل افضل من فهمهم للهجات الكردية الشمالية والشرقية (252).
وعموماً وجد سون ان الاكراد يجنحون الى تعلم او استخدام الفارسية اكثر من رغبتهم في استخدام التركية(154).
ويذكر سون في معرض حديثه عن اللغة الكردية معارضاً ما رميت به هذه اللغة من اوصاف ربما عزيت الى التبعية السياسية للكرد وعدم تمتعهم بالاستقلال فهذا يعدها لهجة رديئة من اللغة الفارسية، وذاك يعدها لهجة عربية وعلى الرغم من ان سون لا يحاول ان يعلل هذه التبعية او (الالحاقية) اللغوية تعليلاً سياسياً او عنصرياً كالذي ذكرناه تواً ولكنه يقف وقفة منصف ربما لم يجرؤ ان يقفها لغوي كردي.
ان سون يرى من اللغة الكردية لغة قادرة على اظهار عراقتها وفصاحتها وهي من وجهة نظره تعد لساناً تاماً، غنية بالاشكال النحوية والصرفية وباعراب متميز وهي متحررة من المقتبسات العربية كلياً.
ويرى سون ان اللغة الكردية اغنت الفارسية ولكنها للاسف رمت الى هوة النسيان الكلمات القديمة ذوات الاصل الاري المحض التي كانت تستعمل فيما مضى (172).
والحقيقة أن سون يريد بهذا ان يعتب على الكردية التي ضحت بمفردات ذوات اصول ارية لتأتي بمفردات ذات اصول غير ارية والواقع اننا لا نود ان نخوض في هذا الموضوع حرصاً على الالتزام بهدف الكتاب.
وفي موقع آخر من مذكراته يؤكد سون ان البحث في اللغة الكردية يوضح ان هذه اللغة عانت من تآكل الشكل وفساد النطق ويعلل سون هذا بامتلاك الكرد ادباً مصطنعاً.
ان ما يذهب اليه سون في امتلاك الكرد لادب مصطنع امر بلا شك يزعج بادئ ذي بدء القارئ فقد دأب المتعلمون الكرد وهم غالباً رجال دين على دراسة الادب الفارسي واللغة الفارسية بمنظور من الاعجاب والانبهار لا بل كان الادب واللغة الفارسية جزءاً من الدراسة الدينية في الجوامع وما من التفات الى الادب واللغة الكرديين.
ويذكر سون في معرض ملاحظاته ان اكراد الجنوب تهفو قلوبهم دوماً الى ما هو فارسي وهذا هو السبب في ان كثيراً من شعراء الاكراد – على حد قول سون – يكتبون بهذه اللغة حصراً ويهملون لغتهم وهي الطيعة لنظم الشعر المغنى على الوجه الممتاز. وحتى في الانحاء الكردية الاقرب الى القطب التركي فأن اللغة الكردية لم تكن موضع اهتمام تعليمي جاد ولم يكن الادب الكردي يستطيع ان يغالب اداب هاتين القوتين العظميين الفارسية والتركية فضلاً عن ان واقع الدراسة الدينية واقع عربي ومع هذا فقد استطاع بعض الرواد العمالقة ان (يؤسسوا) ادباً كردياً ومداخل لغوية كردية مثل الشيخ احمد الجزيري (مه لاى جزيري) وبابا طاهر والخاني وعلي الترموخي وغيرهم ولكن بقيت النكهة الفارسية والدينية تشوب هذه النتاجات ومع الزمن اخذت هذه النكهة تضعف بتزايد الحس القومي الثقافي وبتضاعف النزعة الى بلوغ الانقى لغة وروحاً وهذا ما نجده اليوم ونحن في نهاية القرن العشرين في الثقافة الكردية مقارنة بالنتاجات التي استثارت انطباعات سون في اوائل القرن العشرين.
ويتحدث سون (175) ضمن انطباعاته عن اللغة الكردية وادابها عن احمد الخاني ويصفه بالكردي الطائر الصيت ويذكر مؤلفاته وبراعته في وضع قاموس لتعليم اللغة الكردية يحتوي على (2000) مفردة والقاموس منظوم شعراً.
والحق أن خاني اشتهر برائعته مه م وزين وهي رواية شعرية ترقى الى مصاف الروائع الادبية العالمية بشهادة المستشرقين والمتتبعين وقراء هذه الرواية التي ترجمت الى بعض اللغات.
ويتحدث سون عن قرنين من الزمان من تاريخ السليمانية التي انجبت العديد من الشعراء ممن خدموا الادب الكردي ومن وجهة نظره فأن (نالي) هو افضل شعراء السليمانية.
يعتقد سون ان للشعر الكردي في السليمانية سحره ورونقه والترجمة تفقد هذا الشعر جمال الاصل فيه لان هذه القصائد من وجهة نظره ارتكنت الى اللغة ودور العبارة فيه اكثر من ارتكانه الى الفكرة وان هذه القصائد اصطنعت جميع ما تسمح به الشاعرية الفارسية من استعارات نمطية لذا كان الذوق الكردي في الادبيات يسرع الى الفارسي لا شعورياً وبخاصة لدى شعراء السليمانية، والحديث ما زال لسون، يؤكد ان اغلب الشعر الكردي شعر حب ويتصف بالتلميحات الخيالية واللعب بالالفاظ وعلى النمط الفارسي تماماً، ويرى ان الشعب الكردي شعب موهوب الفطرة ويملك جميع القدرات في مجال الحس اللغوي (176-7).
ويورد سون تراجم لقصائد ادبية واخرى فلكلورية في مذكراته، ويبلغ اعجاب سون بالشعب الكردي وقدراته ويضعه في مصاف اوربا ولكن قبل (600) سنة اي ان ما وجده في كردستان في مطلع القرن العشرين من تفوق فكري وادبي يمكن ان يقارن مع ما كانت عليه اوربا قبل ستة قرون لكن الفرق ان اوربا تقدمت وكردستان بقيت (ممنوعة من التقدم) هذا ما يمكن ان يستشفه القارئ من انطباعات ومذكرات سون في هذا المجال، وهي ملاحظة جديرة بالاهتمام ففيها ابعاد عدة تساعد الدارس على المقارنة والتشخيص لمن اراد ان يفهم الاستعداد الحضاري لدى الشعب الكردي والمعوقات السياسية وغير السياسية التي جعلت هذا الشعب متخلفاً (600) عام عن شعوب اوربا وهو ليس بأقل منها في شيء من حيث الاساس (181).

التآخي