الرئيسية » مقالات » بديل ( التوافقية) في نموذج العراق

بديل ( التوافقية) في نموذج العراق

منذ فترة ليست بالبعيدة تتعالى أصوات من بعض السياسيين العراقيين بدوافع مختلفة مطالبة بانهاء الديموقراطية التوافقية التي تنظم الحياة السياسية منذ سقوط الدكتاتورية قبل ستة أعوام وتكرس نوعا من المشاركة في السلطة والادارة والثروة والقرار بين غالبية المكونات القومية والدينية والمذهبية التي يتشكل منها النسيج الوطني في العراق وعلى هديها تم انتخاب البرلمان وتشكيل الحكومة وتوزيع المناصب الرئاسية والسيادية والمسؤوليات العسكرية والأمنية والدبلوماسية ويقود رئيس الحكومة العراقية الحالي حملة الانهاء بالتزامن مع الدعوة لأرجحية النظام الرئاسي الذي يذكر العراقيين بالدكتاتورية على البرلماني تبدو عائمة وغير مقنعة ومن دون تقديم البدائل بجانبها النظري على الأقل حيث يربط التوافقية بالمحاصصة الطائفية حينا والعرقية حينا آخر والخلط بينهما في أكثر الأحيان ومن دون تفسير ماهية تلك المحاصصحة وأطرافها المستفيدة متناسيا أن منصبه الذي يعتبر أكثر المواقع صلاحيات ونفوذا في مجالات الامساك والتحكم باالمال العام والدفاع والأمن هو من نتاج ما يسميها هو باالمحاصصة الطائفية والقومية وليس بدواعي الجدارة العلمية والكفاءة الادارية والنبوغ الفكري والابداع الثقافي من جهة أخرى يظهر التناقض واضحا لدى اعتباره انهاء التوافقية عودة الى القانون والدستور في حين أن الدستور هو من أجاز ومهد وشرع الديموقراطية التوافقية في اشارات واضحة مبررا دعوة الانهاء بزوال الخوف والتهميش واطمئنان الشركاء – وكأنه هنا يجسد دور الحاكم الوحيد ومصدر الأمن الوطني – والتبرير وعلى ضوء الواقع المعاش وتعثر العملية السياسية والخلاف المحتدم بين بغداد وأربيل وتفاقم الوضع الأمني ليس واقعيا وغير مقبول لدى النخب السياسية وقطاعات واسعة من العراقيين ومن المفارقات الملفتة أن مناقشة قضايا نظرية معقدة كاالديموقراطية التوافقية الحديثة العهد والناجزة في أكثر من بلد تتوزع مفاصلها وحيثياتها بين العلوم التاريخية والانسانية والفلسفية ونظم الحكم والاقتصاد والمسألة القومية تتم عبر مؤسسات البحث والدراسات والجامعات والاختصاصيين ولاتطرح على مؤتمر عشائري قبلي لاصلة له بالهم الثقافي والفقه الدستوري مما يضفي على الموضوع الطابع الدعائي الانتخابي ليس الا .
يجمع متابعوا تطور النظم السياسية الحديثة على أن مبدأ أو نظرية الديموقراطية التوافقية ظهر بداية في أبحاث علماء أوروبيين من هولاندا وتم الأخذ به كتجربة متطورة وشكل من أشكال الديموقراطية يصلح للتوفيق بين تيارات سياسية مختلفة في بلد المنشأ اذا صح التعبير وتطبقت في دول متعددة القوميات والاعراق اي جاءت لحاجات توافقات سياسية لتتطور الى حاجات اوسع في توافق المكونات الوطنية وتنتهي ببناء النظام السياسي يحقق المشاركة في القرار وتداول السلطة والمصالح المتوازنة .
والديموقراطية التوافقية حسب نماذجها المجربة مورست اما في مجال تنظيم الحياة السياسية وتداول السلطة بين قوى تختلف في برامجها الفكرية والثقافية والاقتصادية من ليبراليين واشتراكيين ونقابيين وقوميين في البلدان ذات اللون القومي الواحد مثل هولاندة المنشأ الأول لهذه التجربة التاريخية المبدعة أو بهدف تقسيم السلطة وادارة الاقتصاد بصورة متوازنة والمشاركة في القرارات المصيرية بين الأديان والطوائف المنتمية الى القومية الواحدة أيضا وتشكل النسيج الاجتماعي لبعض البلدان مثل لبنان أو بهدف السعي لتحقيق المساواة بين القوميات الكبيرة والصغيرة وكذلك المجموعات المتباينة في الديانة والمذهب في ظل النظام الفدرالي وبضمانة دستورية على قاعدة آليات التوافق الوطني بحسب بنود الدستور والقوانين النافذة والاتفاقيات المبرمة بين ممثلي المكونات وأحيانا بشهادة واشراف قوى دولية وهيئة الأمم المتحدة ومنظمات اقليمية في البلدان المتعددة القوميات والمكونات مثل بلجيكا وكندا وسويسرا والسودان والعراق .
مراجعة ونقد تجارب النظم السياسية في أي بلد أمر مطلوب ومفيد أمامايرمي اليه بعض السياسيين العراقيين وبينهم رئيس الحكومة الحالية وكما يبدو من قراءته مختلف ومريب وبعيد عن المألوف بل مفصل باتقان من اجل الكرد في محاولة للاجهاد على مكتسباتهم وأولها الفدرالية التي حققوها بجدارة عبر التضحيات لعقود متواصلة ونكصا للعهود والدستور الذي حظي بمباركة العراقيين ونال موافقة الغالبية أما التنكر للديموقراطية التوافقية المعمولة بها منذ سقوط الدكتاتورية والناظمة للعملية السياسية ولعلاقات التعايش والضامنة لحقوق وواجبات المكونات الوطنية العراقية ومن دون التشاور والاتفاق والاستفتاء فيعني فرض واستحضار نقيضها أي ديموقراطية الأغلبية والأقلية والرئاسة المركزية المهيبة حسب الخطاب البعثي المستحوذة على أكثر الأصوات من الطيف الأكثر عددا في بلد متعدد الشعوب والأعراق والأديان والمذاهب عانى الأمرين من الدكتاتورية الأحادية ( قوميا وطائفيا وحزبيا وعائليا ) ورئيس الغالبية العددية وهذا يعني حصول احد احتمالين : 1 – سلطة الغالبية العددية العربية 2 – سلطة الغالبية العددية الشيعية على حساب كل من الكرد والسنة والمجموعات الأثنية والدينية الصغيرة في أجواء تتسم بالعداء وتصفية الحسابات والصراعات والتطهير المذهبي بين الشيعة والسنة من جهة وعلاقات مشحونة بعدم الثقة وهواجس الماضي القريب بين العرب والكرد من الجهة الأخرى كل ذلك واذا ما تحقق سيشكل وبالا على العراق والعراقيين وسيضع النهاية للعملية السياسية الديموقراطية ومكتسباتها المنجزة وسيدفع من جديد قطاعات ومكونات رئيسية من شعب العراق للبحث عن سبل حمايتها حتى من جانب الأجنبي والغريب بديلا عن الحمايةالوطنية وعبر كل السبل بمافيها المواجهة من أجل البقاء والعزلة عن المركز وما تستتبع من تقويض لوحدة العراق الحالي خاصة أن لجميع المكونات العراقية القومية والدينية والمذهبية امتدادات جغرافية وتاريخية وبشرية وانسانية وأخلاقية في الجوارين الاقليمي والعالمي بما فيها مسؤوليات الآلاف المؤلفة للقوات الأمريكية حسب اتفاقية الاستراتيجية الأمنية والتزامات هيئة الأمم المتحدة بموجب قرارات مجلس الأمن في حماية المدنيين ونصرة حقوق المكونات والحفاظ على وحدة العراق على أساس الدستور والقوانين والتوافقات الحاصلة التي يسعى البعض لتقويضها .
لايمكن لأي مراقب التغاضي عن عقبات حقيقية أمام ترسيخ الديموقراطية التوافقية المعمول بها بالعراق ومنها تجربتها الزمنية القصيرة وحاجتها الماسة الى قانون انتخابي حديث يصلح لخصوصية دولة العراق الفدرالي بجناحيه العربي والكردي ويستند الى الدائرة الوطنية وليس الطائفية وكان الأجدر برئيس الحكومة البدء بتنويع أعضاء حزبه ذي اللون الواحد وتطعيم طاقمه الحكومي ومكتبه ومستشاريه ومؤتمنيه بكل الأطياف العراقية ثم يأتي بعد ذلك للمطالبة بتغيير النظام السياسي العام وما من شك أن المشرع العراقي عندما وضع اللبنات الأولى لهذه التجربة التوافقية ونالت رضى النخب السياسية كان هاجسه الأساسي هو التوفيق بين مصالح وطموحات كل من الأغلبية العربية والكرد وتحسين أسس التعايش في عراق فدرالي موحد وعلى قاعدة الشراكة العادلة وضمانها دستوريا لأن القضية الكردية كانت المسألة الأولى في الأزمة العراقية منذ قيام الدولة وحتى الآن ومصدرا للحرب والسلام في جميع المراحل وهذا يعني أن الديموقراطية التوافقية العراقية فصلت على مقاس الواقع العراقي المركب بقوميتيه الرئيسيتين وهدفت الى وضع الحل النهائي السلمي الفدرالي للقضية الكردية أما اذا شاء البعض من النخب السياسية المستقوية بالعصبيات المحلية أصلا وليس الوطنية أو القومية توظيف التوافقية بين زعماء وأمراء ومرجعيات وشيوخ الطوائف واخفاقها بعد حين ثم مقايضة الفشل باالدعوة لانهاء النظام السياسي التوافقي برمته من دون تقديم البديل الأمثل فلن يكتب له النجاح وسيبوء بالفشل الذريع تماما كما فعلت المعارضة اللبنانية المتمثلة بفريق 8 آذار في محاولة افراغ النظام التوافقي اللبناني من مضمونه الحقيقي عندما أرادت أن تكون معارضة وحاكمة في آن واحد دون الالتزام بآليات تداول السلطة حسب صندوق الاقتراع وذلك بغية الحفاظ على سلطة وتحكم ومصالح ونفوذ شيوخ وأمراء وجنرالات الطائفية السياسية فما ذنب مبدأ التوافقية اذا أراد البعض تقويضه وافراغه من محتواه الديموقراطي السليم .
لاغبار على أهمية ونجاعة مبادىءالديموقراطية التوافقية كنظام حكم سياسي للبلدان المتعددة القوميات والمكونات ضامن لوحدة البلدان وشراكة عناصرها وتعايشها في وئام وحافز للتقدم والتنمية في أجواء السلام الاجتماعي ونهوض المجتمع المدني والنظام هو نتاج عضوي لمرحلة مابعد الحرب الباردة وتشكل النظام الدولي الجديد في ظروف اعادة الاعتبار لحق الشعوب وحقوق الانسان والتدخل الانساني لصالح المقهورين ورد فعل على انتهاكات حرية الشعوب المحرومة من حق تقرير المصير من جانب منظومات الاستبداد والأصوليات القوموية والاسلاموية الشوفينية وهو من أهم تقديمات القرن الجديد على الاطلاق بشأن الحل المتوازن للمسألة القومية خصوصا مما يستحق بذل المزيد من الجهود الفكرية والثقافية لتطبيقه وتطويره ورعايته ومن واجب النخب الكردستانية ايلاءه الاهتمام اللازم بكافة جوانبه الابداعية والقانونية والثقافية والنظرية للتمكن من تطبيقه وترسيخه في ادارة الاقليم وفي المجتمع الكردستاني التعددي .