الرئيسية » مقالات » عسكرة المجتمع …دائرة الجنسية أنموذجاً

عسكرة المجتمع …دائرة الجنسية أنموذجاً

24/05/2009

حرم ألاف العراقيين من الجنسية إما بسبب أميتهم وجهلهم بأهمية الوثائق الرسمية وحيازتها أو لخوفهم من التعامل مع السلطات العثمانية،لأن التعامل مع العثمانيين كان لا يعني إلا إلحاق أبنائهم بالعساكر السلطانية التي تقاتل في أماكن بعيدة لا ترتجى منها عودة الأبناء ، أو لعجزهم عن تقديم ما يثبت (خضوعهم) للوالي العثماني كونهم من أبناء العشائر المتمردة دوما على الولاة أو لانهم من سكان الحدود مع إيران كحال مئات الآلاف من (الكورد الفيليين) (اللر).

يُبنى الهيكل الإداري لأية دولة على فلسفة تحقق من خلالها الأمم اهدافاً بموجبها يوكل المجتمع إلى بعض ألافراد ـ لميزات وقدرات وكفاءات يمتلكونها ـ لإدارة شؤونه التي أولها تحقيق السلام الاجتماعي الذي من خلاله ينصرف جميع المواطنين لأداء دورهم الحياتي والإنساني والعيش في إطار (وطن) وهكذا تأسس (سلطات) تمتلك أدوات لتحقيق تلك الأهداف وأول تلـك الأدوات القانـون، ولعـل أول القوانيـن التي تمكـن المجتمع من العيـش بسـلام اجتماعـي في(وطن ما) وهو تقرير (أين ؟) وهو ما اصطلح عليه ببساطة (بالجنسية) بمعنى هوية الإنسان التي يحق بموجبها للأفراد أن يكونوا أعضاء في مجتمع ما ،ويعيشون في وطن محدد. والشرائع التي حفظها التأريخ تدل على إن مفهوم الجنسية قديم قدم البشرية،وهو مفهوم يرتبط بعوامل أثنية واجتماعية ودينية واقتصادية . وتنحى الدول في موضوع الجنسية منحى يرتبط بوضع الحكم الذي يسود فيها وفلسفته،فاعتبر بعضها (المواطنة) و(الجنسية) التي تترتب عليها موضوعا (سياديا) فيما اعتبرته أنظمة أخرى موضوعا (اجتماعيا) بينما ثالثة نظرت إليه نظرة مشتركة (سيادية ـ اجتماعية) وبناء على أي من هذه الفلسفات ينال المواطن جنسية البلد وبناء عليها أيضا تمنح للآخرين من غير المواطنين ووفقا لاعتباراتها تسن قوانينها وتنشأ الأجهزة التي تقوم بإدارة هذه المسألة.هذه المقدمة مدخل لمقاربتنا المتعلقة بموضوع مشكلة الجنسية في العراق وهو الوطن الذي تشكلت فيه دولة بعد الحـــرب العـــــالمية الأولى (1920) وضعت هذه الدولة مواصفات للإنسان الذي يمكن له أن يعد مواطنا فيها، وانطلقت في هذه المواصفات من المنطلق السيادي فقط وهو منطق لا ينسجم مع التطور الكبير الحاصل في العلاقات الإنسانية بين بني البشر ، ووفقا لهذه الفلسفة فان كل من كان يعيش في هذا الوطن الذي أصبح اسمه المملكة العراقية بعد أن كان أربع ولايات منفصلة عن بعضها، ومن ضمن (رعايا) الدولة العثمانية التي كان العراق خاضعاً لها(عراقياً) واشترط أن يحــمل الجنسيـــة العثمانية هو أو أبوه أو جده لأبيه، ومــن عائلة أو عشيرة كانـــت(خاضعة) لسلطة الوالي ولديها ما يثبت هذا (الخضوع) مثل إيصالات الضرائب أو غيرها . ولتنفيذ هذه الاشتراطات كان لابد أن ينشأ جهاز (قوي) قادر على تنفيذ هذه الفلسفة، فكان أن نشأت دائرة الجنسية وكانت بحق من (أقوى) دوائر الدولة العراقية الناشئة حديثا!! وترجمة هذه القوة بتكليف العسكر وهم بقايا الجندرمة والانكشاريين العثمانيين بإدارة هذه الدائرة.وكان من الطبيعي أن يحرم آلاف العراقيين من نيل الجنسية العراقية وفقآ لتلك الاشتراطات غير المحددة التي تعطي العسكر الذي يدير دائرتها صلاحيات غير محدودة بمنح أو رفض منح الوثيقة التي أصبحت تحمل اسم شهادة الجنسية العراقية لمن يشاءون أو لا يشاءون ، وحرم ألاف السكان إما بسبب أميتهم وجهلهم بأهمية الوثائق الرسمية وحيازتها أو لخوفهم من التعامل مع السلطات،لأن التعامل مع السلطات كان لا يعني إلا إلحاق أبنائهم بالعساكر السلطانية التي تقاتل في أماكن بعيدة لا ترتجى منها عودة الأبناء ، أو لعجزهم عن تقديم ما يثبت (خضوعهم) للوالي العثماني كونهم مثلا من أبناء العشائر المتمردة دوما على الولاة أو لكونهم من سكان الحدود مع إيران كحال مئات الآلاف من (اللر) و(الكورد الفيليين) ونظرا لسيادة المنطق الشوفيني العنصري للحكم آنذاك تحولت دائرة الجنسية إلى دائرة عسكرية تماما والموظفون الذين يعملون بها يحملون رتبا عسكرية بعناوين لواء الجنسية أو عقيد الجنسية وهكذا نزولا إلى اقل رتبة وهي شرطي الجنسية وكان النفس السائد في(الدائرة) هذه المؤسسة نفسا تسلطيا صرفا وما يزل كذلك، ومعاملة الحصول على شهادة الجنسية العراقية من أكثر المعاملات تعقيدا وصعوبة لاسيما للذي لا يملك أبوه مثلها، وبعبارة أخرى فالمواطن الذي يروم الحصول على هذه الوثيقة الفريدة من نوعها يكون في دائرة الشك دائما. إن الفكرة السائدة ألان بالعــالم حول موضوع الجنسية هــي (عرض) الدول جنسيتها على من (يرغب) بها وعلى الأخص ممن يشكلون إضافة مفيدة لشعوب هذه الدول من العقول والكفاءات أو من أصحاب الثروات.. فيما الفكرة التي عندنا أن موضوع الجنسية ينظر إليها على أنها امتياز كبير، وتشترط الكثير من القوانين والتشريعات ان يكون المواطن حاصلا على الجنسية العراقية في حالات التملك والتعليم والعلاج وتولي المناصب والدخول في سلك الشرطة او الجيش.. وفي شأن الوثائق التي على المواطن العراقي حيازتها اصبح من المحتم عليه الحصول على وثيقة شهادة الجنسية العراقية الى جانب اثبات الرعوية وجواز السفر وهوية الاحوال المدنية وصورة القيد ومؤخرا صحة إصدار لكل من هذه الوثائق ، وهي وثائق يحصل عليها المواطن من خلال سلسلة طويلة من المراجعات التي تستنفد جهداً ووقتاً واموالاً سواء من المواطن او من الدولة التي حتمت عليها القوانين ان تشكل اجهزة حكومية متعددة لتنفيذ تلك القوانين ولاستخراج تلك الوثائق التي يمكن دمجها بوثيقة مدنية واحدة تحظى باحترام ولها منزلة قانونية معتبرة وليس كما هو حاصل الان الذي وصل فيه الامر الى اعتبار (كوبون) تجهيز المواد الغذائية واحداً من اهم الوثائق التي تطلبها المعاملات الرسمية الحكومية بل ربما اهمها على الاطلاق. إن النظر إلى هذا الموضوع من زاوية كونه شأنا اجتماعيا وليس سياديا او سياسيا سيحل المشكل برمته وسيتخلص المواطن العراقي من الشعور بوطأة التعامل العسكري في هذا الشأن الذي لا يجد مبرراً منطقياً لاستمراره في ظل الأوضاع الجديدة الناشئة بعد إقرار الدستور الذي به تعريف منطقي ومقبول للمواطن العراقي والمواطنة.وسيكون الخروج من شرنقة عسكرة هذه المؤسسة الحيوية والتي تتعامل مع شأن مجتمعي وتديره بروحية ينبغي ان تكون مدنية ، إيذانا بتحول مهم ومنطقي في مفاهيم المواطنة والتأسيس لها بما يعزز الثقة بين المواطن والدولة. ولنا في الخطوة المهمة التي أقدمت عليها المؤسسة العسكرية العراقية الأولى ـ الجيش والقوات المسلحة ـ بإناطة أمر إدارتها إلى مدنيين ( وزير الدفاع) ، مقدمة حسنة للتحول المنشود … والخروج من هذه الشرنقة أمر ليس بالصعب ومن الممكن تحويل العسكر الى موظفين مدنيين بعد تأهيلهم تأهيلا مناسبا وحديثا يستوعبون فيه التغيرات الدستورية التي حصلت في بلدنا ويستوعبون أيضا تجارب الآخرين. إن هناك العديد من المؤسسات التي مازالت (معسكرة) وتدار بروح العسكريتارية. وللنهوض بالمجتمع العراقي الى آفاق أرحب وبناء مجتمع مدني ديمقراطي يعيش بعيدا عن أساليب الاقسار الذي يؤسس إلى الاستبداد والقهر، ينبغي تحويل هذه المؤسسات الى مؤسسات مدنية بحتة وفي مقدمتها دوائر الجنسية والإقامة والسفر والأحوال المدنية فكل من هذه الدوائر لا يحتاج الى عسكري واحد بين صفوف من يعمل بها على الإطلاق . وليس من المقبول ان يقال للمواطن الذي يروم استخراج هوية أحوال مدنية عليك الحصول على توقيع (السيد العقيد)،ولا نجد سببا مقنعا لان يدير دائرة الجوازات ثلة من العسكر برتبهم ونياشينهم وأوامرهم. إن إحقاق حقوق الكثير من العراقيين الذين حرموا من الحصول على الجنسية العراقية يستلزم عدلا يقتضي تفكيك المؤسسات التي تعمل بروح العسكر وبناء مؤسسات مدنية بديلة . وهو أمر حيوي لبناء دولة المؤسسات والديمقراطية.

تحسين صبار – كاتب صحفي عراقي