الرئيسية » مقالات » نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراق- الحلقة الثالثة –

نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراق- الحلقة الثالثة –

حين قدمت وصفاً للحالة الفعلية التي يعاني منها المجتمع في الجانب الاقتصادي, كنت أهدف من وراء ذلك الوصول إلى تحديد إستراتيجية التنمية في العراق خلال الفترة القادمة والتي يمكن أن تمتد لعشرين سنة قادمة, أي تحديد الأهداف الأساسية التي يفترض بذل كل الجهد لتحقيقها, إذ أنها تشكل الأساس المادي لخروج العراق من الواقع الراهن وعلى مراحل أربع تتجلى في برامج أو خطط خمسية وسنوية. وهي مشكلة لا تنتهي بذلك التحديد فقط, بل تستوجب من أجهزة التخطيط وضع عدد من السيناريوهات أو المشاهد التي يتمكن العراق من خلالها اختيار الأكثر قرباً للواقع والأكثر قدرة على تحقيق ما يصبو إليه المجتمع. وعند تحديد الاستراتيجية وأدوات تحقيقها يمكن أن يبرز الخلاف بين المفكرين والعاملين في الحقل الاقتصادي. وهذا ما لمسته في صيغ الطرح المختلفة للاقتصاديين العراقيين. ولكن أبرز الخلافات في الشأن الاقتصادي العراقي ينشأ حالياً بين متبني اللبرالية الجديدة الأكثر تشدداً في تطبيق مبادئها, والتي ينتمي إليها المهندس والإحصائي الدكتور برهم صالح, وبين من يرى ضرورة الأخذ باقتصاد السوق الاجتماعي الذي ينسجم مع واقع البلاد الراهن. ورغم الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في النظام الرأسمالي العالمي التي لعبت سياسة اللبرالية الجديدة أكبر الأدوار في تفجرها, فأن هذه الإيديولوجية لا تزال تجد من يدعو لها وأكثر من منظري الدول الرأسمالية المتقدمة ذاتها, إذ أن أوباما مثلاً يسعى للتخلص منها.
فما هي استراتيجية التنمية التي أدعو إلى التفكير بها بصيغتها العامة والتي تستوجب التحديد الملموس ووضع المشاهد المتعددة لاختيار المشهد الأكثر تناغماً مع واقع وإمكانيات وحاجات العراق.
1. يتحدد الهدف المركزي منذ الآن وعلى مدى السنوات العشرين القادمة في تخليص العراق من التخلف والاعتماد الوحيد الجانب على موارد النفط في تكوين الدخل القومي. أي تنويع وتطوير الإنتاج ومصادر تكوين الدخل القومي. وهذا الهدف يتم الوصول إليه عبر ثلاثة أهداف, وهي:
2. تحقيق التنمية الصناعية استناداً لما موجود في العراق من موارد أولية خامية (النفط والكبريت والفوسفات والحديد ..) وثروة زراعية بشكل خاص. ويتوزع هذا الهدف إلى :
أ‌. تجديد وتحسين التقنيات المستخدمة في استخراج وتخزين ونقل النفط الخام وتسويقه لزيادة موارد العراق المالية الضرورية للتنمية السنوية.
ب‌. توجيه جهود مكثفة وكبيرة لتنمية الصناعات التحويلية التي تعتمد على النفط والموارد الأولية الأخرى, ومنها الصناعات الزراعية.
ت‌. تنظيم التجارة الخارجية (الاستيراد بشكل خاص) والسياسة المالية, ومنها الجمركية, بما يسهم في حماية الإنتاج المحلي من المنافسة غير المتكافئة.
3. تحقيق التنمية والتحديث الزراعي (الثروة النباتية والحيوانية والسمكية). وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية وضرورة التنسيق وتحقيق الترابط العضوي بين القطاعين الصناعي والزراعي.
4. التنمية البشرية التي تستوجب مكافحة الأمية بين الجنسين وفي المدينة الريف وتغيير مناهج التعليم العام والمهني والفني وتطوير مراكز البحث العلمي النظري والتطبيقي والتعاون والتنسيق مع المجتمع الدولي في هذا الصدد.
5. مكافحة البطالة المكشوفة والمقنعة بين الجنسين.
6. تحسين مستوى معيشة الأفراد من خلال تحقيق العقلانية والعدالة في عمليات توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي.
7. تأمين التنسيق بين التنمية الاقتصادية العامة والتنمية الإقليمية لمناطق العراق المختلفة, ومنها تنمية إقليم كردستان العراق وتنمية المحافظات وعلى مستوى المركز, من أجل إزالة تدريجية للتباين بين مختلف المناطق والمحافظات.
8. إيجاد علاقة سليمة بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة من التلوث في بلد يمتلك ثروة أولية مُلوِثة للبيئة واقتصاد متخلف وفقر واسع يساعد على حصول المزيد من التلوث.
إن تحقيق هذه الاستراتيجية في اقتصاد العراقي يستوجب التزام أدوات قادرة على المساهمة الجادة لتحقيق هذه المهمات, ومنها بشكل خاص:
1. الاستفادة من إمكانيات القطاعين الخاص والحكومي في عملية التنمية, بما في ذلك القطاع الخاص العربي والإقليمي والدولي, إضافة إلى التعاون مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
2. حماية الإنتاج المحلي من المنافسة الأجنبية خلال المراحل الأولى من تنفيذ إستراتيجية التنمية, أي تنظيم التجارة الخارجية بما يسهم في زيادة استيراد سلع الإنتاج وتقليص تدرجي لسلع الاستهلاك ووضع سياسة جمركية تساعد على تحقيق ذلك.
3. التحكم بتأمين انسياب نسبة تتراوح بين 60 – 70% من إيرادات النفط الخام صوب التثمير الإنتاجي وتنشيط القطاع الخاص لهذا الغرض ايضاً.
4. وضع سياسة مالية ونقدية, بما فيها السياسة الضريبية والجمركية, وسياسة جادة للتأمين وإعادة التأمين على نطاق البلاد كلها تتناغم مع إستراتيجية التنمية الوطنية وتساهم في تحقيق تلك الأهداف الأساسية وتنقل البلاد من حالة الاقتصاد الشمولي المتخلف إلى حالة الاقتصاد المتقدم, اقتصاد السوق الاجتماعي , إذ أن السياسة المالية والنقدية, ومعها التأمين, هي الأدوات التنفيذية للسياسات الاقتصادية.
4. تأمين وجود جهاز متقدم وحديث للتخطيط والمتابعة يأخذ بعين الاعتبار الجدوى الاقتصادية والاجتماعية من إقامة المشاريع والاهتمام الفعلي بالتنمية القطاعية والإقليمية.
5. تأمين الرقابة والمتابعة الرسمية على مستوى مجلس النواب والحكومة, والرقابة الشعبية على مستوى النقابات ومنظمات المجتمع المدني, بما فيها الأحزاب السياسية, والمجتمع بشكل عام وكذلك الإعلام بكل مكوناته.
…الخ.
إن هذه الإجراءات لا تتعرض لآليات عمل السوق, بل تسعى على تنظيمها والرقابة عليها بما لا يقود إلى تجاوزات على القوانين الاقتصادية الموضوعية وعلى مهمات التنمية أو تشديد التناقضات والصراعات الاجتماعية.
اين يبرز الاختلاف بين رؤيتي ورؤية السيد الدكتور برهم صالح لاسترايجية التنمية الوطنية؟ أختلف معه في الموقف من وحدانية الاعتماد على موارد النفط الخام ومن رفضه للتنمية الصناعية والزراعية في البلاد. فهو غير مهتم بإزالة التبعية الكاملة للنفط الخام ولا بتنمية الصناعة والزراعة, بل يبتعد عن ذكر ذلك في كل خطبه وتصريحاته وتقاريره المنشورة. وما يطرحه في مجال الزراعة يبتعد كل البعد عن حاجة العراق للتنمية الزراعية, وسياسته تساهم في تجريد ما تبقى من أرض لدى الفلاحين لصالح كبار الملاكين وأصحاب رؤوس الأموال. إذ أن الإنتاج الكبير لا يعني تجريد الفلاحين من ملكية الأرض, بل يمكن إيجاد صيغ متنوعة في هذا الصدد.
إن السياسة الاقتصادية التي يدعو لها الدكتور برهم صالح تتلخص في نقطة واحدة: الأخذ بحرية التجارة المطلقة وفتح الأبواب على مصاريعها أمام الاستيراد, دون الأخذ بالاعتبار واقع حاجة البلاد إلى التنمية الصناعية والزراعية وتنويع مصادر الدخل القومي. ونتائج هذه السياسة بارزة للعيان في كردستان العراق وفي عموم العراق حيث اختفت عملياً السلع المصنعة محلياً لتحل محلها السلع المستوردة, حتى السمنت العراقي بدأ يعاني من ذلك, وغابت السلع الزراعية, بما فيها لبن أربيل, ليحل محله ومحل بقية مشتقات الألبان السلع المنتجة والمستوردة من السعودية وتركيا وإيران وسوريا ودول الخليج. إنها سياسة مدمرة للإنتاج المحلي, إذ تجري في ظل غياب التكافؤ في فرص المنافسة تماماً, بين اقتصاد عراقي مخرب لم تساهم سياسة الحكومة في إنهاضه حتى الآن, بل في تراجعه لصالح الاستيراد, وبين سلع مستوردة من الخارج, رغم نوعيتها السيئة.
إن سياسة الباب المفتوح على طريقة اللبرالية الجديدة وجورج دبليو بوش وپول بريمر, أو منظمة التجارة الحرة, والتي يتبناها الأخ الدكتور برهم صالح, لن تخرج العراق من تخلفه ومن إنكشافه الكامل على الخارج ولن تنقذه من وحدانية الجانب والاعتماد على موارد النفط المالية, وهي ثروة ناضبة بالنسبة لأجيال العراقيات والعراقيين القادمة, بل تزيد من ذلك ولا تحقق التراكم الرأسمالي البدائي الذي يحتاجه العراق حالياً في القطاعين الإنتاجيين, في الصناعة والزراعة.
في مؤتمر بدائل التنمية في العراق أشار السيد رئيس الوزراء نوري المالكي بكلمات واضحة وبسيطة إلى هذا الموضوع فقال: “.. نحن ضد مبدأ الإيراد الواحد ولا بد أن نتجه الى زيادة عائداتنا النفطية لإحياء القطاعات الأخرى وإدامة العملية الإنتاجية”. وفي مجال نموذج التنمية فقد اشار إلى ما يلي بصواب: ” ان نظريتنا الاقتصادية ينبغي ألاّ تتخلي الدولة من مسؤولياتها بالكامل في نفس الوقت الذي لايمكن للدولة أن تنهض دون أن يكون القطاع الخاص الى جانبها”. (راجع مؤتمر بدائل التنمية في العراق, راجع جريدة المدى).
أما السيد وزير التخطيط الدكتور علي بابان فقد اشار في نفس المؤتمر حول إسترايجية التنمية, وبخلاف رأي السيد الدكتور برهم صالح, إلى نقاط أربع, ولكن يهمني منها في هذا المجال ما يلي: “ان القطاعات الاقتصادية شهدت إهمالا وتراجعا خلال السنوات الماضية جراء الاعتماد على سياسة الإيراد الواحد، واننا لا نهون من صعوبة مهمتنا في هذا الجانب اذ ان استمرار الإهمال سيجعل الاصلاح أكثر كلفة.. وأشار بابان إلى أربعة تحديات تواجه الاقتصاد العراقي مطالبا التصدي لها بجدية وحزم, .. أولا: تحرير الاقتصاد العراقي من التبعية الكاملة لإيرادات النفط وتفعيل القطاعات لتعظيم الانتاج المحلي وزيادة دخل المواطن .. ثانيا: إعادة التوازن لموازنة الدولة لصالح البرنامج الاستثماري على حساب النفقات التشغيلية”.
إن السياسة التي يريد الدكتور برهم صالح انتهاجها ستحول العراق إلى مستهلك لا منتج, إلى مستخرج للنفط الخام ومصدر له, وإلى مستلم لموارد النفط لينفقها على الاستيراد, وبهذا يكون تعظيم الثروة في الدول الأخرى, أما العراق وفق هذه السياسة فسيتحول إلى مفرط بثروته النفطية وموارده المالية في آن دون أي يحقق التراكم الضروري ووتعظيم للثروة وزيادة التشغيل وتحسين مستوى توزيع واستخدام الدخل.
يتمنى الإنسان على الأخ الدكتور برهم صالح, وهو الماسك بالملف الاقتصادي أن يعيد النظر بمواقفه الفكرية والسياسية من العملية الاقتصادية لصالح العراق حالياً ومستقبلاً, وكذلك لصالح إقليم كردستان العراق الذي تحول إلى مستهلك لا منتج في المجال الزراعي, بعد أن غابت عنه سابقاً الصناعة أيضاً.