الرئيسية » مقالات » القادسيات الكارثية في العراق:حربية،ارهابية،كيمياوية،ايمانية،فساد…هل من مزيد؟!

القادسيات الكارثية في العراق:حربية،ارهابية،كيمياوية،ايمانية،فساد…هل من مزيد؟!

ُ خازوقـُكَ أصبحَ مَجلسُنا
“يُخـَوْزقـنا” وله نـَركع ْ
خازوقـُكَ يشرب من دمنا
باللحم يَغوص، ولا يَشبَع ْ
خازوقـُكَ صغيرٌ لا يكفي
للعُـرْبِ وللعالم أجمَـع ْ


كانت مأساة 8 شباط 1963 باكورة قادسيات عراق العجائب والغرائب،وما رافقها من عسف وقمع وانتهاك للمحرمات وتعطش للدماء،قل نظيره في عالمنا المعاصر.وأشر انقلاب 14 رمضان الاسود استحواذ الفاشية على السلطة بالتحالف العريض للقوى الطبقية المتضررة من ثورة 14 تموز 1958 المجيدة – الاقطاع وكبار مالكي الاراضي والكومبرادور التجاري والعقاري واشد القوى العشائرية والدينية والطائفية الشيعية والسنية رجعية وبمباركة دعاة التعصب القومي في البلاد العربية وتركيا وايران وشركات النفط الاحتكارية وحكومات الغرب الرأسمالي،وفتح الانقلاب الاسود الابواب مشرعة للعقلية الانقلابية المغامرة وسيادة المنهج التجريبي الموالي لمصالح المراكز الرأسمالية الدولية.ومنذ اللحظات الاولى لانقلاب شباط المشؤوم بدأت الحملات المنظمة للقتل والاعتقالات والتصفيات في اجواء من الهستيريا والوحشية،وبتشجيع ودعم خارجيين.
واصل انقلابيو تموز 1968 القادسيات الكارثية،وتكاملت صورة المشهد التراجيدي باستحواذ صدام حسين في تموز 1979 على الموقع الاول في السلطة،ليسفر الامر عن دكتاتورية فاشية سافرة جلبت البؤس والخراب والدمار والحروب والحصار لبلدنا وابناء شعبنا،الذين ورثوا،بعد رحيل طغمة صدام،تركة ثقيلة ما زالت تلقي بظلالها على جميع مناحي وحياة مجتمعنا.وكان الكيماوي سلاح دمار شامل استخدمته كلتا الدولتين المتحاربتين،العراق وايران،بالعقد الثامن من القرن المنصرم في الحرب العبثية التي طالت ثماني سنوات،وتحت مرأى ومسمع المجتمع الدولي والمنظمة الدولية – الامم المتحدة دون ان يتحركا ساكنا.ودشن استخدام الكيمياوي في حينه مرحلة تاريخية في الشرق الاوسط اتسمت بفوضى السوق والإيرادات الاقتصادية والعسكرية المتنامية من كل حدب وصوب.الكارثة الاخطر ان صدام حسين استخدم الكيماوي ايضا في حرب ابادة شاملة ضد الشعب الكردي لتحطيم ارادته،وفي سياق سياسة تطهير عرقي فريدة من نوعها.
قادسيات روزخونية عهد ما بعد التاسع من نيسان 2003 ماهي سوى امتداد لحركات الارتداد عن مسيرة ثورة 14 تموز ومواصلة نهج خداع الشعب العراقي بالنفعية والانتهازية وموالاة احضان مراكز العولمة الراسمالية.واستغل الطراطير- العصابات – الميليشيات(جيش شعبي،جيش القدس،فدائيي صدام،قوات بدر،جيش المهدي،جيش عمر،فرق الموت،الجيش الاسلامي،كتائب الحسين،كتائب علي،جند السماء،القاعدة،مجالس الاسناد..الخ)الدين والطائفية ونفوذ المرجعيات الدينية وقدسيتها اسوء استغلال ليعيثوا بالارض فسادا..فاللجوء الى الدين والطائفية السياسية ليس مؤشرا على تخلف الفكر السياسي،ولم يكن ملازما للمجموعات الاجتماعية التقليدية فحسب من مشايخ وفلاحين واقطاع ورجال دين بل ايضا لقادة البورجوازية والبورجوازية الصغيرة ايضا!وبالاخص البورجوازية الكومبرادورية والطفيلية التي ربطت مصالحها بالمصالح الاجنبية.
تتحول قادسيات الفساد من ظاهرة الى نظام وطريقة للحياة في بلادنا،وآلية لعمل دوائر الدولة العراقية وشركات القطاع الخاص والمؤسساتية المدنية والمجتمعية.واهم مظاهره الرشوة التي تتعدد انواعها،واهمها الرشوة التي تدفع من اجل الحصول على منفعة ما،وبالاخص المنافع الحكومية،وكذلك لتحقيق المآرب والمصالح الخاصة.لقد تحولت الرشوة في بلادنا الى لزوم مهم للمشاريع ولتسيير بعض حلقات العمل الاداري هنا وهناك،وممارسة اجتماعية ناجعة للحصول على الحقوق.ولا يمكن لكاشفي وفاضحي الفساد الاستمرار،ما لم يكونوا ذوي نفوذ وقدرة وسلطان،والا عليهم الهروب او التراجع!ان مجرد ابداء الاستعداد لبيع الدولة بعض من مؤسساتها الاقتصادية يخلق بحد ذاته الحافز الكبير للفساد والافساد.ويمتد الفساد الى ما وراء الاختلاسات المالية ليشمل العديد من مظاهر”سوء استغلال النفوذ والسلطة”مثل المحاباة والمحسوبية والمنسوبية والاكراه والترهيب والاستغلال وشراء الذمم وتقاضى العمولات ونظام الواسطة بهدف تحقيق مآرب سياسية او اجتماعية او تغيير النتائج الانتخابية واعمال التقييم والاستفتاء وتمشية المعاملات او عرقلة المساعدات الانسانية وتحويلها الى مجموعات غير محسوبة اصلا.ومن الطبيعي ان يكون لانتشار الفساد الآثار والتداعيات السلبية على مجمل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية!
وتعددت قادسيات الفساد في العراق فمن الروتين القاتل الذي لا يتحرك الا بالرشوة،الى الغش والبيروقراطية وتزوير العلامات التجارية الوطنية والعالمية على الأغذية والصناعات التجميلية والأدوية،وتزوير الوصولات والمعاملات،الشهادات العلمية المزورة،الى تجارة الاعضاء البشرية،تهريب النفط وتجارة السلاح والمخدرات والادوية،تزوير العملات والوثائق والمستندات الحكومية،المتاجرة بالنساء،تجارة الاختطاف لقاء الفدية او تأجير القتلة لتنفيذ التصفيات- وبينها تصفيات بحق المعترضين على اللصوصية والفساد،مرورا بتجارة النفايات واستخدام الاساليب العصرية في عمليات الاحتيال والنصب الالكتروني المنظم التي لا تترك اثرا او دليل ادانة للجاني،وزراء يتحصنون بالشراكة التجارية مع النواب لتجنب الاستجواب وليخفق مجلس النواب في تطبيق الدور الرقابي،غسيل الاموال والشركات الوهمية،فساد عسكري وميليشياتي،ثقافة”اخبطها واشرب صافيها””اقتل وسر في جنازة القتيل في المقدمة”،الفساد الانتخابي باستحواذ عددا محدودا من القوائم الكبيرة التي يحقق بعض مرشحيها القاسم المشترك الانتخابي على ملايين الاصوات رغم ارادتها.
يتواصل مسلسل القادسيات الايمانية،التي استهلها صدام الكلب بحملته المعروفة البائسة،كما تعرضت المرأة العراقية في العهد الدكتاتوري لكثير من صور العنف من أبرزها المقابر الجماعية التي ضمت الكثير من النساء،وواجهت المرأة منظمة اتحاد نسائي لا تمثلها وهي مرتبطة بالأجهزة الأمنية للنظام وتأتمر بأوامره،وتعرضت للذبح بما يسمى بسيف صدام بدعاوى وهمية غير مؤكدة تعتمد على وشايا البعض،وجرى تشريع قانون في عام 1990 يحلل قتل المرأة التي يشتبه بأنها ارتكبت جريمة تخل بالشرف دون محاكمة أصولية بل عبر لجنة أمنية تهدف الى فرض هيمنة النظام المستبد.واليوم ينصب مسؤولو الحكومة العراقية،وفي مقدمتهم رئيس الوزراء،انفسهم متحدثين اخلاقيين الى وعن الشعب العراقي،وكأنهم خبراء ومتخصصين في سلوك وتصرفات هذا الشعب المغلوب على امره،ليحددوا له ما يصح وما لا يصح،ما يناسب وما لا يناسب،وليذكرونا بمهازل خير الله طلفاح!وكانت آخر القادسيات الايمانية محاولة طراطير مجلس النواب العراقي منع تعاطي المشروبات الكحولية،لتغطية عوراتهم الفاسدة وادمانهم على شرب كؤوس نتانات الاقتصاديات المريضة للبلدان المجاورة!
من الضروري بلورة استراتيجية تنموية تهدف الى اعادة بناء وتطوير القطاعات الانتاجية وفق اولويات واضحة،واتخاذ خطوات ملموسة لحماية المنتجات الوطنية وتشجيع الاستثمار ومكافحة القادسيات الكارثية،وفي مقدمتها الفساد وعرابوه من خنازير التجارة.

بغداد
25/5/2009