الرئيسية » مقالات » بين تعقيدات الحوار الوطني والاستحقاقات الوطنية العاجلة

بين تعقيدات الحوار الوطني والاستحقاقات الوطنية العاجلة

* إن الصراع بين فتح وحماس، من زاوية معينة، هو صراع على السلطة.. وقد تراجعتا في جولة 27/4/2009 عن الاجماع الوطني على اعتماد مبدأ التمثيل النسبي في الانتخابات لصالح النظام المختلط بين الدوائر والتمثيل النسبي
* صراع فتح وحماس على السلطة يفسر نزوعهما نحو الحوار الثنائي لتقوم الحلول على مبدأ المحاصصة بديلا للشراكة السياسية الشاملة
* إن تجربة الحوار الوطني الممتد ولا سيما جولاته الثنائية الإقصائية لا تنبئ بإمكانية التوصل سريعا إلى اتفاق حول قضايا الخلاف
* يجب ألا نقبل، تحت وطأة الانقسام، بتراجع الاهتمام بالقضايا الوطنية الكبرى، وهي كلها تتمحور حول الصراع مع الاحتلال والاستيطان والتهويد
* إن الحل الواقعي، في ضوء تعذر حكومة وفاق وطني، يكون بتشكيل حكومة جديدة تحت سقف م.ت.ف، وبمشاركة فصائلها تضطلع بمهماتها، بديلا لحكومة تسيير الأعمال المقبلة، إلى أن يصل الحوار إلى نتائجه النهائية

1- تحتدم المنافسة وصولاً إلى الصراع على النظام السياسي الفلسطيني وحول قواعد وأسس تطويره، إن لم يكن إعادة صياغته في بعض المجالات. ويدور هذا الصراع على عدد من القضايا الرئيسية، تتصل بنسقي هذا النظام: منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، بتمايزهما واستقلالهما عن بعضهما البعض، لكن أيضاً بتداخلهما المؤسسي في مفاصل رئيسية، ضمن إختصاصات محددة وتراتبية واضحة، تفرد للمنظمة مكانة المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني بأسره وللسلطة الفلسطينية في آن، ومن هنا تَصدّر المنظمة لهذا النظام. كما تفرد للسلطة الفلسطينية مسئولياتها في الإدارة السياسية وفي الشأن الحياتي بنطاق ولايتها على الشعب والأرض في الضفة والقطاع، وإن كانت هذه الولاية – إذا اعتدلنا في التعبير – منقوصة بقيود وإكراهات الحكم الذاتي الرازح تحت الإحتلال.
بالنسبة للمنظمة فإن الصراع يدور حول إعادة بنائها على أسس ديمقراطية وتعددية، من خلال تفعيل وتطوير هيئاتها ومؤسساتها. والبوابة الأهم لهذا كله هي إنتخاب مجلس وطني جديد في الوطن وحيث أمكن في الشتات، بالإعتماد على قانون إنتخابي يقوم على النسبية الكاملة. والأمر نفسه ينطبق على السلطة الفلسطينية من بوابة إنتخابات رئاسية وتشريعية بسقف 25/1/2010، أيضاً بواسطة قانون التمثيل النسبي الكامل. دون أن ننسى إنجاز إنتخابات المجالس المحلية والبلدية سواء تلك التي إنقضت ولايتها أو التي لم تجرها اصلاً، وتعميم التمثيل النسبي الكامل على سائر مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في الوطن والشتات، وبخاصة الإتحادات الشعبية والمهنية والنقابات ومجالس الطلبة وغيرها.
كما يدور الصراع حول أسلوب إستعادة وحدة المؤسسات الفلسطينية التي إنقسمت على نفسها بفعل إنقلاب 14/6/2007، والصيغة التي سترسو عليها: فدرالية في إمتداد الشرخ السياسي والجغرافي، أم موحدة حقاً بتجاوز صيغ الإنقسام السافر أو المقنع.
صراع على السلطة
2 – هذه القضايا وغيرها شكلت جدول أعمال مؤتمر الحوار الوطني الرابع الذي إنطلقت أعماله في القاهرة على ست جولات حتى الآن، أفتتحت في 26/2 وتواصلت في 10-19/3 و 2/4 و 27-28/4، و16-17/5/2009. وإن سجلت جولتا الحوار الأولى والثانية تقدماً في عدد من القضايا المطروحة، فقد راوحت الجولات الأخرى في المكان، لا بل تراجعت جولة 27-28/4 عن أهم إنجازات ما سبقها عندما شرع وفدا فتح وحماس في بحث درجة التنازل عن التمثيل النسبي المجمع عليه فصائلياً (باستثناء حماس) وعند المستقلين، لصالح إعتماد قانون إنتخابي مختلط (دوائر + تمثيل نسبي).
إن وقائع الجولات الحوارية المتعاقبة معممة وباتت معروفة، بما في ذلك إقتصار الجولات الأربع الأخيرة على فتح وحماس بخلاف شمولية التمثيل في الجولتين الأسبق، الأمر الذي عزز نزوع هذين التنظيمين إلى حل المشكلات الوطنية العالقة وكأنها مشكلات ثنائية، وبأسلوب التوافقات التي تقود إلى صفقات تحاصصية ثنائية (بمثال إتفاق 8/2/2007 الذي قاد بعد شهور قليلة إلى إنفجار 14/6/2007)، صفقات تجمد الصراع ظاهرياً بينهما على القشرة إلى حين، قبل استئنافه بعنف مضاعف بعد فترة وجيزة.
وفي حقيقة الأمر، فإن المنافسة الصراعية الناشبة فصولاً على إعادة صياغة النظام السياسي لا تقتصر على فتح وحماس، بل تشمل مكونات أخرى في الحالة الفلسطينية واتجاهات (سياسية كما مجتمعية) لا يستهان بنفوذها، تنطلق من ضرورة تجاوز المضمون السلطوي للصراع، وتضغط من أجل وضعه خلف الظهر، التماساً لمضمون ديمقراطي حقيقي يرقى بمستوى النظام السياسي لجهة توسيع التمثيل وتوحيد الشعب والمجتمع وتعبئة أفضل لطاقاته ومواهبه وتظهير أوضح لأفضلياته الوطنية والإجتماعية في شتى المجالات.
إن الصراع الدائر بين فتح وحماس، من زاوية معيّنة، هو صراع على السلطة، صراع منحاه من يمسك بالسلطة في إطار النظام السياسي الفلسطيني، ما يقود تلقائياً إلى تسليط الضوء على بعد آخر، مختلف تماماً، من الموضوع، يتصل بموقف أوسع القوى (السياسية والمجتمعية) التي تناضل من أجل إصلاح هذا النظام من منطلقات ديمقراطية حقيقية، تعبر عن تطلعات الطبقة العاملة وأوسع الفئات الشعبية وطلائعها المنظمة، وطموحات الفئات الوسطى ونخبها شديدة التأثير في المجتمع، وتصل إلى شرائح معيّنة من البورجوازية الوطنية تدرك سلبيات ومخاطر الصراع الثنائي على السلطة في حال استمراره، وكما في حال حسمه، فنموذج «الحكم» السابق للانقلاب، كما نموذج «الحكم» الذي تلاه – رغم الإختلاف النوعي بينهما، وهذا أمر بيّن- لا يزكي أي منهما بالنسبة للأوساط الإجتماعية المذكورة.
الصراع على السلطة هو الذي يفسر نزوع فتح وحماس لعقد الصفقات الثنائية، وفحواها تقاسم السلطة باعتبار أنه ليس بمقدور أي منهما –في المدى المرئي- أن يحسمها لصالحه، مع الإشارة إلى أن هذا النزوع أكثر ثباتاً عند حماس، القوة الصاعدة.. واقل ثباتاً عند فتح، القوة المتراجعة.. التي تجد مصلحتها في الإستعانة بتحالف منظمة التحرير للحفاظ على مواقعها في مؤسسات نسقي النظام السياسي (المنظمة والسلطة)، دون أن يعني أن حماس –بدورها- لا ترعى تحالفاتها الخاصة.


وصراع من أجل التطور الديمقراطي ..
3 – الصراع من أجل التطوير الديمقراطي للنظام السياسي، بنسقيه، هو الذي يحدد بالنسبة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين درجة التلاقي مع أو الإبتعاد عن طرفي الصراع على السلطة، فالجبهة الديمقراطية ليست من أنصار الوقوف على نفس المسافة الستاتيكية الجامدة من طرفي الصراع. ومواقفها حيال أي قوة سياسية – وهذا ما ينطبق بالتأكيد على طرفي الصراع على السلطة – يحدده الموقف السياسي لهذه القوة من القضية المطروحة، إقتراباً منها أو إبتعاداً عنها. والأولوية التي تحكم سياسة الجبهة الديمقراطية، باستمرار، هي أولية إستخلاص الجامع الوطني المشترك بين أوسع القوى. وفي هذا الإطار يجب التأكيد أن الجبهة الديمقراطية أنها سعت بكل طاقتها في إطار مشاركتها بمؤتمر الحوار الوطني من أجل تقديم حلول مبدأية وواقعية لحل قضايا الخلاف التي مازالت تعترض سبيل التوصل إلى حل يعبر عن الإجماع الوطني، والجبهة الديمقراطية ستبقى تناضل من أجل:
* إقرار قانون إنتخابي يقوم على مبدأ التمثيل النسبي الكامل وبدون عتبة حسم. وبأقصى الحالات يمكن القبول بنسبة حسم لا تتعدى الواحد (1%) أو الواحد والنصف (1.5) بالمئة، وذلك من أجل ضمان أوسع مشاركة سياسية ومجتمعية ممكنة في الأطر التشريعية (المجلس الوطني + المجلس التشريعي) توطيداً للوحدة الوطنية واسترشاداً بالتجارب المتقدمة للشعوب (جنوب إفريقيا الخ..).
* إجراء إنتخابات للمجلس التشريعي ولرئاسة السلطة حتى موعد أقصاه 25/1/2010 إلتزاماً بالإستحقاقات المحددة قانوناً، وإفساحاً للمجال أمام الشعب، بعيداً عن ترهات أن هذا التنظيم أو ذاك لم يأخذ فرصته في «الحكم» كاملة، لكي يجدد الشعب الولاية لمن يعتقد أنه أفضل من يعبر عن رأيه ويدافع عن مصالحه.
* توحيد فعلي للأجهزة والمؤسسات المنقسمة على نفسها يأخذ بالإعتبار البعدين الإجتماعي (عدم رمي الموظفين في مجهول البطالة) والقانوني (قانون الخدمة) للمسألة.
* حل مبدأي وعملي لإشتراك نواب الشعب المعتقلين في سجون الإحتلال بأعمال المجلس التشريعي، بما في ذلك التصويت على مشاريع القرارات والقوانين الصادرة عنه، وذلك من خلال رفض منحى الإقصاء التام للنواب المعتقلين، كما ورفض بدعة التوكيلات التي تكشف التشريعي على طعون في مكانته التمثيلية والقانونية. وعليه تقترح الجبهة الديمقراطية صيغة حل تجمع ما بين إقرار ميثاق شرف بعدم الإستغلال الحزبي والسياسي لواقع إعتقال النواب من أجل فبركة أكثريات عددية من جهة، ومن جهة أخرى إعتماد آلية للتعويض تقوم على الإستبدال المؤقت للنواب المعتقلين من بين المنتخبين أصلاً على القائمة النسبية – وليس الدوائر – .
* إنتخابات فورية للمجالس المحلية والبلدية التي إنقضت فترة ولايتها أو التي لم تنتخب أصلاً، وضد سياسة التعيين التي تسعى بعض الأوساط لفرضها.
* إصدار قانون إنتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني على قاعدة التمثل النسبي الكامل، وبالتوازي مع هذا تفعيل سائر مؤسسات منظمة التحرير.
* تشكيل حكومة وفاق وطني لفترة إنتقالية وإلى حين إجراء الإنتخابات الرئاسية والتشريعية بما لا يتجاوز 25/1/2010. أما البرنامج السياسي لهده الحكومة، ومن أجل تجاوز الخلاف القائم – والمفتعل إلى حد ما – بين صيغتي الإلتزام بالإتفاقيات التي وقعت عليها قيادة منظمة التحرير أو إحترام هذه الإتفاقيات، فبالإمكان الدفع باتجاه صيغة تنطلق من التأكيد على كون المنظمة هي المرجعية السياسية العليا للسلطة الفلسطينية، وبأن اللجنة التنفيذية هي المعنية بإدارة العملية السياسية (التفاوضية)، وعليه تساند حكومة الوفاق الوطني تلك المساعي السياسية التي تؤدي إلى تنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
* أما بالنسبة للمفاوضات التي تجددت إنطلاقتها مع إنعقاد مؤتمر أنابوليس (27/11/2007)، فمن الواضح أنها لم تؤدِ إلى تجميد الإستيطان الذي تسارعت وتيرته رغم المثابرة على خط التفاوض، ما يعني المطالبة بوقفها لعبثيتها وربط استئنافه بتجميد كلي ونهائي لإستيطان الضفة وبناء الجدار وتهويد القدس.
هذا هو موقف الجبهة الديمقراطية حيال القضايا الخلافية التي نشأت في مجرى الحوار الوطني والتي لم تجد حلاً لها حتى الآن، وهي التي تشكل بالنسبة لنا مقياس التعامل السياسي مع القوى الفلسطينية، فنلتقي مع من يلتقي معنا عليها، وفي الوقت نفسه نواصل الجهد لتوسيع دائرة القوى التي تتقاطع مع هذه المواقف أو بعضها.
إن تجربة الحوار الوطني الممتد، لا سيما جولاته الثنائية الاحتكارية والاقصائية، لا تنبيء بإمكانية التوصل سريعاً إلى إتفاق حول القضايا المثارة، خاصة إذا أخذنا بالإعتبار التداخل القائم بين ملف الانقسام الداخلي الفلسطيني وملف الإنقسامات العربية التي لم تجد طريقها بعد إلى الحل بأفق استعادة التضامن العربي.
حكومة.. وحكومة
4 – إن هذا لا يعني ولا يمكن أن يعني إسقاط الحوار الوطني والأهمية الفائقة له، إن لم يكن أولوية بذل كل الجهود الممكنة للإمساك بجميع الفرص المتاحة من أجل مواصلة الحوار الوطني، مهما بلغت مشقاته ومهما طال الزمن.
لكننا في الوقت عينه، لا يجب ولا يمكن أن نقبل بتراجع الإهتمام بالقضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمها الإحتلال وما يقدم عليه الإحتلال يومياً من ممارسات استيطانية للضفة، وتهويدية للقدس، وضم وإلحاق من خلال الجدار وقمع من خلال الإعتداءات المتمادية على الضفة والقطاع والحصار الظالم المفروض على أبناء الشعب الفلسطيني في غزة. ومن هنا ضرورة التأكيد على مواجهة الإحتلال بكافة تجلياته عبر تجاوز تداعيات الانقسام السياسي، رغم معرفتنا بالتأثيرات السلبية لهذا الانقسام على تعبئة الطاقات وتوحيدها في مجرى النضال اليومي ضد الإحتلال والاستيطان.
5 – أما فيما يتعلق بالحكومة، فالواضح تماماً أن حكومة الوفاق الوطني المنشودة ستكون ثمرة لمسار حواري يتكلل بالنجاح، فما العمل خلال الفترة الإنتقالية التي تفصلنا عن هذا الإستحقاق والتي قد، لا بل من شبه المؤكد أنها قد تستغرق شهوراً للاسباب التي سبقت الاشارة إليها في أكثر من مناسبة: عدم توفر نسبة قوى داخلية تسمح بتجاوز العقبات، وعدم توفر حالة محيطة – رغم التحسن الطفيف الذي طرأ عليها في الشهور الأخيرة – تجيّر لصالح معالجة الإنقسام الفلسطيني بدلاً من إدامته أو حتى تعميقه.
كما أنه من الواضح أن الحكومة الحالية التي قدمت إستقالتها مع بداية الحوار الوطني، وهي حكومة غير فصائلية من حيث التشكيل بعيداً عن سياستها التي لم تخرج عن دائرة السياسة المقرة من قبل رئاسة السلطة. ومع أننا لسنا بصدد تقييم أعمال هذه الحكومة التي تشكلت إثر إنقلاب 14/6/2007 إنفاذاً لحال الطواريء التي أعلنت في حينها، والتي تحولت إلى حكومة تسيير أعمال بعد أربعة أسابيع من تشكيلها بعد أن فشلت – أو أُفشلت – المساعي الرامية لمثول هذه الحكومة برئاسة د. سلام فياض أمام المجلس التشريعي، ومع ذلك نورد باختصار ما استخلصته بهذا الشأن دورة اللجنة المركزية الأخيرة للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في مطلع شهر أيار (مايو) 2009:
«عدم نجاعة السياسة الداخلية التي انتهجتها السلطة في الضفة الغربية، ممثلة بحكومة سلام فياض، وبخاصة على الصعيدين الاقتصادي والأمني، واخفاقها في أحداث اختراق حقيقي في تحسين مستوى حياة المواطنين. على الصعيد الاقتصادي. إن السياسات النيولبرالية التي اعتمدتها حكومة فياض نجحت في تحريك السوق ولكنها عجزت عن إحداث نمو اقتصادي يمكن من معالجة ملموسة لمشكلتي الفقر والبطالة. أما على الصعيد الأمني فإن التقدم الذي أحرز في إنهاء مظاهر الفوضى والفلتان الأمني في الشوارع فَقَدَ ميزته في أعين المواطنين لكونه اقترن بالتنامي الخطير للميول والممارسات الاستبدادية والسلطوية التي تمس بحريات وكرامة المواطنين وحقوقهم الديمقراطية، وتشجع النزوع نحو تغول السلطة التنفيذية وتفلتها من أية رقابة شعبية وبرلمانية وبخاصة في ظل شلل المجلس التشريعي. ويزيد من وطأة هذه الممارسات كونها تأتي في سياق سياسة تشدد على الالتزام، ولو من جانب واحد، بالتعهدات التي تفرضها الاتفاقيات إرضاء للراعي الأمريكي».
في معنى الاعتراضات
6 – إنطلاقاً من هذا نجد أنفسنا أمام حوار وطني يراوح في المكان وحكومة تصريف أعمال غير فصائلية تدور في الفلك السياسي للسلطة ودون مستوى المعالجة الناجعة لملفي الإقتصاد والأمن الداخليين. كما نجد أنفسنا أمام حكومة أمر واقع – على الجهة الأخرى – أعادت تشكيل نفسها عملياً من جديد بعد إنقلاب 14/6 وآخرها في 12/5/2009 بترميم وتعديل واضافة وزير داخلية جديد، ودون أي اهتمام بالحوار المقرر في 16/5/2009 بين فتح وحماس، بعد أن إنخفضت إلى 4 وزراء ليس إلا، إثر خروج وزراء فتح وفصائل المنظمة منها إلى جانب وزراء حماس المقيمين في الضفة الغربية. وهذا الوضع – في حال إستمراره – ينذر بمزيد من التآكل في الحالة الوطنية، وبمزيد من التراجع في مكانة حكومة تصريف الأعمال ودورها التي لم يعد بالإمكان أصلاً أن تستمر في تحمل مسئولياتها بعد أن تقدمت باستقالتها.
إن الحل الواقعي، في ضوء تعذر تشكيل حكومة وفاق وطني في المدى المرئي، يكون بتشكيل حكومية جديدة تحت سقف منظمة التحرير وبمشاركة من فصائلها، حكومة مؤقتة تضطلع بمسئولياتها لفترة إنتقالية إلى إن تنشأ حالة فلسطينية أخرى بنتيجة الحوار الوطني ومن خلاله، جاهزة مرة أخرى للتلاقي بين مختلف أطرافها على أرضية مشتركة وتحت راية ما تتفق عليه.
وليس ثمة تعارض بين هذه الحكومة ومواصلة الحوار الذي إنطلق أصلاً ضمن حالة حكومتي الأمر الواقع وتصريف الأعمال. وبالقدر نفسه لن تشكل هذه الحكومة عائقاً يعترض سبيل تكلل الحوار الوطني بالنجاح، فكما استقالت الحكومة الحالية عند مباشرة الحوار بإمكانها أن تستقيل عند إختتامه بالنجاح. أما الإعتراضات التي أنتصبت في وجه التمهيد لإعلان تشكيل هذه الحكومة المؤقتة لفترة إنتقالية، فإنها إنطلقت من اعتبارات متباينة فيما بينها، لا بل متناقضة في بعض الاحيان:
* فهناك إعتراض أوساط فتحاوية ترى بأن تشكيل حكومة من فصائل المنظمة تقتضي أن يترأسها قيادي من حركة فتح، وأن تضم عدداً وافراً من وزراء الحركة باعتبارها الفصيل الأكبر من المنظمة. إن هذا الإعتراض يعبر إلى جانب طموح التنظيم لرعاية مصالحه، عن صراعات داخلية حول تقاسم إمتيازات السلطة ومغانمها.
* وهناك إعتراض من قوى داخل المنظمة بدعوى أن تشكيل حكومة جديدة يعمق الانقسام ويفاقم المشكلة ويعطل التقدم نحو إنجاز التسوية الوطنية. وفي هذا مبالغة واضحة بدليل أن كلاً من الإنقسام والحوار تجاورا مع حكومتين على إمتداد سنتين كما جرت الإشارة. والواقع يقول إن وجود حكومتين هو إنعكاس لحال الانقسام وليس سبباً له وأن استمرار الإنقسام هو الذي يعمقه وليس تشكيل حكومة أو تعديل حكومي إمتداداً لما سبق. وقد أكدت نتائج جولة 15 ـ 16/5/2009 أن الفشل ليس سببه تشكيل حكومة جديدة بل سببه أمور أخرى سبق وأن أشرنا إلى معظمها. ومن الواضح أن لدى بعض من يتبنى هذا الموقف إعتبارات لا يفصح عنها، ليس اقلها عدم رغبته في تعريض علاقاته الفئوية الخاصة مع بعض القوى الفلسطينية والاقليمية إلى التوتر والإهتزاز.
* وهناك إعتراض من موقع القطب الآخر في الصراع الداخلي المحتدم بينهما حيث من المتوقع أن يحمّل «خصمه» – إذا جاز التعبير – مسئولية أي خطوة يقدم عليها في سياق الحملة السياسية – الاعلامية شبه اليومية التي تدار من على منابر الفضائيات ومنابر إعلامية أخرى.
إن موجة الاعتراض هذه – على تباين جهاتها والتناقض فيما بينها – من المتوقع أن تنحسر تحت وطأة الإعتبارات الوطنية والعملية التي تملي تشكيل حكومة مؤقتة لفترة إنتقالية تحت سقف المنظمة وبمشاركة أكبر عدد ممكن من فصائلها، لتجاوز ما أمكن من ثغرات وتقصيرات وتجاوزات حكومة تصريف الأعمال، بحكم الرقابة المتبادلة التي نفترض أنه سيكون بوسع الفصائل المشاركة أن تجريها على أداء بعضها البعض، والنضال لتصحيح سياسة الحكومة الاقتصادية والاجتماعية النيوليبرالية وفق وصفات البنك الدولي ووصفات صندوق النقد الدولي، وكذلك لتوفير شروط تسمح بمواصلة الحوار بطموح اختزال الوقت اللازم لإنجاز الإتفاق الوطني الشامل والإنتقال إلى حكومة الوفاق الوطني المأمولة.

فهد سليمان / عضو المجلس المركزي في م.ت.ف.
وعضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين