الرئيسية » مقالات » الخيار الوطني بديلاً عن لعنة الطائفية

الخيار الوطني بديلاً عن لعنة الطائفية

مع اقتراب موعد إجراء انتخابات مجلس النواب المتوقعة في مطلع العام القادم وبدء التحضيرات لها، بدأت الكتل السياسية بالإعلان عن خططها وبرامجها والمهمات الملقاة على عاتقها بهدف انتقال العراق كلياً إلى بر الأمان وترسيخ العملية السياسية والديمقراطية في البلاد.
إن بعض التيارات الدينية السياسية، كما يبدو، لم تستخلص العبر والدروس من نتائج انتخابات مجالس المحافظات. فهذه النتائج دللت بشكل قاطع على رفض العراقيين للخيار الطائفي وتمسكهم بالخيار الوطني. ولكننا نرى الآن إن البعض في قيادة “الائتلاف العراقي الموحد” الطائفي المهشم يسعى إلى إعادة الحياة لهذه التشكيلة الطائفية التي تعد بمثابة العودة لنقطة الصفر، التي لم تحقق للعراقيين الأمن والاستقرار. فالخيار الطائفي، على سبيل المثال، قدم لنا وزيرين إرهابيين قتلة ليجلسوا على كرسي وزارة الثقافة، وليست أية وزارة أخرى. والطائفية هي التي جلبت نواب يفجرون مبنى البرلمان وآخرون من أقرانهم يمهدون لهم الطريق ويعطون الإشارات كي يسهلوا هروب هؤلاء من قبضة العدالة. والطائفية هي التي نصبّت بعض الوزراء المثقلين بمرض الفساد الإداري والمالي، والذين يهددون من يفشي سرهم بالويل والثبور كما حصل لوزير التجارة الحالي. والطائفية جاءت لنا بوزير للصحة كان يشجع زملاء له في عهد الطغيان على إرتكاب الرذيلة والسمسرة لإرضاء أسياده البعثيين، كما كشف ذلك أحد الأطباء الذين عملوا معه في مدينة كربلاء.
إن الإصرار الذي تبديه بعض القوى الطائفية على هذا الخيار يبدده كل ما شاهدناه من آثار دامية ومدمرة على العراقيين خلال السنوات الماضية على يد أنصار الطائفية. وهذا الإصرار لا يأتي بمعزل عن ضغط حكام التطرف الطائفي الإيراني على بعض قوى الائتلاف العراقي الموحد خشية ضياع الصيغة الطائفية للائتلاف العراقي الموحد وخسارة قدر من نفوذها في العراق، أو ما يتركه هذا الضياع من تأثيرات على البناء الطائفي الإيراني. كما يأتي هذا الإصرار بفعل ضغوط تمارسها داخل البلاد مراكز وشخصيات دينية طائفية بهذا الاتجاه. وينطبق نفس الأمر على أطراف في تكتل التوافق من التي تمارس نفس البدعة الطائفية، والتي تمثّلت في إصرار الحزب الإسلامي العراقي مثلاً على الحفاظ بـ “الورث” الطائفي وتكريسه من خلال مطالبته في تعيين أحد قادته رئيساً لمجلس النواب بعد استقالة المشهداني، بالرغم من دعوات هذا التكتل المتكررة لنبذ الطائفية، وبالرغم من أن الفرصة كانت سانحة أمامه لتحقيق هذه الدعوة وقلب الطاولة على الخيار الطائفي وتعيين من هو الأنسب والأكثر قبولاً وغير طائفياً في هذا المنصب.
ولكن كما يبدو أن الرأي العام العراقي يقف بالمرصاد لأنصار التمسك بالخيار الطائفي بعد أن خبر آثامها، وراح يضغط وبقوة للتخلي عن هذا المعيار الضار بعد أن قدم الآلاف من الضحايا في ميدان الصراعات الطائفية. فلقد تبلورت تيارات مؤثرة ومعاكسة في الساحة العراقية، ومن بينها ما أعلنه رئيس الوزراء عن عزمه لطرح مشروع وطني عراقي ينبذ المحاصصة الطائفية والتوافق الطائفي و “الديمقراطية التوافقية المزعومة” لخوض انتخابات مجلس النواب القادم وفي العمل السياسي عموماً. إن هذا المسعى، الذي نتمنى أن يأخذ طريقه، هو الذي يستجيب لمطامح العراقيين. وقد تأكد التمسك به من قبل الرأي العام العراقي من خلال ما حصلت عليه قائمة “ائتلاف دولة القانون” التي يتزعمها رئيس الوزراء السيد نوري كامل المالكي من نجاحات ملحوظة في انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة بعد أن أكد زعيمها على التمسك بالخيار الوطني ونبذ الطائفي.
إن المنحى الأول لم يقدم للعراقيين وسوف لن يقدم لهم سوى حالة خطرة من عدم الاستقرار والتوتر الدائم والمآسي والتجاذب الطائفي الذي أدى خلال السنوات الست الماضية إلى نزاع دموي رهيب هدد العراق بحرب طاحنة. كما أدى هذا المنحى إلى تعثر إعادة البناء وإلى الفساد المالي والإداري، وأغرق العراق في صراعات بين أطراف الطائفية السياسية والأحزاب الدينية. كما أدى هذا النهج إلى تقاسم المراكز والمناصب على أساس الانتماء الطائفي وليس على أساس الكفاءة ومعايير المواطنة والهوية العراقية، بحيث تحولت مرافق الدولة إلى بؤر وضيعات طائفية، وليست مؤسسات وطنية تخدم العراقيين بغض النظر عن انتماءاتهم. ولقد قدم الخيار الطائفي أوراق رابحة إلى كل من يهدد العراق من فلول العهد البعثي المباد والإرهاب الدولي وعصابات الجريمة المنظمة، كما أعطى كل الفرص للدول والتيارات الطائفية الإقليمية للإمعان في تدخلها وتخريبها في العراق.
ومن هنا يترتب على القوى الطائفية السياسية من شتى الألوان إن تعي خطورة الخيار الطائفي، وتبدي الحرص على مستقبل البلاد وأرواح العراقيين، كما يعلن أقطابها على الدوام. وأن تتخذ خطوات جدية وشجاعة باتجاه قلب صفحة على المشروع السياسي الطائفي والمذهبي، وطرح مشروع عراقي ينظر إلى العراقيين بعين واحدة بغض النظر عن منحدراتهم، مشروع يحترم الهوية الوطنية العراقية، ويضعها على رأس معايير المواطنة. إن أول خطوة جادة يجب أن تتخذها الأحزاب الطائفية هو تخليها عن الواجهات والأسماء المذهبية والدينية، التي هي في الجوهر طائفية المحتوى، في نشاطها السياسي. وهذا يعني أول ما يعني الحفاظ على حرمة الدين والمعتقدات وعدم استغلالها في المضاربات السياسية واستخدام الدين أو المذهب كمعيار لتولي المواقع الرسمية بعيداً عن الجدارة والكفاءة كما جرى في السنوات الماضية. فالعراقيون ليسوا بحاجة إلى أحزاب دينية ترشدهم إلى دينهم، في الوقت الذي تكشفت فيه إن هذه الأحزاب تتنازع وتتنافس فيما بينها بالحديد والنار لا على تفسير الدين والترويج له أو الحرص عليه، بل على المحاصصات الطائفية والتنافس والاستيلاء على المناصب. فالدين الذي جاء إلى العراق منذ 1400 سنة لا يحتاج إلى الترويج في العراق، ولسبب بسيط هو عدم وجود من يهدد الإيمان الديني أو يحرّمه على العراقيين. فالعراقي اليوم متمسك بالدين والمذهب وطقوسه إلى حد المبالغة. ومن هنا فإن أول مظهر من مظاهر الحرص على مستقبل العراق ونجاح العملية السياسية وتكريس الديمقراطية في البلاد يتطلب تحرير الدين والمذهب من قيود الحركات السياسية، واحترامه كقيمة انسانية شخصية لأي كائن إنساني. ولذا ينبغي على الأحزاب الدينية السياسية التوجه نحو طرح مشروع وطني يؤمن وحدة البلاد ويقرب بين العراقيين ويزرع فيهم مشاعر التكافل والود، ويضع الحلول لمشاكل البلاد العويصة والمصاعب اليومية التي تواجه العراقيين من زاخو إلى الفاو، بدلاً من استغلال الدين للتسلق على مناصب الدولة.
إن مبادرة هذه الأحزاب الدينية والطائفية إلى إعادة النظر في واجهاتها ومسمياتها من شأنه أن يغلق الأبواب أمام التدخل الطائفي الفظ من دول الجوار في الشأن العراقي وإثارة الفتنة والتخريب في البلاد. فلم يعد خافياً على العراقيين وأجهزة الأمن العراقية إن غالبية الأحزاب والحركات الدينية السياسية الطائفية تعتمد في مواردها وبسط نفوذها على الدعم المالي والإعلامي وحتى التزود بالسلاح وتدريب بعض أنصارها في دول الجوار الطائفي. إن إيران والسعودية وعدد من دول الخليج ودول عربية وغير عربية أخرى توفر الملاذ والمال والفتاوى والمحطات الفضائية وتسريب العناصر التخريبية لا بهدف الترويج للدين أو المذهب أو مناصرة طائفة على حساب طائفة أخرى ورفع الحيف عن هذه الطائفة أو تلك، بقدر ما تقوم بتنفيذ أجندات سياسية خاصة تستهدف نشر الفوضى والتخريب والقتل في العراق وتحويله إلى ميدان مغلق لنفوذها، أو ردع كل تسرب لمعطيات البناء الديمقراطي الجديد فيه. فهذه الدول تمارس أشد أشكال الاضطهاد الديني والمذهبي ضد مواطنيها إلى حد حرمان جمهرة من المواطنين سواء من جنسية البلد أو من التمتع بالوظائف الحكومية. هؤلاء المواطنون الذين يدفعون الضرائب وغير الضرائب لمد هذه الدولة “الطائفية” بالديمومة. لقد فقد العديد من الحركات السياسية الدينية العراقية على وجه الخصوص وللأسف كل استقلالية لها، أو حتى تخلت عن منطق الحرص على المصالح الوطنية العراقية العليا بسبب ارتهانها المالي وغير المالي لدول الجوار الطائفية. وتجلى ذلك في السكوت وحتى نفي التدخلات المشينة لدول الجوار الطائفي في الشؤون العراقية والتصدي له، كل حسب لونه الطائفي. فهذا الحزب الطائفي يلتزم الصمت مثلاً إزاء تدخل الحكام الطائفيين الإيرانيين في الشؤون العراقية الداخلية، في حين يرتفع صوته عند الإعلان عن تسلل الإرهابيين من سوريا أو الدعم المالي والفتاوى من السعودية ودول الخليح الأخرى. ويمارس الحزب الطائفي من اللون الآخر نفس اللعبة ويسكت عن تدخل الدول الطائفية العربية، ويرتفع صوته فقط عندما تتسرب أخبار حول تدخل الطائفيين الإيرانيين في شؤون بلادنا. وهكذا يقع العراقيون ضحية هذا الرياء الطائفي، ويحاصرون بدوامة من الكذب والدجل وتحريف الحقائق في ظل هذا المنهج الطائفي الذي تسير عليه معظم الأحزاب الدينية في البلاد. وجراء ذلك يدفع العراقيون ضرائب باهظة من الدماء والأرواح وتخريب بلادهم.
إن ضرورة التخلي عن الطائفية السياسية في العمل السياسي في العراق وذيولها المتمثلة في المحاصصة والتوافقات غير الديمقراطية، هي مهمة مشرفة يترتب على العراقيين الشروع بها للتصدي لهذه الموجة الطائفية المدمرة في المنطقة. هذه الموجة التي أصبحت الورقة المفضلة لدى شبكات الإرهاب الدولي، وغذائها الرئيسي. فجميع البلدان المحيطة بالعراق تعيش حالة من عدم الاستقرار نتيجة التجاذبات الطائفية، ومثال لبنان وحروبه التي لم تتوقف منذ استقلاله، وإيران والسعودية والبحرين والكويت ومصر وعدد آخر من بلدان المنطقة لشاهد على أهمية التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة التي تمزق النسيج الوطني في أي بلد وتشتته وتزرع الكراهية والفرقة بين مواطنيه، وعدم الاستقرار في ربوعه. ومن هنا ينبغي على العراقيين وهم يؤسسون لدولة ديمقراطية عصرية أن يمارسوا دور الطليعة وأن يبادروا ويعطوا المثل في التخلي عن ظاهرة الطائفية السياسية والتجارة بالدين والمذهب في بازار السياسة. وبذلك يكون لهم شرف الريادة في تحقيق استقرار حقيقي في بلدنا وبلدان المنطقة، ويخطون خطوات على طريق إزالة مظاهر الكراهية والعنف والتجاذبات الطائفية والحروب العبثية. وسوف تسجل هذه المبادرة كنقطة ايجابية لشعب عانى من الطغيان والتطاحن الطائفي وهو الشعب العراقي.
24 /5/2009