الرئيسية » التاريخ » (المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة الثامنة و التسعون

(المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي) الحلقة الثامنة و التسعون

ومن الاساليب الحربية السائدة بين الكرد التفرق فكثيراً ما تقتضي الضرورة ان تعمل الفرق المحاربة باعداد صغيرة وفي مواضع متباعدة ويحرصون على تباعد المسافات فيما بينهم كي لا يكونوا هدفا” مغريا” لهجوم محتمل، وكذلك يتجنبون التعسكر في أي منطقة اهلة بالسكان كالقرى .
اما بارث فيرى ان آخر واكثر المشاهد التي تمنح القيادة فرصة التعبير عن منزلتها تكون من خلال الموقف في الصراع المسلح. ان الفصل بين رئيس السلم ورئيس الحرب يمكن ان يلاحظ باستمرار في كثير من المجتمعات – أي الفصل بين المسؤول السياسي والمسؤول الحربي، بيد ان في كردستان يكون رئيس الحرب في ذات الوقت رئيس السلم.
ويذكر بارث ان في الوقت الحالي ويقصد مطلع الخمسينيات من القرن العشرين فان الادارة الخارجية – يقصد الدولة – تمنع الصراعات الحادة المستوى بأي شكل. وهذا النوع من القيادة المنوه عنها في اعلاه اصبحت نادرة وفي مناطق ضيقة، ولكنها كانت ناشطة حتى عشرينيات القرن العشرين وان ما سنذكره هنا هو وصف لما كان يجري في السابق.
في النظم السياسية القبلية ان كل اغا ورئيس يكون مدعواً من (الدائرة السياسية) كما يسميها بارت، ونعتقد انه يقصد الجهة العليا في القبيلة التي تدعو اغوات ورؤساء الافخاذ في القبيلة إلى القتال وبهذا يكون كل اغا او رئيس مسؤولاً عن حشد وقيادة عدد من المسلحين بالبنادق.
ان اغوات القرى بامكانهم شن الحرب ايضاً وبشكل مستقبل مثلما يفعل الهماوند، ان مثل هذه التجمعات المحاربة او المهاجمة تعمل كحجر عثرة للتقدم السياسي.
فعلى سبيل المثال، الهماوندى الذي يحتل قرية بدعم من الاغا لا يلبث بعد فترة طويلة او قصيرة حتى يتوقف عن طاعة الاغا الذي دعمه في احتلاله للقرية ليعلن نفسه اغا على القرية ويعتبر هذا من حقه الشخصي. ويكون مثل هذا العمل اسهل في المناطق غير القبلية، وان القائد الحربي الناجح في عمليته قد يجتزئ لنفسه منطقة نفوذ (114-5).
اللغة والادب
لقد اهتم عدد كبير من المستشرقين باللغة الكردية في محاولة فهم سلالتها وتراكيبها وقد ظهرت كتب في قواعد اللغة الكردية والتعريف بالكردية في وقت مبكر والحقيقة لسنا بصدد عرض كل هذه الدراسات وبالتفصيل ذلك اننا بصدد وضع دراسة (كتاب) حول اللغة الكردية من منظور استشراقي ولذا ارتأينا ان يكون هذا الفصل بالقدر والسعة التي يتحملها كتابنا الحالي هذا ومن دون الدخول في التفاصيل اللغوية.
ان من الكتب المبكرة التي اهتمت باللغة الكردية هو كتاب القسيس الايطالي كارزونى المطبوع عام 1787 وقد سكن هذا القسيس اللغوي مدينة العمادية وانتبه إلى المتكلمين باللغة الكردية حتى وضع قواعدها وكذلك جمع مفرداتها في قاموس وبلغت صفحات الكتاب 187 صفحة.
وفي عام 1787 ظهر قاموس مقارن في اللغات واللهجات اعده بالاس كانت اللغة الكردية احدى اللغات التي تناولها القاموس. وفي عام 1814 ظهرت دراسة لـ فون همر تناولت اللغة الكردية ولهجاتها.
وفي عام 1814 ايضاً ظهرت دراسة لـ كلابورث في جامعة ميشيكان (اميريكا)، قارن فيها بين المفردات الكردية والفارسية واللغات القريبة منهما.
وفي عام 1836 ظهرت دراسة لـ هورنل وسجيندر وهي دراسة جغرافية اهتمت باللغة الكردية فضلا عن الجانب الجغرافي وهذا غيض من فيض والحقيقة بدأت الدراسات الكردية باقلام المستشرقين تتزايد ومع مطلع القرن العشرين بدأ الاهتمام بالادب الكردي فطبع ديوان الشاعر الكردي المعروف الجزيري في برلين عام 1904.
ومن النتاجات البارزة في هذا المجال التحفة المظفرية التي اعدها اوسكارمان البحاثة الالماني وطبعها عام 1905 في برلين وهو كما يذكر استغرق عمله من 1901 الى 1903 جمع فيها عدداً من النتاجات الادبية والفلكلورية القصصية وقد كتب اوسكارمان مقدمة مطولة لكتابه.
لقد اهتم بعض المسؤولين البريطانيين باللغة الكردية الى جانب مهماتهم السياسية والعسكرية في المنطقة مثل الميجر سون الذي كان حاكماً سياسياً في السليمانية وله كتب في اللغة الكردية وقواعدها ونشر عدة دراسات ومقالات عن اللغة الكردية كما انه شجع وروج لاستخدام اللغة الكردية في السليمانية، وشجع الصحافة الكردية.
نجد معظم الدراسات الاستشراقية قد تعاملت مع اللغة الكردية لغة مستقلة لها شخصيتها ومواصفاتها وهويتها، لا بل اكثر من ذلك فأن بعض المستشرقين او المعنيين باللغة الكردية سواء قبل مجيئهم الى الشرق ام من خلال دراساتهم التي كانت تعدهم للقيام بمهماتهم في الشرق يولون اللغة الكردية اعتباراً رفيعاً، فهذا السير ويلسون يضعنا وجهاً لوجه اما عراقة اللغة الكردية اذ يصفها بأنها اقدم اللغات الموجودة في بلاد آسيا الغربية (174).
يرى مينورسكي (1915) ان اللغة الكردية ليست كما يرغب البعض في ان يراها لغة فارسية محورة بل هي لغة لها شخصيتها المستقلة مثلما لها نظامها اللغوي المستقل.
وينتقل بعدئذ الى الحديث عن الادب الشعبي الكردي الذي يصفه بالادب الفني الملحمي والمعبر عن التقاليد القومية وهو يرى ان لهذه الملاحم الكردية جذورها الواقعية ويشير الى رائعة الخاني (مه م وزين).
يربط مينورسكي بين حالة الضعف في دراسة اللغة الكردية وحالة اللاارتقاء او الهبوط في مستوى الادب الكردي قياساً باداب الشعوب الاسلامية الاخرى.
ولا بد هنا من الاشارة الى ان ضعف الاهتمام باللغة الكردية الذي يشخصه مينورسكي كان عاملاً مهماً من عوامل التأثير على الادب يعود من وجهة نظرنا الى عدة عوامل منها العامل السياسي وعدم تمتع كردستان بكيان مستقل تكون لهذا الكيان لغته القومية الرسمية ومن العوامل ايضاً حالة الانبهار باللغة العربية لانها لغة القرآن فاهتم المثقف او العالم الكردي ومنذ ظهور الاسلام في كردستان باللغة العربية اكثر من اهتمامه بلغته القومية، ثم حالة انبهار المتعلم الكردي بالفارسية والتركية اللغات (الشاهنشاهية والسلطانية) جعل من اللغة الكردية حبيسة الانغلاق الحضاري وان تنفس هذا الانغلاق عن نزف هنا وهناك ظهر بتعابير ادبية ولعل اول تعبير عن نزف قومي لغوي كان للخاني العظيم الذي اعلن لاول مرة في مه م وزين (مجازفاً) ان يقدم ادباً روائياً قومياً منظوماً باللغة الكردية.
وهنا نود ان نوضح ما ذهب اليه مينورسكي. نعم كان هناك شعراء كرد قبل الخاني لكن الخاني اعلن عن كردية نتاجه وهويته القومية وشخص في مقدمته حالة التمزق القومي واصفاً العلاج وسبل التوحد موضحاً ما في الامة الكردية من قدرات وامكانات لو قدر لها ان تنطلق.
يتحدث مينورسكي عن اول جريدة كردية ظهرت عام 1898 وهي جريدة (كردستان) التي صدرت في القاهرة وكان رئيس تحريرها مقداد مدحت وكذلك يذكر ما اعقب هذه الجريدة من صحف ومجلات كانت ذات طابع قومي كردي.
ويحدثنا مينورسكي عن اولى الدراسات اللغوية الكردية ويستعرض اسماء الرحالة الذين جابوا كردستان من اجل التعرف على اللغة الكردية وخصائصها، وقد جاء ذكر باورن بودى، جيركوف، خانيكوف، مايفسكي، وتوميلوف، ماكسيموفيج.
ومن الاهتمامات اللغوية الكردية الرائدة دخول اللغة الكردية الى جانب اللغات الاخرى في المعجم المقارن للغات واللهجات الذي تم وضعه بأمر من الامبراطورة كاتربن (1787) وكذلك الكتاب الذي اعده المبشر الكاثوليكي ماوريزيو كارزوني باللغة الايطالية عن قواعد اللغة الكردية بعد معايشة طويلة امدها (18) سنة في العمادية، والذي ذكرناه في البدء.

taakhi