الرئيسية » شخصيات كوردية » من علماء كوردستان العارفين -الملا عبد الرحيم المولوي الملقب بالمعدوم

من علماء كوردستان العارفين -الملا عبد الرحيم المولوي الملقب بالمعدوم

يعد الملا عبد الرحيم المولوي الملقب بالمعدوم احد كبار علماء الفقه والتفسير والتصوف والسلوك والشعر والبلاغة والادب- ولد رحمه الله في قرية (سرشانه) التابعة لناحية (تاوجيوزي) التابعة لمدينة حلبجة الباسلة في محافظة السليمانية عام 1221هجرية الموافق 1806 ميلادية تلقى علومه الدينية على يد والده الماجد الذي كان عالما ورعا فختم القرآن المجيد وتعلم النحو والصرف ودرس اللغة الفارسية واجادها كما تلقى علومه على يد الشيخ الملا صديق التويلي والشيخ عبد الله الخرساني ثم انتقل الى قرية جوانرود فاخذ العلوم عن شيخه الملا محمد القاضي كما اخذ علوم الافتاء عن شيخه المبجل الملا عبد الرحمن التوتشيني الذي كان مفتيا في مدينة السليمانية واستاذا نبيلا في جامع ملكندي فاخذ الاجازة العلمية للتدريس .
يتصل نسبه بقطب العارفين علامة زمانه السيد محمد الزاهد بن السيد محمود المدني اول من سكن كوردستان عام 644هـ 1246م قادما من المدينة المنورة من احفاد الامام علي الهادي بن الامام محمد الجواد بن الامام علي بن موسى الرضا من احفاد الامام الحسين الشهيد السبط شهيد كربلاء رضوان الله تعالى عليهم جميعا. كان يتلقب بالمعدوم في اشعاره وقد داوم على سلوك التصوف النقشبندي فاصبح خليفة المرشد الكامل العارف بالله الشيخ عثمان سراج الدين الطويلي ومن بعده الشيخ محمد بهاء الدين وكان طويل الباع في الشعر والادب بقدر ما كان نقيا صالحا غاية في العفة والزهد، ومقدرته الادبية وصلت لدرجة الابداع والابتكار اذ كان له اسلوب خاص في قرض الشعر لم يقلد فيه احداً ولم يستلهمه بل كان شاعراً مطبوعا ذا موهبة خاصة وتشبه بعض اشعاره ورباعياته من حيث الاداء وتناسق الالفاظ اشعار الشاعر الصوفي الالهي والعاشق الولهان بابا طاهر الهمذاني الكوردي الا ان ذلك وليد مجرد التصادف وتوارد الخواطر وليس نتيجة التقليد والاقتباس لانه لم يكن مطلعا على اثار بابا طاهر النادرة واغلب اشعاره وغزلياته مرآة صادقة لما يشعر به من الحب الالهي والعشق الصمداني وصدق العواطف الدينية والاحساسات الصوفية الملهمة. وكتابه (العقيدة المرضية) المطبوع باللغة الكوردية في القاهرة من قبل الشيخ محيي الدين صبري كاني مشكاتي السندي نزيل مصر دليل واضح على احساس شاعرنا الصوفي بالوجد الالهي والعاطفة الخالصة لله.
وقد الف صاحب الترجمة هذا الكتاب باللهجة الكوردية (الهورامية) الخاصة نظما وجعله في ثلاثة واربعين بحثا منها ما هو فارسي ومنها ما هو عربي والاصل منسوخ في سنة (1308) هـ 1900 ميلادية من قبل الملا رسول ويليه رسالة اخرى للمؤلف باللغة الفارسية وهي منظومة تدعى (القصيدة الفارسية) تتضمن اغراضا دينية من شرح للعقيدة ووصف للنبوة. وله رسالتان اخريان احداهما بالعربية تسمى (العقيدة المرضية والاخرى بالكوردية وتسمى (ايمان وباوري) وقد قام شيخ ادباء السليمانية واستاذ شعرائها الحاج توفيق بك الشهير بلقب (بيرة ميرد) بجمع وطبع ديوان المولوي مع ترجمة ابياته ورباعياته من اللهجة الهورامية الى اللهجة السورانية سنة (1354هـ الموافق 1935 ميلادية بمدينة السليمانية جزاه الله عنا خير جزاء ومن اعماله الشهيرة كتابه شجرة السادة الزاهدية البيرخضرية بخطه الجميل عام 1269 هـ الموافق 1869 م وحقق الكتاب اكثر من عشرين عالماً فاضلاً في تلك الفترة ومنهم المرشد الكامل مولانا خالد النقشبندي وقطب العارفين كاك احمد الشيخ وغيرهم من اصحاب العلم والفضيلة.
عاش المولوي حياة الزهد والتقوى والتصوف اذ كان بالكاد يجد قوت يومه فكان مريدا للشيخين الكاملين الشيخ عثمان سراج الدين والشيخ محمد بهاء الدين وقد ترك عطاء ثرا من العلوم والمعارف اهمها كتاب الفضيلة الذي الفه عام 1285 م ويتضمن 2031 بيتا من الشعر وكتاب العقيدة المرضية الذي الفه عام 1252هـ/1852م وقد تضمن 2452 بيتا من الشعر باللغة الكوردية وبعده الف كتاب الفواتح الذي تضمن 527 بتيا من الشعر باللغة الفارسية واشعاره كلها في العلوم الدينية والتصوف واداب السلوك والعقائد والمسائل الفقهية كما الف العديد من الكتب لم يعثر عليها ويقال ان قسما من كتبه احترقت. كان المولى العلامة الصوفي رحمه الله وجيها محترما بين عامة الناس ذا هيبة ووقار فكان الناس يكلفونه لفض النزاعات العشائرية والقضايا المهمة لانه كان يتحلى بذكاء حاد وشخصيته مؤثرة في النفوس لا يرد له طلب كما كان فكه الكلام صاحب دعابة ونكتة وبعد ان اكمل المولوي علومه عن المشايخ الكاملين ووالده الماجد الذي كان عالما ورعا فاضلا انتقل الى مدينة باوة طلبا للعلم ثم قصد قرية جور في قضاء مريوان وعين اماما وخطيبا في جامع الوزير في مدينة (سنه) الكوردية وبعد ذلك عين اماما في الجامع الكبير في السليمانية وبعده انتقل الى مسجد الجامعة في قضاء حلبجة الباسلة وبعده عين في (دار الاحسان) في مدينة سنة ثم انتقل الى السليمانية ثم انتقل الى قرية جروستانه القريبة من حلبجة وعين اماما وخطيبا ومدرسا لطلبة العلوم الدينية وهناك التقى بالولي العارف قطب زمانه حضرة الشيخ عثمان سراج الدين شيخ الطريقة النقشبدية نور الله ضريحه الشريف فاحبه ولازمه حتى اصبح من مريديه المعتمدين بعد ان اتم تقوى السالكين وانتقل الى قرية بياويلة ومنها الى قرية كونه ثم الى شميران واخيرا استقر به الحال الى مسقط راسه قرية سرشانه لحين وفاته عام 1300 هجرية الموافق 1882م وقبل وفاته بسبع سنين فقد بصره الذي كان سببا لوفاته اذ انه زار احد اصدقائه مع احد اصحابه واثناء عودتهما الى البيت قال لصاحبه يوجد امامنا في الطريق على مسافة منا غصن شجرة كبيرة متدلية منخفض ينحني المرء كي يمر تحته خشية الاصطدام به. فعندما نقترب منه ذكرني كي انحني ولا اصطدم به الا ان صاحبه كان مندمجا بالحديث مع المولوي فنسي ان يخبره بذلك فاصطدم المولوي بذلك الغصن العتيد فسقط عن راحلته وكسرت اضلاعه توفي على اثر ذلك. ويروى انه كان دائما يقول ان هذا الغصن سوف يكون يوما سببا لموتي دفن رحمه الله في مقبرة الصحابة القريبة من قرية سرشانة وكان ذا حال عجيبة وفراسة قوية ونظر ثاقب اختصه الله ببعض الكرامات التي يختص بها اولياءه يرى انه كان معتكفا في التكية فذهب اليه احد اقربائه ليخبره بان ولده قد مرض فرجع معه الى البيت ولكنه اخذ في الطريق يجهش بالبكاء فسأله صاحبه عن سبب بكائه فاجاب كيف لا ابكي وقد تذكرت مصيبة يعقوب سيدنا لفقد ولده يوسف عليهما السلام عندما جاء اخوته بقميصه اليه وهو مضرج بالدماء فتبرأ منه سيدنا يعقوب قائلا لا اشم رائحة دم يوسف من هذا القميص اما انا فاشم رائحة كفن ولدي في هذه اللحظة وعندما وصلا الى البيت رأى ولده قد مات وقد كفن لتوه. فامتلأ حزنا شديدا عليه ولكن عندما زاره شيخه بهاء الدين ذهب عنه الهم والحزن فقال من شدة فرحه : شيخي اتمنى ان يموت لي ولد في كل عام كي اتشرف بزيارتكم المباركة.
ولدى وفاته رثاه الملا حامد الكاتب، كاتب الشيخ بهاء الدين قدس الله سره بقصيدة عصماء وباللغة الفارسية مطلعها: لقد اغبرت السماء وامطرت دما على مصيبة وفاة المولوي انقل منها الاتي :
اسمان كرخون ببارد بر وفاة مولوي زيبد ازبركك سيه بوشند اهل دنيوي مجمع علم وعبادت مخزن صدق وصفا
مظهر عقل ودرايت مير ملك معنوي
بي روي شرعي محمد… شيخ اولاد حسين
سالكي راه طريقت در طريق اخروي
فارس نظم قصائد در حقيقت در مجاز
ريزه خوار خوان جو دشي صدر امير وهلوي
بهر تارخ وفاتش ان قدر كرديم فكر كاسمان (غش) كرد برمرك مولوي
فالمقطع الاخير يركز على كلمة (غش) وتعني اغبرت الدنيا لوفاته وسنة ( 1300 هـ / 1882 ميلادية ) هي سنة وفاة المولوي رحمة الله ويجدر الاشارة ان المولوي كان متفانيا في حب الرسول محمد صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم وهو القائل في مدح النبي صلى الله عليه وسلم: ارى كل مدح في النبي مقصرا وان بالغ المثني عليه واكثرا
اذ الله اثنى بالذي هو اهله / عليه فما مقدار ما يمدح الورى كما تجدر الاشارة ان السادة الملائية من احفاد بيرخضر شاهو اشتهروا بالعلم والادب والحكمة والتصوف برز منهم العديد من العلماء اشهرهم السيد حسن هداية الله الملقب بأبي بكر المصنف لكثرة كفاياته وتصانيفه مثل كتاب سراج الطالبين في التصوف وكتاب (رياض الخلود) في الحكمة والمواعظ والنصائح وكتاب (الوضوح) في الاحكام الشرعية واحوال البلدان والاقاليم وحدودها وخصوصا العراق).
والملا السيد حسن الجوري بن السيد ابراهيم الذي الف العديد من الكتب في علم الفلك والرياضيات والهندسة والفلسفة والمنطق وعلق على شرح كتاب (تهذيب المنطق) والسيد عارف الجوري والعلامة مولانا عبد القادر المدرس والعلامة مصطفى الناي جوزي والعلامة الملا خضر الجورتائي والسيد محمد الناروي المشهور بملا محمد الكوسج والملا مصطفى الشميراني والملا صالح والعالمين الفاضلين السيد معروف السليماني المدرس الملقب بالملا معروف ونجله العالم النحرير الشيخ غالب المشهور بالملا غالب وكلاهما من كبار علماء العراق دفنا في الجامع الكبير في خانقين المدينة الوادعة وغيرهم العديد من العلماء الاجلاء والمولوي يستحق ان يحتفى بمولده واقامة نصب تذكاري له في السليمانية عرفانا لمكانته العلمية والادبية والروحية، واهل السليمانية النجباء اطلقوا تسمية المولوي على بعض الشوارع والفنادق تيمنا به فمن الواجب الوطني تخليد ذكراه على غرار تخليد ذكرى مولانا خالد النقشبندي الذي اقيم في السليمانية في الايام الماضية ورحم الله من احيا ذكرى الصالحين وسنة الاولين من الذين اقتفوا اثر الرسول الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم واتبعوا سنته الوضاءة وساروا على نهجه القويم.
التآخي