الرئيسية » مقالات » التجربة الفاشلة لضم اليمن الجنوبي، هل ستنتهي قريبا؟

التجربة الفاشلة لضم اليمن الجنوبي، هل ستنتهي قريبا؟

لم تكن الوحدة اليمنية خيارا جماهيريا، وانما جاءت نتيجة للتفتت الذي شرذم المعسكر الاشتراكي بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وتجربة كهذه، غير مبنية على اسس ديمقراطية، او على قواعد علمية مدروسة، سرعان ما يدب فيها الفشل.

ضمت اليمن الجنوبية الى جمهورية اليمن وفق اتفاق دخل حيز التنفيذ في 22 ايار-مايو 1990، بضغوط عالمية. كجزء من تغيير شامل لخارطة العالم ابان تدشين حقبة القطب الاحادي.

وتبين لاحقا ان قرار الالحاق هذا كان موجها للقضاء على النظام الاشتراكي في الشطر الجنوبي، و تعزيز قبضة النظام في صنعاء كونه يعد حلقة مكملة لمنظومة الانظمة العروبية المتحالفة مع الغرب.

في البدايات، كان من نتائج الفشل هو نشوب ثورة مسلحة طالبت باعادة الاستقلال للجنوبيين، من الشطر الشمالي، بعد اربعة اعوام فقط من عمر الاتحاد، قادها الحزب الاشتراكي المعروف بشعبية الملحوضة في الجنوب، الامر الذي دفع الغرب، ودول الجوار لدعم النظام في صنعاء، حتى دخول القوات الشمالية في مدينة عدن، العاصمة، دخول الفاتحين في السابع من يوليو عام 1994م لتلغي معاهدة الوحدة وتعلن ضمها النهائي للجنوب، وبالقوة العسكرية، هذه المره.

واليمن الجنوبي ذات مساحة تعادل تقريبا ضعف سوريا الا ان نفوسها لم تتجاوز الـ 4 ملايين نسمة، وهي بلد نفطي وفوق ذلك لها ذخائر من الغاز الطبيعي، كما توجد فيها معادن ثمينة كالذهب، بالاضافة للموقع الستراتيجي والسيطرة على اكبر منفذ بحري في العالم وهو مضيق باب المندب، ممر التجارة الوحيد بين اوربا واسيا الى استراليا، مما يؤهلها للعب دور عالمي كبير.

واذا استطاعت هذه الدولة خلال عمرها القصير (23 سنة)، اي منذ تحررها من الاستعمار البريطاني عام 1967م، الى الغائها في العام 1990م ان تحقق قفزات بنوية، حيث تضاءلت نسبة الامية من 90% الى 20 % (بينما هي اليوم 59.4% في عموم اليمن)، بالاضافة للانجازات التي حققتها على صعيد الصحة، النقل، الخ.. فان الدولة اليمنية اليوم لم تستطيع ان توفر للمواطن الجنوبي ما كان يتمتع به قبل عشرين عاما، بسبب الفساد والتمييز المناطقي والقبلي. وبسبب استئثار الديكتاتورية المتحالفة مع الاقطاع بقرارات وتشريعات البلد، وبسياساته الاقتصادية وبمشاريعه الخدمية.

واليمن الشمالية اليوم، ورغم خيرات اراضيها الوفيرة، الا ان شعبها يعاني من كارثة انسانية اذ يتجاوز معدل خط الفقر على 56% من السكان، واكثر منه نسبة الامية، والفقر والامية هما المسببان الرئيسيان للتطرف الديني، حتى اصبحت هذه الدولة مركزا رئيسيا لتصدير الارهاب والانتحاريين الى العالم، خصوصا الدول ذات القدرات الامنية الهشه كالعراق وافغانستان.

وعلى ضوء الواقع المعاش في محافظات الجنوب الستة، فان المواطن هناك لا يستطيع تحمل طائلة التمييز الذي تمارسه السلطات المركزية من الشمال، ولم يجد ثمة بديل للدولة المستقلة، حيث اثبتت له التجربة ان الوضع الذي كان قائما قبل 22 مايو 1990 كان هو الافضل.

لهذه الاسباب فان تجربة الوحدة اليمنية تعتبر فاشلة بمقاييس المواطن اليماني الجنوبي، لذا فان كل دعوة تصدر لاعادة رسم الخارطة، والاستقلال، تلقى ترحيبا في الشارع، وتثبت التجارب بان الوحدة القسرية مصيرها الى الفشل دائما، كما حدث للتجربة البعثية مع الكويت، ابان الغزو العراقي عام 1990م، او في لبنان بعد سيطرة سوريا، او محاولة المغرب لضم الصحراء الغربية بعد خروج الاستعمار الاسباني عام 1975م. بل ان التسلط الشمولي للانظمة صار يهدد الوحدة الوطنية لدول قائمة منذ عقود كالعراق والسودان وايران والسعودية.. الخ، كل هذا على عكس التجارب الاكثر ديمقراطية، التي نجحت في بلدان كالامارات، الهند، الاتحاد الاوربي ..

وقد لا تستطيع هذه الدولة اليوم الاحتفاظ باليمن الجنوبي ما لم تتدارس تجارب الشعوب الاخرى، التجارب الوحدوية الناجحة، وتتبنى نظاما افقيا، اكثر حرية، كالفيدرالية، او الكونفيدرالية، او على الاقل النظام اللامركزي، والا فان اليمن الجنوبي ستعود للخارطة، ربما قريبا، لان الشعوب، حتى وان كانت من قومية واحدة، او من دين واحد، لا تطيق العيش على الشعارات فقط.