الرئيسية » مقالات » اخوان سوريا من (العثمنة) الى (البعثنة )( 9 )

اخوان سوريا من (العثمنة) الى (البعثنة )( 9 )

في عملية تفكك ومن ثم انهيار الامبراطورية العثمانية التي طالت تفاعلاتها عقودا من السنين في رقعة جغرافية مترامية الأطراف بين قارات أوروبا وآسيا وافريقيا امتدت من نهايات القرن التاسع عشرالى بدايات القرن العشرين شهدت المناطق القومية للشعوب والأعراق غير التركية ردود أفعال متباينة ففي حين اعتبرت شعوب البلقان من يونان وبلغار ومكدون وصرب وكذلك شعوب الامبراطورية النمساوية انحسار العثمانيين بمثابة بزوغ شمس الحرية وتحرر بلدانهم من نير أكثر الكولونيالات ظلما وقساوة وتخلفا في التاريخ تنازعت حركات التحرر القومي لدى الأقوام الأخرى من عرب وكرد في المشرق والمغرب تيارات متعددة بخصوص مستقبل الحكم العثماني ومصائر شعوبها تمخض عنها توجهان رئيسييان واحد ينتمي الى الفكر الديني أقرب الى لغة التفاهم مع الترك والعيش المشترك في ظل السلطة العثمانية المستمدة شرعيتها من السلف بعد انتقال الخلافة الاسلامية الى الآستانة وكان السقف – الوطني – لذلك التوجه نوع من اللامركزية الادارية وآخر قومي تحرري استقلالي نابع من ظروف المعاناة وارادة الخلاص من الاضطهاد والقمع متأثرا بمفاهيم ونظريات الثورات الأوروبية المناهضة لغيبيات اللاهوت والرافضة لدور الكنيسة في الحياة السياسية وأفكار فلاسفة عصر النهضة المشبعة بمبادىء الديموقراطية وحقوق الانسان والعدل والمساواة يدعو الى انتزاع حق تقرير المصير والانفصال عن السلطنة وشكلت البيئة السياسية اللبنانية حينذاك وتحديدا في أوساط المسيحيين الموارنة مركزا ثقافيا وفكريا نشطا وفاعلا ويكفي للدلالة على ذلك مثال – نجيب عازوري – مؤلف كتاب ” يقظة العرب ” أو القومية العربية يدعو فيه الى تضامن شعوب الامبراطورية وخصوصا العرب والكرد من أجل التحرر والخلاص وكانت الغلبة بالنهاية للتوجه الاستقلالي الأخير وتقلصت الامبراطورية ذات الأربعة قرون وانحصرت في حدود دولة تركيا الجمهورية العلمانية الحديثة بزعامة – كمال أتاتورك – الذي بدوره لم يدخر جهدا في ازالة آثار ومعالم – الرجل المريض – .
انتقل موقف نصرة ” العثمنة ” من رجال الدين وبعض المتدينين من الشخصيات الفكرية والاجتماعية في بلدان المنطقة ابان قرب أوان الانهيار من جيل الى آخرضمن تيارات الاسلام السياسي التي نمت وبرزت حديثا في مختلف الساحات ومنها حركات الاخوان المسلمين حيث تشير الى الحقبة العثمانية كاحدى تجارب دولة الاسلام الموحدة التي يعتد بها ولايحتاج المرء الى كثير عناء لاكتشاف انجذابها في مختلف المناسبات الى – الأم العثمانية الحنون – ولايخلو خطابها ومنابرها الاعلامية من تلك المسحة العاطفية .
الصورة تلك بدأت تتبدل منذ أن حسمت جماعات الاسلام السياسي – على الأقل في منطقتنا – مسألة البحث عن السلطة والاقتراب أكثر من الحالة القومية بتبني برامج مزايدة أحيانا على مواقف أكثر الأحزاب القومية تطرفا وقد كان ” لثورة ” الخميني الاسلامية الشيعية منذ ثلاثين عاما الفضل الأول ليس في الكشف عن زيف ادعاءات تلك الجماعات باسم الدين بل باستخدامه لمآرب قومية آيديولوجية لاتخلو من النزعات العنصرية كما عززت أحداث أخرى هذه الحقيقة ومنها تمثيلية تشهير اسلام كل من منظر حزب البعث – ميشيل عفلق – والمثقف الفلسطيني اليساري الماوي المسيحي – منير شفيق – ثم توالي انعقاد المؤتمرات القومية – الاسلامية المشتركة وبياناتها السياسية المتوافقة برعاية بعثي العراق وسوريا وتحت يافطة مركز الدراسات العربية في بيروت والتلاقي السياسي والعملي الميداني والاصطفافات بين كل من الحركات القومية وجماعات الاسلام السياسي ( بعث العراق وتنظيم القاعدة وجماعات اسلامية أخرى – بعث سوريا وايران وحزب الله وحماس …) والتحالف بين الحركة الاسلامية التركية من جهة والجيش المحافظ على تراث أتاتورك القومي الشوفيني جميع تلك الحالات التي تطورت لاحقا الى اطار ما تسمى اليوم بقوى – الممانعة – وأخواتها .
اخوان سوريا وفي ظل قيادتهم الراهنة سبقوا الجميع وكانوا أكثر جماعات الاسلام السياسي اندفاعا نحو الفكر القوموي العروبي ولست هنا في مجال تسجيل انطباعاتي عن مسارهم هذا خلال تجربة ثلاثة أعوام قضيناها سوية في اطار ” جبهة الخلاص الوطني ” وتناقشنا تفصيليا في مناسبات عديدة حول كل القضايا التي تهم سوريا والعرب والكرد بما في ذلك تكويعتهم القوموية الملفتة بل استنادا الى وثائقهم وبالتحديد ما جاء في بيان مجلس شوراهم في دورته العادية الثالثة المنعقدة بلندن في 16 – 8 – 2009 :
” ونؤكد على انتماء سورية العربيّ، وأنّ مصالحَها الاستراتيجية والقومية هي جزء أصيلٌ من مصالح الأمة العربية، وأنّ الأولوية دائماً في بناء الموقف الاستراتيجيّ، إنما هي للعلاقات العربية، التي ينبغي أن تقومَ على أساس أنّ الأخوّة العربية والانتماءَ الواحد، إنما هو حقيقة واقعة، لا تغيّبها الحدودُ المصطنعة، ولا السياساتُ المفروضة من قبل الآخرين. ولا بدّ أن نؤكدَ – في هذا السياق – أن انتماءنا العربيّ لا يعني – بحالٍ من الأحوال – الانتقاصَ من حقوق الأقليات القومية، في التعبير عن خصوصياتها بكلّ أبعادها: الحضارية، والثقافية، والاجتماعية.. في إطار وحدة الوطن، ودولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميعُ في الحقوق والواجبات.
ونتمسّكُ بالعراق دولة عربية حرة مستقلة ذات سيادة، وبالعراق الموحد أرضاً وإنساناً وكياناً. ونتطلعُ إلى أن تسودَ أجواءُ الحوار بين أبنائه، ونعتبرُ خروجَ المحتلّ، المدخلَ الأولَ لاستقلال القرار الوطنيّ، ونحذرُ من تدخل الدول القريبة والبعيدة في الشأن العراقيّ والقرار العراقيّ. ”
لست هنا بصدد مناقشة صحة أو بطلان فقرات بيانهم هذا التي تنضح بالتطرف والمبالغة وتجاهل الآخر القومي في بلدين متعددي القوميات والأعراق واحد منهما شرع دستوره الذي يناقض ما ذهب اليه بيان اخوان سوريا جملة وتفصيلا من جهة الشراكة العربية الكردية في السلطة والثروة كمكونين رئيسيين وتعريف العراق بمحيطه العربي وانتمائه الاسلامي كبلد متعدد القوميات أغلبيته العربية جزء من الأمة العربية وكرده جزء من الأمة الكردية وآخر ينظر اليه من جانب قوى المعارضة الوطنية الديموقراطية استنادا الى الحقائق التاريخية والجغرافية كبلد يشكل الكرد فيه القومية الثانية بعد العربية بل أتساءل هل هذا التشخيص الشوفيني المخالف للواقع تعبير عن فكر ديني روحاني أم عن آيديولوجيا قومية متزمتة ؟ وهل اخوان سوريا جماعة دينية تخدم تعاليم معتقداتها السماوية التي تروج لها أم حزب قومي سياسي يتستر بالدين كما فعل الخميني وغيره ؟ فهم يستخدمون خطابا مستهلكا تخلى عنه واضعوه الأوائل من بعثيين وغيرهم ولا نعتقد أن ذلك قد حصل سهوا بل أنه التعبير الأصدق عن أجندة جماعات الاسلام السياسي الخفية الاشكالية التي تظهر سهولة انتقالها بانتهازية واضحة وخاصة فرعها السوري من سفساط الى آخر حتى لو كان باتجاه ” البعثنة ” في حين ينتقل نظام الاستبداد – معتصمهم المرتقب – بالعكس من خط سيرهم باتجاه ” العثمنة ” على ضوء تقاربه السريع مع الحزب الاسلامي التركي الحاكم فهل باتت المسألة اجتهادات فقهية أم توزيع أدوار بين الأصوليتين القوموية والاسلاموية اللتين بدأت عملية تفاعلهما مجددا عنوانا للمرحلة السياسية الراهنة في سوريا على وجه الخصوص ؟ .
لابد من التنويه بأن هذه الحلقة استمرار لقراءتي النقدية لتجربتي خلال ثلاثة أعوام في ” جبهة الخلاص الوطني في سوريا ” حيث وعدت بمناقشتها والتي كانت جماعة الاخوان السوريين طرفا أساسيا في هيكليتها وسياستها وليس لهذا الجزء علاقة مباشرة بما يكتب هذه الأيام عن اخوان سوريا من جانب كتاب ومثقفين قد نتفق أو نختلف مع بعض أطروحاتهم ومن ضمنها ما كتب من جانب سياسيين كرد تناولوا بصورة مغلوطة مبررات الموقف الكردي تجاه جماعة الاخوان في اطار الدوافع الانتهازية لاستحواذ رضى السلطات مما يستدعي الأمر لتبيان أن ذلك قد يكون موقف مجموعة كردية ما وليس موقف الاجماع الوطني الكردي بسبب الانقسام والتشرذم ضمن صفوف الحركة السياسية الكردية بين موالية للسلطة ومعارضة لها منذ عقود خلت وحتى اليوم والتأكيد أن الموقف الوطني الكردي السليم من أية مسألة ينطلق من مسلمات ومبادىء وطنية وقومية في اطار ولمصلحة حركة التغيير الديموقراطي في البلاد ووحدة صفوف المعارضة الوطنية وتعزيز علاقات الصداقة والعيش المشترك بين الكرد والعرب وسائر المكونات الوطنية في ظل سوريا تعددية ديموقراطية موحدة جديدة بدستورها ووجهها الحضاري ودورها السلمي البناء في المنطقة والعالم .