الرئيسية » شؤون كوردستانية » الحركة الكوردية بين الحالة السياسية والعمالة الأمنية

الحركة الكوردية بين الحالة السياسية والعمالة الأمنية

كتبنا سابقاً في هذا الموضوع، كما كتب الآخرون، ولم نكن لنعود إليها لولا (الضجة الأخيرة) والتي أثيرت حول كلٍ من الصديقين مشعل تمو؛ الناطق بأسم تيار المستقبل الكردي وعبد الحكيم بشار؛ سكرتير اللجنة المركزية لحزبنا (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا – البارتي) والتي تراوحت بين الذم والمديح ونادراً الدراسة والتقييم الموضوعي البعيد عن النرفزة و(شخصنة الموضوع) والهيجان الانفعالي والذي يسيء إلى كاتبها أكثر مما يسيء إلى من يتناوله الموضوع نفسه. وهكذا فقد رأينا أنه – ربما من المفيد – أن نتناول هذه القضية، مرة أخرى، وذلك لتوضيح بعض القضايا والتي ربما ومن خلال المناقشة الهادئة والمتزنة أن نصل معاً إلى عدد من النقاط التي تخدم القضية الوطنية وتحديداً ما يتعلق منها بالحركة السياسية الكوردية وما يثار حولها – وحول بعض كوادرها ورموزها – من إتهامات بالعمالة للنظام السوري وأجهزتها الأمنية المخابراتية.

ولكن وقبل أن ندلي برأينا في المسألة – وفي سبيل المزيد من الإيضاح – علينا أن نعود إلى مراحل التأسيس والبدايات؛ حيث يقول الأستاذ رشيد حمو في إحدى مقابلاته بخصوص العلاقة (علاقة الحركة الكوردية) مع النظام السوري ما يلي: (..وحينذاك كنا نشعر بتشجيع السلطة لتسمية الحزب بالكردستاني) ويضيف كذلك (..في عهد الوحدة بين سوريا ومصر وحتى بعد انقلاب 14 تموز 1958 وانسحاب العراق من حلف بغداد، بقيت علاقاتنا جيدة مع سلطات الوحدة، حيث أسس الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إذاعة تبث باللغة الكردية من القاهرة تحت إدارة الأستاذ فؤاد معصوم، إضافة إلى تأسيس مكتب في دمشق بإشراف وزير مصري لتوجيه الأكراد ومساعدتهم، وفي عام 1959 طلبني المكتب الخاص للسيد عبد الحميد السراج في دمشق، واستشرت المرحوم أوصمان صبري فوافق على ذهابي وهناك عرض علي ضابط الأمن موضوع تحريض الأكراد في تركيا ووعد على لسان عبد الحميد السراج بالدعم المادي والمعنوي بما فيها طباعة النشرات وتوزيعها هناك، وأنه لا يروم من ذلك سوى صداقة الكرد..). وهكذا يتبين لنا بأنه كان – ومنذ البدايات – خط (لا نقول ساخن) وإنما تواصلي وإستدعائي – على الأقل – بين الحركة السياسية الكوردية والنظام.

ولكن هل يمكن الإدعاء بأنها وصلت إلى حد تلميع بعض الرموز أو “عمالتهم” للنظام كما يذهب بعض المهتمين بالشأن الكوردي وتحديداً الحركة الكوردية وقادتها ورموزها وذلك كما رأينا على طول مسيرة الحركة والتي أزدادت حدتها و”ضجيجها” مؤخراً ومن خلال ما نقرأه على صفحات النت من كتابات وتصاريح ومقابلات أم العلاقة محصورة، وبحكم الواقع الأمني والسياسي السوري العام، في الضغط على تلك الشخصيات السياسية ورصد تحركاتهم بغاية حصارهم ضمن فوبيا الأمن وعدم تجاوز “الخطوط الحمر” ودوائرها المرسومة بعقلية شوفينية تجاه جملة القضايا الوطنية ومنها القضية الكوردية. وهكذا يمكن الادعاء بأنه ليس من العقل والمنطق أن نرمي التهم جزافاً على كل من يتعرض للإستجواب والإعتقال الأمني ومن ثم الإفراج عنه بأنه “عميل للأجهزة الأمنية السورية” ونقضي على البقية الباقية من جذوة العمل السياسي الكوردي في الداخل. وهنا يحضرنا إستفسار عن الغاية من العمل الحزبي أساساً، إن كانت تهمة العمالة جاهزة لكل من يعمل بها، أليس الأولى والأجدر أن يعيش بـ “كرامته” بين شعبه وأهله ودون أن ينخرط في أي “مؤسسة حزبية” حتى يجنب نفسه هكذا تهمة وبالتالي فعلى القضية الكوردية (السلام أو الإنتهاء والفناء).

وهكذا فقد نختلف في قراءاتنا السياسية لهذا الموضوع أو ذاك – وحتى دواخل أحزابنا – ولكن يجب أن يكون الإختلاف لغاية الوصول إلى برامج سياسية تخدم مصالحنا وقضايانا وليس لأجل “تسويد صفائحنا” والإتهام بالعمالة والتخوين والإرتزاق. وإن ما يحز في القلب حقيقةً؛ بأن الأمن السوري قد نجح في هذه المسألة – كما بغيرها العديد من القضايا الأخرى – بحيث جعلنا؛ نحن المهتمين بالشأن الكوردي وأحزاباها أن ندخل في “معارك جانبية” وبالتالي أن نفقد بوصلة العمل السياسي النضالي للوصول بالقضية إلى بر الأمان. وهكذا ننسحب وبـ “إرادتنا” – ولكن دون وعي سياسي ناضج – من ساحة “المعركة” مع النظام ورموزه الأمنية و”نتلهى” بتخوين بعضنا البعض وهنا تحضرنا الذاكرة بالحادثة التالية: في إحدى الإستدعاءات الأمنية، طلب ضابط الأمن أن نبدي رأينا بالأستاذ شيخ آلي؛ سكرتير حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا (يكيتي) وبعد أن قلنا بما نعرفه ونراه في الرجل، أردف الضابط بأنه على علم بأننا على خلاف مع المذكور، فكيف نقول فيه هذا الكلام الطيب.. ولم يكتفي بذلك، بل زاد عليه بأنه (أي الأستاذ شيخ آلي) “عميل”. وهنا طلبنا من الضابط أن يشرح لنا كيف ولمن؛ هل هو “عميل” لدولة أجنبية أم لجهة وتنظيم خارجي فرد وبكل خبث: أنه “عميل” للجهات الأمنية السورية.

إننا لن ندخل في حيثيات الموضوع المتشعبة وبالتالي يضيع القارئ في قضايا جانبية ربما لا تهمه كثيراً ولكن ومن حقه أن يسأل ونسأل معه: لما أراد ذاك الضابط أن “يمرر” الإتهام السابق لأحد رموز الحركة السياسية الكوردية – بغض النظر عن درجة إتفاقنا أو إختلافنا معه في بعض القضايا السياسية – وخاصةً وهو يعلم إننا أحد الأعضاء في حزب كوردي آخر “منافس” لحزب “المتهم” وكذلك فقد كنا كتبنا في ذاك الوقت مقالاً عن إحدى القراءات الخاطئة – برأينا طبعاً – للسيد شيخ آلي وبعنوان “القيادات الكوردية والقراءات السياسية – محي الدين شيخ آلي نموذجاً –”، كما اليوم ومقالنا عن الأخ الدكتور عبد الحكيم بشار؛ سكرتير اللجنة المركزية لحزبنا (الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا – البارتي) وبالتالي كانت الردود المتشنجة من بعض المردة الجاهزين “لسب وشتيمة” كل من يقترب من (الصنم/ المقدس) وهكذا وكأن “التاريخ يعيد نفسه”. بالـتأكيد إن غاية ذاك الضابط هي غير نبيلة وكانت محاولة للإيقاع بنا وذلك قبل الإيقاع “بالمتهم” المزعوم ولكن لم يكن يتوقع أن يكون ردنا عليه كالتالي: إن كان السيد شيخ آلي “عميل” لكم (للجهات الأمنية) فأنتم أولى بمعرفة ذلك والإجابة عليه ولكن ما نعلمه عن الرجل؛ بأنه سكرتير حزب كوردي (الوحدة) وهذا الحزب له برنامج سياسي نتفق معه بنسبة تفوق (60-70) بالمائة وبالتالي فإننا نتفق مع سكرتيرها ضمن النسب السابقة وإن أختلفنا في قراءات أخرى؛ ما دام يلتزم ببرنامج حزبه ومقرراته السياسية.

خلاصة القول: نود التأكيد مرة أخرى؛ بأن الحركة الكوردية في سوريا وإن كانت تمارس (التقية السياسية) مع النظام الأمني فهذا لا يعني بأن خطابها السياسي يرسم في الدوائر الأمنية وبأن رموزها “عملاء” لدى تلك الدوائر، بل إنه نتاج ضعف عام في العمل السياسي السوري ومنها الكوردي، وهذه تحتاج إلى ملفات ومراكز دراسات. وكذلك فإننا نؤكد بأن إختلافنا مع قراءة الأخ عبد الحكيم بشار في مقالته الأخيرة – وبالمناسبة فإنها ليست المرة الأولى التي نختلف فيها سياسياً – لا يعني “الخلاف والصراع والتناحر” كما ذهب البعض في كتاباتهم التي أتسمت بالإنفعالية والتشنج – وربما لغايات في نفس يعقوب – وكذلك لا يعني بتاتاً “تخوين الرجل”، بل إننا من الذين يعرفونه ويعرفون مواقفه الجريئة وهي بغنى عن شهادتنا أو شهادة الآخرين وخاصةً المتملقين منهم، ولكن يبقى لنا قراءاتنا وله/ لهم قراءاتهم وربما نتفق هنا ونختلف هناك وهذا لا يعني – مرة أخرى – بأننا ننتهز “الفرصة الذهبية” أو إننا “نشحذ السكاكين” للإجهاز على “الضحية – القيصر”. ثم ما هذه الثقافة “الوحشية” والتي لا ترى في الآخر إلا (الضحية أو الجلاد والجزار) وكأننا في “مسلخ” سياسي وليس حركة وحالة سياسية تتحمل قراءات متعددة.

وأخيراً نود أن نسأل صاحب “الفرص الذهبية للديمقراطية” – مع العلم أن الديمقراطية هي حالة ذهبية وليست (فرصة ذهبية) وهي “أقل الأنظمة سوءاً” – أليس من الخير لنا ولقضيتنا بأن يكون هناك قاص جيد ولا سياسي فاشل وذلك من دون أن ندخل معه في سجالٍ على عدد من النقاط التي أثارها في مقاله الرد علينا والذي حمل من التناقض والسخرية الكثير الكثير، بل وأحيناً تقويلنا ما لم نقله. وكذلك ألا تعتقد معنا أنه كفانا ثقافة المدح والذم ولتكن مقارباتنا للقضايا تحليلاً ودراسة وليس مدحاً وتبجيلاً “للصنم” والزعيم، إن كان زعيم القبيلة أو الحزب أو الجمهورية.. ثم وبعد كل هذا التملق “للزعيم” وتماهيه مع (كيانه) السياسي – الإجتماعي، وكما كتب أحد الزملاء متسائلاً: “ويسألونك عن الإستبداد في شرقنا البائس”.

هولير – 24/5/2009