الرئيسية » مقالات » بارونات الاستيزار .. بارونات الاحتكار الثنائي الإقصائي

بارونات الاستيزار .. بارونات الاحتكار الثنائي الإقصائي

دعوا جرحنا الضخم يبرأ ببلسم الديمقراطية والتمثيل النسبي الكامل …
دعوا شعبنا الفلسطيني يعالج جرحه الذي أثخنتموه فصلاً راعفاً وقَطْعاً واحتكاراً، فصل قطاع غزة عن الضفة والقدس، وتحويله إلى بؤرة انتقام وحصار صهيوني..
أقول هذا وقد بات فعلاً قول الحقيقة وكلمة الحق في الموضوع الفلسطيني الداخلي، “جهاداً” في سبيل الله والوطن والشعب، وصوناً بـ “عرض” الحقيقة والوحدة الوطنية التي غدت بمنزلة “الجهاد الأكبر”، وأشهد الله عليكم يا قبائل المحاصصة والاحتكار ومن خلفها عدنان وقحطان والمحاور الإقليمية، بأن السكوت، بل الإمعان في جريمة الشرذمة على حساب المصلحة العليا للشعب بـ “الوحدة الوطنية الفلسطينية” وتغذية الانقسام ـ قُلْ الاحتكار الأحادي والثنائي ـ، هو بمثابة جريمة الصمت على تهويد القدس ومقدمة لنكبة جديدة.
في مواجهة الخلط القصدي المتعمد، يضطر المرء كثيراً للعودة إلى تسمية الأمور بمسمياتها الفعلية، لا اكاذيب شعاراتها الشعبوية. وبعد أن أنتج حوار المحاصصة الانقسامي بين فتح وحماس في القاهرة (16 ـ 18 أيار/ مايو) خطوة انقسامية، تقوم على تعطيل الحوار الوطني الشامل، وتأجيله إلى 7 تموز/ يوليو 2009، في حالة من استهلاك الوقت والزمن وتمديد الواقع المفروض على الأرض، والتي من الممكن أن تتكرر بالتسويف والألاعيب والمماطلة وكنتيجة لتعطيل الحوار الوطني الشامل من 19 أذار/ مارس حيث التفّتْ حماس وفتح عليه، بالعودة إلى حوار المحاصصة الاحتكاري والإقصائي الذي يكرّس الانقسام في الصف الفلسطيني، بالتراجع عن بيان 26 شباط/ فبراير ونتائج أعمال الحوار الشامل في 19 آذار/ مارس 2009 بمشاركة 13 فصيلاً والشخصيات المستقلة كلها ـ ما عدا حماس ـ، على قانون التمثيل النسبي الكامل لانتخابات تشريعية ورئاسية بسقف 25/1/2010؛ وانتخاب مجلس وطني جديد لمنظمة التحرير الفلسطينية بالتمثيل النسبي الكامل، وفي المجتمع الفلسطيني نقابات اتحادات جمعيات …
بعد حكومة سلام فياض الأخيرة؛ انبرت بارونات الانقلاب السياسي، بارونات الوزارات الفلسطينية منذ عام 1994، ومعها بارونات الانقسام والانقلاب العسكري وكلاً من موقعه في دمج مركبات عناصر الاحتكار، انبرت في تفوهات وترهات لا تنطلي على أحد، فليس مطلوباً من المرء الفلسطيني أن يكون مطلعاً بدقة، أو عقلانياً ممتازاً، لكي يفهم الترابط “الضروري” بين مختلفات احتكارية إقصائية في مشروع السلطة والمال ولكن كلاً على طريقته وشعبويته، بقدر ما يتطلب امرءاً عادياً، بل وقليل الذكاء. حيث يرتبط النموذجين بـ “دين” السلطة والمال والنفوذ وجعله جزءاً من “المنظومة الشعاراتية” التي دارت على شاطئيّها الدماء الفلسطينية، في حرب داحس والغبراء المتواصلة، وباعتبارها شكيمة تحد من اندفاع الناس وتطورهم، وتجريبية تقع في براثن العبثية النابحة على مكاسب شخصية، وعلى حساب القضية الوطنية المدعاة وبعضها الجديد المستجد في سياق الظاهرة الانتهازية، ممن لم يستوزر، فالاستدعاء القصدي للتجريبية العبثية الاحتكارية الثنائية المدمِّرة تحاول أن تنتزع الفهم من الناس.
بيد أن تجربة الشعب لا تعود إلى زمن غابر، بل راهن وهو معاش بكل أساه وآلامه الوطنية، حين تقوم معادلتها البارونية إما على الإمعان في التجربة الأحادية الاحتكارية، أو الاقتسام الاحتكاري الثنائي، وهذه راهنة معاشة في حياة الناس وقضيتهم الوطنية ومصالحها العليا. طبعاً على مزامير لاهوت أموال “البقشيش” السياسي الإقليمي، بعد أن أمسك البارونات بـ “الفروج المدمي” وألقوا عليه الشعائر في الباستيل الجديد قطاع غزة المحاصر.
من أجل التجرد إذا كان مفهوماً ومعاشاً بدقائق للناس، فالجسارة هي في توضيح الحقيقة كما هي حول الانتهازيين والمتنقلين من موقف إلى آخر، بحسب إيرادات الاستيزار والجيب المالي المنفوخ، لنسمِ الأمور بمسمياتها …
الوزارة الأخيرة لسلام فياض، تنتمي إلى الجيل الثاني في حركة فتح، من الذين كانوا مبعدين عن الوزارة والسلطة على يد اللجنة المركزية للحركة، وعلى يد مجموعة كتلة فتح البرلمانية ذاتها، فأعلنت كتلة فتح البرلمانية رفضها لهذا التمثيل، باعتبارها أنها “موكلة” بالتعيين لوزراء فتح. ماذا يعني هذا ؟! …
يعني بالضبط؛ إنه صراع على السلطة والمال والنفوذ، وليس صراعاً سياسياً أو برنامجياً، فوزارة الائتلاف الوطني مختلطة بين عدد من الفصائل الفلسطينية والشخصيات المستقلة، وهذا الموقف يطلق العنان لسخرية متكررة تداعت وأشبعت نقداً، لكنها الظاهرة، أي ظاهرة الاحتكار والإقصاء. لنتمعن أكثر.. لنسمِ الأمور بمسمياتها أيضاً …
تمثل “حزب الشعب الفلسطيني” في الحكومة بالوزير إسماعيل ادعيق ولوزارة الزراعة، وهو عضواً في اللجنة المركزية للحزب؛ ومسؤول عن “اتحاد الإغاثة الزراعية”؛ ليتبين أن صراعاً بينه وبين الأمين العام للحزب بسام الصالحي، في إطار اللجنة المركزية على مَنْ يكون منهما الوزير !. وسبق أن تم استيزار بسام الصالحي في أكثر من وزارة من وزارات السلطة على امتداد نشوئها؛ في وزارات أبو عمار (ياسر عرفات)، ووزارات أبو مازن (محمود عباس)، وسبق أن شغل في وزارة الائتلاف البرلماني وزيراً للثقافة. ويتضح أيضاً انحسام الصراع في اللجنة المركزية لصالح إسماعيل ادعيق، مما حذى بالصالحي إلى طرح “إستراتيجية جديدة” داعياً الذهاب بها إلى المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، على أن تتشكل الوزارة أملاً بتوزيره بديلاً عن الوزير ادعيق. لنفهم لماذا يرف الآن كثيراً جفن الصالحي ويرفع حاجبه الأيمن أو الأيسر قليلاًَ، ثم نفهم لماذا يهز كتفيه استهجاناً ونحو “إستراتيجية جديدة”! …
لنفهم أكثر؛ فقد أعلن غسان الخطيب؛ عضو المكتب السياسي في الحزب، وشارك بمعظم الوزارات الفلسطينية؛ تأييده لهذه الحكومة، كما أعلن حنا عميرة عضو المكتب السياسي للحزب وعضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير؛ أعلن للفصائل بأن “قرار الحزب بالمشاركة في الوزارة أو عدمها” هو مسؤولية شخصية، وعليها تصرف الوزير إسماعيل ادعيق الذي يحتفظ بعضويته في اللجنة المركزية للحزب، بما يؤكد المشاركة، وبأن اعتراض الصالحي هو اعتراض شخصي بسبب الرغبة الجامحة في الاستيزار، فالوزارة الجديدة هي تشكيل مختلط من عدة فصائل تشمل (فتح، الجبهة الديمقراطية، حزب الشعب، جبهة النضال، فدا) وعدد واسع من الشخصيات المستقلة.
في تسمية الأمور بمسمياتها مرة أخرى؛ يبرز الصراع أيضاً داخل حركة فتح، وبين كتلة أبو علاء قريع ومعه عناصر من اللجنة المركزية للحركة التي تريد أن يحل أبو علاء رئيساً للوزراء، ويتقاطع معهم عزام الأحمد رئيس كتلة فتح البرلمانية، ومعه أغلبية كتلة فتح البرلمانية. وتفيد تجربة أبو علاء المديدة في رئاسته للوزارات الفلسطينية بالفشل حين كان مراراً رئيساً للوزراء، لكن الصراع يعبر بشكل أساسي عن الظاهرة بمنظومتها “الشعاراتية الملتبسة” المعبر عنها بـ “السلطة والمال والنفوذ”، وعليه؛ بأن تحدد كتلة فتح البرلمانية الوزراء، وليس رئيس السلطة ومعه من يكلفه برئاسة الوزارة التي سيقدم طاقمها له، وفقاً للقانون الأساسي للسلطة.
وتبرز كتلة أخرى تتمثل في كتلة مروان البرغوثي والتي تشكل الكتلة الرئيسية في تنظيم فتح داخل الأرض المحتلة، وخاصةً في الضفة الفلسطينية، ومجموع هذه الكتل له حساباته الخاصة عشية انعقاد المؤتمر السادس للحركة في تموز القادم. لقد انفجر هذا الصراع وانتقل من قاعة اللجنة التحضيرية لعقد المؤتمر، في محاولة كل كتلة أن تأتي بمندوبيها إلى المؤتمر، بعيداً عن أي تقاليد ديمقراطية وانتخابية حقة، منتقلاً الصراع إلى وزراء فتح في الوزارة الجديدة، بعد أن أعلن محمود عباس عن التشكيل لطاقم الوزارة وبينهم وزراء فتح، وهم من كتلة مروان البرغوثي ومن الجيل الثاني للحركة، موقع اعتراض ومناكفة أبو علاء قريع، وكتلة فتح البرلمانية التي تواكبت واستوزرت منذ عام 1994 حتى 2006، ما حذى بها إلى رفضها لهذا التمثيل الفتحاوي ببيان رسمي وعلني.
يطول الحديث حول “الأخوة الأعداء في فتح”، كما “الأخوة الأعداء” في حوارات القاهرة التي وصلت إلى إخفاق جديد بسبب ثلاثي “السلطة والمال والنفوذ”، وأصيب الشعب الفلسطيني الذي يفترض أن المتحاورين يقاومون باسمه؛ أو “يسعون إلى التسوية الديمقراطية باسمه، أو مَنْ يدعون التحدث باسمه”؛ بخيبة أمل طالما أن الحوار الفلسطيني فشل، والذي يعني أن العدو الصهيوني كسب جولة جديدة، فضلاً عن الإرهاب والاستيطان والتهويد فالمعادلة هنا جليّة وواضحة: كلما انقسم الفلسطينيون وازدادت التشققات بينهم، تشققات تفتح أبواب جديدة للإرهاب والاستيطان الصهيوني بتدمير مقومات المصلحة الوطنية العليا، واستكمال مقومات “الدولة اليهودية” القائمة على طرد الفلسطيني وعزله ومحاصرته من أرضه، وفي أرض وطنه.
المطلوب فوراً ومن موقع المسؤولية الوطنية والتاريخية، اعتبار حكومة سلام فياض، حكومة انتقالية مؤقتة، وهي فعلاً كذلك، تضطلع بمسؤولياتها لفترة انتقالية، وهي جاهزة لتقديم استقالتها فور التوصل إلى اتفاق بتشكيل حكومة وفاق وطني جديدة، ناتجة عن الحوار الوطني الشامل. وحتى الوصول إلى هذا الهدف عليها أن تعطي الأولية للبرنامج الاقتصادي الاجتماعي، وبمعالجات ملموسة لمشاكل الفقر والبطالة ومستوى حياة المواطنين وتلبية مصالحهم، وصيانة الحريات العامة، ووضع حد للانتهاكات التي تمس الحريات وحقوق الإنسان الفلسطيني، وتكريس التعددية السياسية، وتصويب الأداء الحكومي على مختلف مستوياته، بضمان الشفافية ومحاربة الفساد.
وأشهد أن كلمة الحق “جهاد”، بل باتت بمنزله “الجهاد الأكبر”، فالالتفاف أو الصمت واللعب بالوحدة الوطنية التي ينبغي ان تنسج خيوطها عبر الديمقراطية وبالتمثيل النسبي الكامل، هي جريمة بحق الشعب، مثلما الصمت على جريمة تهويد القدس. وأقول لمن يدعي الحرص عليها ويغدرها بالاحتكار الإقصائي الأحادي أو الثنائي، من أي جهة عقائدية جاء؛ وباسم أي مذهب انتحل، فليحف شاربيه راضياً وعلى قارعة الطريق وعلى مرأى من الشعب. 

مراد يوسف ـ كاتب فلسطيني