الرئيسية » الآداب » من الشعر الليتواني ـ مارسليوس مارتينايتيس

من الشعر الليتواني ـ مارسليوس مارتينايتيس

استهلال

مارسليوس مارتينايتيس (Marcelijus Martinaitis ) ولد عام 1936 وهو من كبار شعراء ليتوانيا. شاعر وكاتب مقالة ومترجم. بدأ النشر منذ عام 1955 وأول مجموعة شعرية له صدرت في 1962 (ثلج نيسان). أصدر عشر مجموعات شعرية، وعدداً من الكتب النثرية التي تجمع مقالاته، ومسرحياته، وتراجمه. وقد ترجمت كتبه الى مختلف اللغات الأوربية. حاز عام 1998 الجائزة الوطنية للآداب والفنون.
تتردد في قصائد مارتينايتيس الرمز K.B. وهو يشير بها الى ذاته إذ يُسقطُ فيه آلامه الروحية مثل: القلق، الخوف، الملاحقة، وهي الاحاسيس التي يحمل أثقالها النفسية منذ أيام الاتحاد السوفييتي.



• مُرشَح انتحاري في ساحة المدينة القديمة
شهادة K.B. لدى البوليس


بدايةً كانَ يمكنُ الاعتقادُ
بأنَّ الرجلَ علّقَ ملابسَ على فرع الشجرةِ
كي يُبعدَ العثَّ عنها.

منْ خلالِ النافذةِ المفتوحةِ اجتاحتْ الموسيقى الحديقةَ في الخارج.
على مقربةِ من هناك، منْ غيرِ أنْ يلمحَ أحدٌ من مكانهِ، نقّرتْ حمامةٌ….

قبلَ لحظةٍ رأيتهُ جالساً على مصطبةٍ،
ظننتُ أنه يستريحُ…
مثلُ هذا المشهدِ موجودٌ في محطاتِ المدنِ الريفيةِ.
حينَ ينظرُ المرءُ اليهم يصيبهُ الشكُّ بأنهم يتنفسون.
حينها قرأتْ مارغريتا دانتي بصوتٍ عالٍ لي.
حقيقةً ليس هذا ذا أهميةٍ للبوليس؟
كانَ عليَّ أنْ لا أكونَ متأكداً هكذا….

أخرجَ شيئاً من حقيبةِ يدهِ وأغلقها ثانيةً بدقةٍ
(هكذا يتصرفُ أربابُ العائلاتِ الحريصون)،
ظننتُ أنه سيتناولُ طعاماً…
لكنه تبينَ بعد ذلكَ أنه أخرجَ حبلاً…

استمعتُ الى مارغريتا ـ كنا معتادين أنْ نقرأ خفيةً.
انظرْ إلى طبعةِ الصور…. حديثاً أفلحنا في الحصول على ألبوم.
هل تجاوزتم هذا؟ رجاءاً، يجبُ عليكم
أنْ تكتبوا هذا في البروتوكول!

في أي مكانٍ يوجدُ الانتحاريون الكلاسيكيون؟
لقد وقّعوا على رسائل الاستقالةِ؟
في جيبِ البنطال عُثِرَ على فاتورةٍ فقط!
في التاريخِ كثيرٌ منْ أنواعِ العاداتِ الرتيبةِ المملةِ جداً!
أما أنتم فلا تُثارون مطلقاً من طباشيرَ ملونةٍ في ذائقةِ الانتحاري…..

انظروا، هكذا يُعلِّقُ هناك، كما لو أنه لم يكنْ لأول مرةٍ ـ
بلا توقيعٍ
مع فاتورةٍ ممسوحةٍ في الجيب.

لا في مكانٍ مطلقاً ولا في زمانٍ
تجرّأ أنْ يفعلَ شيئاً بالرايةِ في عُلاها!

* * * *


• K.B. والمرآة السرية


نُقلتُ إلى داخل صالةِ مرايا سريةٍ.
بسرعةٍ فائقةٍ ابتدأ الزمنُ ينطلقُ في الاتجاهِ المعاكس،
ليعود ثانيةً بعد ذلك.

رأيتُ أشكالاً تنعكسُ،
تأخرتْ أياماً، شهوراً، سنيناً،
تحوّلتْ الى مادةٍ هناك
كي تتحوّلَ بعدها إلى رمادٍ وغبار.

لقد انعكستْ صورتي عدة مراتٍ،
في لاوجودي.


تمكنتُ أنْ أرى نفسي وأنا أختفي:
مولوداً جديداً، مراهقاً، شاباً،
في بدلةِ جنديٍّ، سويةً مع امرأةٍ،
في سيارةٍ، مع كلبٍ، محاطاً بالمهنئين،
تقريباً مثل الآن، مثلَ أول أمس:
بلا علاقةٍ،
سلسلةً من الفناء الذاتي اللانهائي.

في النهايةِ مصعوقٌ من الزمن الحاضر،
أضحيتُ في المرآة شكلاً
ما عادَ يرى نفسَه.

* * * *


K.B. * ماذا تُسمى هذه الشجرةُ
التي سحقتْ هذا الانسانَ البائسَ


سُحِقَ حتى الموت
منْ شجرةٍ هوتْ بسببِ عاصفةٍ شديدةٍ.

كانتْ الشجرةُ شائخةً، متهرئةً،
جرداءَ من الأغصانِ، وجذورُها يابسةٌ,
جوفاءَ، كانَ للساقِ فروعٌ سوداء،
مع طحالبَ في الجانبِ العلوي،
كانَ لُبُّها منخوراً،
أسلاكٌ شائكةٌ نمتْ في لحائها.
(يوماً ما كانَ يوجدُ سياجٌ هناك).
في الجانبِ الآخر كانَ جزءٌ من الشجرةِ مفقوداً.
من المرجح بسبب حادثِ سيارةٍ.

K.B. تقدّمَ خلالَ الحشدِ
وبدأ يفكرُ:
ـ ماهذهِ الشجرةُ التي سحقتْ هذا الانسانَ البائسَ؟
ربما هي شجرةٌ بريةٌ؟ لكنْ لا، وليستْ بلوطةً….
ينبغي أنْ أعرفَ،
أوه، من الغباءِ أنْ أكونَ ناسياً ….
عليَّ أنْ أبحثَ في الكتبِ عندما أصلُ إلى البيت.

* * * *


• منْ رسالةٍ لـ K.B. إلى الآنسة الشابة مارغريتا


أنتِ، ايتها الحييةُ الرائعةُ!
بنشوةٍ صوفيةٍ أكتبُ إليكِ!
لفترةٍ ليستْ ببعيدةٍ قلّبتُ أرشيفي
وفرزتُ ما سأحرقهُ وما سأحتفظُ به
وما سأنشره بعد موتي (إنهُ حقاً
أنتِ التي ألهمتني كلَّ ما كتبتُ،
يجبُ أنْ يمرَّ زمنٌ حتى يفهمَ جيلٌ جديدٌ
الصراعَ في الحلبةِ!)

لكنْ، ما لأجل هذا أنا أكتبُ.
أنتِ تفهمين ـ
بين الوثائق القديمةِ عثرتُ على رسالةٍ لوالديَّ.
إنهما اللذان هزّاني!
كان من المحتمل أنْ لا أولدَ!
نتاجي التأليفي!
بدلاً مني كان شخصٌ آخرُ يمتلككِ!

أبي ( لم أرهُ أبداً!)
يكتبُ غاضباً إلى أمي الحامل
بأنه من المبكر أنْ آتي الى الدنيا
لأنَّه لا ينتظر هذا.
إنه يريدُ أن يُرزقَ بطفلٍ يوماً ما!
حين تتوفر النقود!
في أزمانٍ أخرى!

منْ أجل حبهما
وعدتْـهُ أمي،
لكنها لظرفٍ ما حدثَ أنْ لم تُـوفِ بوعدِها.
في الرسالةِ اشتكتْ: إنه قد فاتَ الأوانُ عن هذا.
فوُلدتُ أنا واختفى أبي.

أنتِ، أيتها الحييةُ الرائعةُ!
بدلاً مني كان من الممكنِ أن يوجدَ شخصٌ آخر!
لذا أنا أكرهه!
إني أغارُ من هذا المجهول!

منْ أجل حبنا، أعرفُ، إنه أنتِ فقط
كانت ستلدني دونَ أدنى شكٍّ!

* * * *

• معلومات عن استخدام الانسان للأشعار


ليحملْها معه في كلِّ مكان (بدلاً من المسدسات).
فجأةً أطلقْها في وجهِ اللص
حين يطالبكَ بمحفظةِ جيبكَ.
ليُخرجْها على شكل مروحةٍ يدويةٍ في مواجهةِ البعوض
في المساءِ حينَ يجلسُ المرءُ عندَ النهر.

ليملأْ خزانةً، ليُشعِلْ طبّاخاً،
ليلفَّ شطيرةَ زبدةٍ بالجبن،
لييِعْ نُسخاً مُصدَقةً إلى أرشيفِ الدولةِ
وذلك بعدَ أنْ يكونَ المرءُ قد عبّرَ في القصائدِ عنْ
أفكارهِ، جسدهِ وجنسهِ.

ليُفزعْ ناشرَهُ،
ليقتحمْ مكتبَهُ،
ليطالبْهُ بأنْ يحوّلَها فوراً إلى نقودٍ باليد.
بأشعارهِ يدفعُ لعشيقتهِ ثمنَ مبيتهِ عندها.

ليأخذْ أشعارَهُ معه:
قبلَ أنْ تجريَ محاكمتُه، في اللقاء، في مركز البوليس،
في المستشفى.
إنها تساعدُ حتى في مواجهةِ الوحدة،
وهي ملائمةٌ للإعترافات.

لِيمزّقْها إرباً إربا ويصبّها في قهوةِ الناشر.
لِيُسمّمْ بها الماءَ
الذي يشربُهُ جابي الضرائبِ.
لِيُملِّحْ بها شريحةَ لحمٍ مقليةً لناقدٍ،
فجأةً لِيُدخلْها خلفَ ياقةِ قميص موظفِ البلديةِ.

لِيقرأْ عالياً،
حين يسمعُ الكلبُ تحتَ المائدةِ بتركيزٍ أكثرَ
منْ مربيتهِ:
الشعرُ أسلوبٌ جيدٌ في تهدئةِ الكلاب.
الكلابُ تنبحُ فقط على الذين يأتون والذين يذهبون.

* * * *



• أنا مُتهَمٌ


المرأةُ التي كانتْ جالسةً بجانبي
تُغيّرُ مكانها، وآخرٌ يتحوّلُ منْ مكانهِ
حتى لا أتمكنَ من النظرِ اليها.
عابرُ سبيلٍ يختفي في الظلامِ حينَ سألتهُ عن الطريق.
قطةٌ تقفزُ بسرعةٍ فوق الشارعِ،
على المرجِ الأخضرِ يقفُ حصانٌ على حافريهِ الخلفيين،
نحلةٌ تطيرُ مارةً، فراشةٌ، فأرٌ يختفي كالبرقِ في الطريق.
السنجابُ ينظرُ منْ أعلى الشجرة
كما لو كنتُ فائضاً عن الحاجةِ.

لديَّ كلُّ وثائقي الشخصية، أنا لم أعاقَبْ،
بلا مسدسٍ، بلا أفكارٍ تقريباً.

طفيلياتٌ فحسب، كلُّ أنواع الحشرات،
ذبابٌ وديدانٌ تزحفُ على وجهي،
تنفذُ إلى فمي، أنفي،
تشربُ منْ دمي.

كلما برزتُ، يختفي أحدهم، يمضي في طريقهِ،
يحدّقُ بشكٍّ، يتسمعُ، يتنكرُ، يصمتُ:
كما لو أنَّ بمقدوري القبضَ عليهم،
ألقي بهم أرضاً، أجهزُ عليهم.

أنا متهمٌ بأني جزّارٌ،
مُغتصِبٌ، منسقُ نباتاتٍ،
سكرانٌ، حادُّ المزاج، مانيكير، نشّال،
مُعذّبُ حيوانات، جنين مشوّه، عميلٌ سابق،
هارب.

من غير الممكن التوضيحُ لهم
بأنه عليهم أنْ لا يهربوا، وعليهمْ أنْ يتدجّنوا، يُسايروا،
يُعلّموا، يُطعموا.

وبالنسبةِ للحيواناتِ، والنحلِ، والنساءِ،
لا يعني شيئاً أنْ تكونَ لي وثائقُ شخصيةٌ،
أقرأ الكتبَ المقدسةَ، أستغرقُ في الشعر،
أسدِّدُ ديوني في وقتها، أدفعُ الضريبة،
أحبُّ أخي الانسانَ ليس أقلَّ من نفسي.

وهكذا أحملُ معي دَيناً مجهولاً لكلِّ الأحياء،
كلِّ الذي يولدُ ويموتُ، كلِّ الذي يغني،
يحزنُ ويتعذبُ:
أينما أتوجهُ يصبحُ كلَّ شيءٍ فراغاً فحسب ،
مثلَ مراعي العشبِ التي يقضُمها الشيطان.

* * * *

ترجمة عن السويدية والانجليزية: عبد الستار نورعلي

السبت 28 فبراير 2009