الرئيسية » مقالات » حرب وسجن ورحيل -23

حرب وسجن ورحيل -23

لاحظت سجينا ضامر الجسم كأنه شبح أو هيكل عظمي يدير عينيه الجاحظتين من خلف نظارته الطبية التي نزلت ألى أرنبة أنفه في كل اتجاه وكأنه يبحث عن شيئ ضاع منه وكانت شفتاه تتمتمان بكلام لايفهمه ألا هو وقد عزل نفسه عن الآخرين تماما رغم ضيق المكان . كانت نظراته الزائغة ممتلئة بالريبة والشك وكأن لسان حاله يقول لو كان باستطاعتي لقتلتكم جميعا أيها السجناء . كان يلبس دشداشة معتمة بأزرار مفتوحة وما تبقى من شعر متجعد أبيض على رأسه يثير في النفس القرف لكثرة الجعد التي فيه وقد برز قفصه الصدري وكأنه بقايا صدر من أنسان شبع موتا وقد لاح عمره وكأنه في منتصف السبعينات من العمر. لاأدري لماذا تذكرت في تلك اللحظات شخصيات كنت قد قرأتها سابقا كشخصية (شايلوك ) في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير وشخصية (الغريب ) للبير كامو وشخصية ( جان فالجان ) في رواية أحدب نوتردام لفكتور هيجو وشخصية ( المسخ ) لكافكا وشخصيات غريبة أخرى مرت علي خلال قراءآتي لبعض القصص القصيرة والروايات لكتاب وروائيين عديدين . وتولد لدي أحساس عميق بأن هذا الشخص الغريب الأطوار يخفي خلف نظارته القديمة قصة غريبة .
همست في أذن أحد الشباب الهاربين من الخدمة العسكرية وكان جالسا بجنبي ماقصة هذا الرجل ؟ فأجابني على الفور ( عمي هذا عميل بالمخابرات وهسه محجوز هنا بتهمة توصيل أخبار كاذبه للدوله وآني أنصحك دير بالك منه تره هذا كله شر وانته أذا تريد تحجي وياه ظلت يمك .)
في صباح اليوم الثاني ألتقت عيناي بعينيه فقلت له ( السلام عليكم ) فأجابني بكلمة (السلام ) فكررت جملة ( شلون أحوالك ) فأجابني وكانت يداه ترتعشان ( هو البريئ اللي يجي هنا أتظل عنده أحوال ؟ ) فأجبته ( أن شاء الله تثبت براءتك وتطلع ) فغمغم بكلمات غير مفهومه ثم قال ( أشلون البريئ يثبت براءته والحكومه اللي تحكمنا عصابه أنته ليش سجنوك مو لأن أبنك هارب هم أكو واحد يسويها بالدنيا غير أبن الزنا ؟) وهنا سكت ولم أجب ولكنه بادر بالقول ( ها شوظليت ساكت بعدك جبان ؟ ) فابتلعت أهانته وقلت( هذا نصيبي من الحياة أن شاء الله نطلع براءه سو يه آني وانته) ثم بادرته بالقول (شلون عرفت قضيتي ؟ ) فضحك حتى بانت القليل من أسنانه السوداء المتبقيه ( أنته بعدك ماتعرف خلف خاجي آني أعرف قصة كل المساجين بالتفصيل وما يخفى علي شي !) وعرفت فيما بعد أن بعض أصدقائه من الشرطه ينقلون له تهم السجناء بعد ألحاح شديد منه وأحيانا أخرى يلتصق بلوحة الأعلانات ليقرأ أسماء السجناء والتهم الموجهة أليهم وأن أسمه (خلف خاجي ) وفي اليوم الثاني أقتربت منه فسلمت عليه وقلت له لقد عرفت قضيتي فما هي قضيتك أنت ؟فقال لي أجلس لأحدثك ثم قاللي أحلف بالقرآن ماتحجي لأي شخص ؟ فحلفت له علما أن أكثر السجناء كانوا يعرفون أنه عميل للسلطه ومسجون هنا بتهمة (أيصال أخبار كاذبه )دون معرفتهم بالتفاصيل الأخرى.
قال لي مباشرة هل قرأت قصة ( الخورنق وسنمار ؟) قلت له نعم فأجابني ( أنا خلف خاجي خطيب وأمام ناحية شيخ سعد قررت أن أخدم هذه الحكومة وخدمتها لمدة عشر سنوات وأصدمت مع المنظمة الحزبية الفاسده التي كانت تعمل ضد الحكومه في ناحية شيخ سعد والتي كان يرأسها الرفيق ( هادي فضل ) حيث كان هذا الشخص يبتز الناس ويأخذ الأموال من التجاربحجة أعفائهم من الجيش الشعبي وأشياء كثيرة كالتزوير وغيرها حسب أدعائه ولما رفعت عليه تقرير حققوا وياي وجابوني هنا وصدكوا بالكذاب وقصتي صارت مثل قصة سنمار ويه هالحكومه !) وعرفت هادي فضل لأنه كان معلما وأخو مدير تربية محافظة واسط ( كصاد فضل ) في ذلك الوقت وكنت حذرا منه ومن كل ماتفوه به فأجبته ( لادخان بدون نار وأن السلطه لاتعتقل أحدا أعتباطا ) لكي أرى ردة فعله وهنا انتفخت أوداجه وانتفض وهو يرتجف قائلا (يبين أنته جبان درجه أولى !يجيبوكم للسجن وجبنكم يزيد أكثر ) فابتسمت في وجهه رغم كلامه الحاد لأنه كان لا يتورع عن سب السجناء وتوجيه مختلف النعوت لهم بعد أن يستفزونه ويسخرون منه ويشكلون محكمة فيما بينهم ليحاكموه بمختلف التهم ويحكمون عله بالأعدام وسط صياحه وسبابه وكانت الأكثرية الساحقة من السجناء يتحاشونه للسانه السليط وكنت أتحمله وأجامله وأسعى ألى كسب وده كي يفتح لي صدره و يحكي لي مابداخله. وخلال مكوثنا سوية حكي لي قصصا غريبة لاأدري هل كانت صحيحة أم من نسج خياله .
لقد قال لي أنا عندي في البيت عدة هدايا شخصيه من ( برزان التكريتي ) عندما كان مديرا للمخابرات وقد زرت الهند وباكستان وتركيا وأندنوسيا وغيرها من البلدان الأسلامية على حساب المخابرات ضمن وفد ديني مرسل من قبلها لحشد التأييد للعراق عند بداية الحرب وكنا نعد التقارير السرية عما نراه ونشاهده وعن آراء الناس في تلك الدول بالنسبة للحرب العراقية الأيرانيه حيث كنا نلقي خطبا معدة سلفا عن تلك الحرب ونهاجم فيها الخميني ونجيب على أسئلة الناس في ا المساجد وبعد عودتنا نقدم التقارير الكاملة عن رحلتنا ومشاهداتنا ألى مديرية المخابرات العامه لتقييم عملنا ونشاطنا وغالبا ماكنا نتعرض للتوبيخ لعدم قيامنا بالمهمة على الوجه الأكمل حسب رأيهم هكذا ادعى وكان يدعي أيضا بأنه كان الأفضل من بين رجال الدين المزيفين الذين كانت تجندهم المخابرات برئاسة برزان التكريتي من أجل أيقاف الحرب . وكان يتحدث بأسهاب عن الهويات الخمس التي كان يمتلكها مع جماعته ثم أخذ يقذف النظام القائم بأبشع الكلمات ولكن بصورة خافتة لم يسمعه أحد غيري وعندما كان يأتي الطباخ (شحاته ) يبادره قائلا ( ولك شحاذ هالمره أذا متنطيني هبراية لحم أحرك أبيك وبي أبيك ولك انته وين تودي اللحم شنو أنته مقنطر ويانه توزع علينه بس عظام ياعظام بن العظام ) فيجيبه شحاته قائلا خوفا من لسانه السليط وأحيانا من عدم فهمه لبعض الكلمات (تكرم ياعم خلف أنته بس أأمرني أنا خدامك !) فكان خلف يرد عليه ( أضربوا ياكواويد يامصريين يافراعنه أنتو اتنهبون فلوس العراق واحنا راح انخيس بالسجن ) فيرد عليه شحاته بابتسامه عريضه ويقول( طول بالك ياعم خلف أنته مثل أبوي ولازم احترمك !!!)وكنت أعجب لسلوك شحاته القويم وهدوءه التام تجاه تصرفات خلف خاجي وكلامه الأستفزازي .
رغم كل الأحاديث التي كان يدلي بها خلف خاجي لي ألا أنني كنت أطالبه بالمزيد لأنني كنت أشعر أن لغزا معينا في حياته لم اكتشفه بعد ألى أن كشف سره أحد السجناء الشباب الهاربين من الخدمة العسكرية وكان من أهالي البصره وكان ضمن قاطع بدره أثناء هروبه وتم ألقاء القبض عليه وجيئ به ألى السجن الذي كنا نرقد فيه ريثما يرحلوه ألى اللواء الذي كان يعمل فيه أثناء هروبه وكان الجندي يعفى لمرتين أذا هرب أما الهروب الثالث فكان عقوبته الأعدام رميا بالرصاص كل في محافظته .
سأل الشاب ألست أنت خلف خاجي ؟ فأجابه خلف : أنته شتريد مني ؟ فأجابه العسكري الهارب( آني ماأريد شي بس أنته أبن مدينتي وحبيت أسلم عليك .) فاصفر وجه خلف خاجي وأخذ يرتعش لأنه أدرك أن حقيقته على وشك أن تنكشف أمام السجناء فقال للجندي ( آني لاأعرك ولا شايفك ) ولكن الجندي أصر قائلا ( آني ماأريد منك شي بس أكول أنته خلف خاجي جيراني ومن أخواننا الصابئه وكنت تشتغل بالمحابس بالبصره وبالمحلة الفلانيه أشجابك هنا ؟) وهنا ارتسمت الدهشة على وجوه السجناء كيف يكون أحد أخواننا الصابئه خطيب وأمام في مسجد شيخ سعد ؟ مع الأحترام التام لأخواننا وأعزائنا الصابئه ولكن هذا هو الذي تم اكتشافه في السجن وأنقله بأمانة تامة . وهنا صاح خلف خاجي بأعلى صوته ( أسكت ولك جذاب.. جلب .. خائن الوطن .. أفرار ولسانك طويل أنته لازم تنعدم جبان !) فأجابه الشاب عمي( آني أفرار ميخالف الحكومه هي اللي تعاقبني مو أنته وآني راح ارجع للجيش وسلمت نفسي ! بس آني أعرفك مثل ماأعرف نفسي واتحداك أذا تنكر أنته ليش ماتريد أسلم عليك وتغلط علي بدون سبب وآني مامسويلك شي !) وأثناء هذا النقاش الحاد ساد بعض الصخب على الكلام الذي حدث بين الأثنين وهنا تلفظ ( خلف خاجي ) أشنع الألفاظ على الشاب فما كان من الشاب ألا وتوجه ألى خلف خاجي بلكمة قوية أسقطته على الأرض بعد أن فقد أعصابه لكثرة الكلمات الجارحة التي وجهها له . فحضرت الشرطة وأخرجت الأثنين وعوقب الشاب بنقله ألى سجن آخر أما خلف خاجي فنقلوه ألى المستشفى لعدة ساعات وجاءوا به ألى السجن مرة أخرى وهو في حالة سيئة . ومن عجيب الصدف أن يأتي شخص آخر ألى السجن من أهالي علي الغربي ويوضح لنا كل الجوانب التي كان يخفيها خلف خاجي عن نفسه وكيف انتحل الدين الأسلامي وأصبح خطيبا وأماما لجامع شيخ سعد وكان سببا في تهجير العديد من أهالي شيخ سعد ألى أيران وقام بعمليات تزوير كثيره وكان يجمع الناس ويلقي عليهم المواعظ في رمضان ومحرم والمناسبات الدينية الشيعية وهو على دينه الصابئي دون أن يغيره لكنه لم يكتف بهذا فاصطدم مع المنظمة الحزبية في الناحيه وكان يرأس منظمة حزب البعث ( هادي فضل ) فحدثت شكوى مقابله بين الأثنين ألى السلطات العليا وتم التحقيق معهما في أحدى الدوائر الأمنية في بغداد وتم سجن خلف خاجي على أثر ذلك التحقيق . وانتهت قصة خلف خاجي حيث تم الأفراج عنه بعد سنة من الأعتقال ولا أدري ماذا حل به بعد ذلك التأريخ وربما يتذكر أحد من أهالي شيخ سعد الكرام ذلك الشخص الذي كان يتجسس عليهم وهو ينتحل صفة (خطيب وأمام جامع شيخ سعد ) وهو غير مسلم بأمر من السلطة البعثية الغاشمه التي كانت تسخر مثل هؤلاء لأغراضها الخاصة ضاربة بكل الأعتبارات الأخلاقية والأجتماعية والدينية ودون مراعاة لمشاعر الناس .
كنت أستمع ألى أخبار الحرب من خلال الراديو الصغير الذي كنت أضعه تحت رأسي في الليل وشعرت بأن مطشر سيقتنصه مني في لحظة من اللحظات وتنتهي علاقتي بالعالم الخارجي وقد حدث هذا بالفعل .
كنا نخضع للتفتيش كل أسبوع وكانوا يخرجوننا ألى ممر السجن على شكل وجبات تحت الحراسة المشدده ويدخل( مطشر) ألى قاووش السجن ليفتش ويصادر كل شيئ تقع عليه عيناه من حاجيات السجناء الشخصيه بحجة كل شيئ ممنوع في السجن وقد عثر على الراديو الصغير الذي كنت أضعه تحت رأسي وصادره ولم تفد كل محاولاتي باسترجاعه وكانت هناك قائمة معلقة بأسماء السجناء والتهم المسندة لهم وقد لمحت أسمي بين الأسماء مكتوب أمامه جملة (محجوز من قبل السلطات العليا ) وعندما ينتهي التفتيش وندخل ألى القاووش كان مطشر يحذرنا عند الباب الحديدي من اقتناء أية حاجه دون علمه لكي يغطي على سرقاته المستمرة وكنت أشعر بالغثيان من تلك الوحوش البشرية التي تجردت من كل الصفات الأنسانية دون أن يردعها أحد .

جعفر المهاجر – السويد