الرئيسية » مقالات » محمود المشهداني قاتل، ويتهم الآخرين بالقتل

محمود المشهداني قاتل، ويتهم الآخرين بالقتل

20/5/2009

يوم الأحد الماضي، السابع عشر من أيار، بينما كنت ألقي نظرة سريعة على القنوات الفضائية العراقية، استوقفني برنامج نقاش في ندوة ضمت محمود المشهداني والنائب عن الحزب الإسلامي علاء مكي والنائب نديم الجابري، وكان محمود المشهداني يتحدث بأسلوب يتسم بالحدة عن أسباب فشل أحزاب الإسلام السياسي في انتخابات مجالس المحافظات، وعزوف المواطنين عن التصويت لهذه الأحزاب، وقد اعترف المشهداني علناً على شاشة البغدادية التي شهدها الملايين من العراقيين والعرب في أنحاء العالم العربي بأن أحزاب الإسلام السياسي قد مارست على نطاق واسع عمليات القتل للمواطنين العراقيين على الاسم والهوية، وأن تلك الممارسات هي التي جعلت المواطن العراقي ينصرف عن دعم هذه الأحزاب، ويبتعد عنها، وقد دار بين محمود المشهداني والنائب علاء مكي نقاشاً حاداً، فقد تحدث محمود المشهداني موجهاً كلامه لعلاء مكي قائلاً بالحرف الواحد :
{من قتل الناس الأبرياء في الشوارع والطرق ؟ هل قتلهم الشيوعيون؟؟
أم نحن الذين قتلناهم ؟ نعم انأ وأنت وأصحاب العمائم من قتل الناس، و كرر المشهداني هذه العبارات عدة مرات}.
ثم عاد المشهداني مخاطباً علاء مكي قائلاً:
{َمَنْ الذي أوصلني إلى رئاسة البرلمان وأصلك أنت إلى عضوية البرلمان؟
أليس المسلحون هم الذين وأوصلونا إلى هذه المناصب؟ أنني أتحداك أن تستقيل من الحزب، وترشح نفسك فلن تجد اثنان يصوتون لك، مرددا مرات عديدة انك بعثي}.
وطبيعي المقصود بالمسلحين هم ميليشيات الحزب الإسلامي والبعثيين وجماعة القاعدة الذين كان يمارسون عمليات القتل والتفجيرات أسوة بميليشيات أحزاب الإسلام السياسي الشيعية التي مارست نفس الأعمال الإجرامية طيلة تلك السنوات التي تلت الاحتلال الأمريكي للعراق.

ويبدو أن المشهداني قد جرى تعنيفه من قبل قيادة حزبه لتبرئه الشيوعيين من أعمال القتل، والاعتراف العلني بممارسة القتل من قبل أحزاب الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي في السنوات 2004 ـ 2007، فعاد في اليوم التالي، الثامن عشر من أيار ليوجه للشيوعيين تهمة القتل بعد انتصار ثورة الرابع عشر من تموز1958 في الموصل قبل نصف قرن من الزمان، ومن ثم ليضع القتلة البعثيين الذين اذاقوا الشعب العراقي من الويلات والمصائب ما يعجز عن وصفها القلم خلال 35 عاماً من حكمهم البغيض، من خلال تصفيه كل القوى السياسية في البلاد، وتصفية كل حقوق وحريات الشعب، وزج البلاد في حروب إجرامية كارثية ذهب ضحيتها مئات الألوف من العراقيين الأبرياء، وتدمير البلاد واستنفاذ كل مدخراتها، وإغراق العراق بالديون، ومن خلال قمع الانتفاضة الشعبية ضد نظام الديكتاتور صدام حسين، ولم يسلم من بطش هذا الدكتاتور حتى قادة حزبه الذين جرى تصفيتهم ليخلو له الطريق لحكم البلاد دكتاتوراً أوحداً يمتلك البلاد والعباد وكل ثروات العراق، فقد تساءل المشهداني بكل وقاحة قائلاً:
{ لماذا نسمح بعودة الشيوعيين ونمنع البعثيين؟}
هكذا بكل بساطة يزور المشهداني التاريخ، ويحاول تمرير كذبه على عقول العراقيين البسطاء، ويبرئ البعثيين من تلك الجرائم التي يندى لها جبين الإنسانية، والتي طالت الملايين من العراقيين.
وما دام محمود المشهداني الذي أتت به سخرية الأقدار، وعصابات القتل والإجرام باعتراف صريح منه على شاشة البغدادية إلى رئاسة مجلس النواب، فلا بأس من أن افتح معه ومع كل السائرين في هذا الركب من مدعي الإسلام الذين ما زالوا يرددون هذه الاسطوانة المجروخة البائسة، الحساب عن أحداث الموصل، وإذا كانت لمحمود المشهداني الجرأة والقابلية فليرد على ما أقول، فلقد عايشت تلك الأحداث بكل تفاصيلها يوماً بيوم، ولم ينقلها لي أحد، وبودي أن اسأل المشهداني وزمرته:

أولا: من الذي تآمر على ثورة 14 تموز وحمل السلاح ضدها ؟ الشيوعيون أم البعثيون ودعاة القومية المزيفة، وقد لفوا حولهم كل القوى الرجعية والاقطاعية، وساروا وراء الضابط الأهوج الشواف، آمر اللواء الثالث بالموصل الذي استمات من أجل السلطة، ليعلن التمرد العسكري المسلح، والذي دعا قبل ليلة الانقلاب الفاشل قيادات الحزب الشيوعي للتداول في الوضع الأمني في الموصل، وقد لبى من لبى منهم الدعوة واعتقله الشواف تلك الليلة المشؤومة، واختفى من اختفى منهم ممن أدركوا نوايا الشواف الشريرة، وقد جرى قتل المحامي والمناضل الشيوعي البارز [ كامل قزانجي]، والعقيد أمر فوج الهندسة [ عبد الله الشاوي] الذي أبى السير في ركاب الشواف، ورفض دعم الانقلاب، والعديد من المواطنين الابرياء،هذا بالإضافة إلى قتل أكثر من 120 جندي من المعارضين للانقلاب حصدتهم رشاشات الانقلابيين التي نصبوها فوق منارة جامع باب الجديد!!
وقامت اذاعة صوت العرب وإذاعة دمشق بترديد بيان الشواف الانقلابي، وخطابات عبد الناصر التي هاجم فيها عبد الكريم قاسم والشيوعيين، ودعم الانقلابيين بالسلاح، وقدم لهم الإذاعة منصوبة على سيارة نقل كبيرة قادمة
من سوريا التي كانت ضمن الجمهورية العربية المتحدة.

ثانياً:ماذا كان المشهداني يتوقع أن يحصل خلال وبعد فشل الانقلاب ؟ أليس هناك قانون الفعل ورد الفعل سيكون سيد الموقف، وكيف يمكن أن يقمع الانقلاب دون سفك الدماء ؟
ومع ذلك فعدد الذين قتلوا من العناصر الانقلابية لم يتجاوز ال37 فرداً،عدا الضباط ال17 الذين نفذوا الانقلاب، وحكمت عليهم المحكمة العسكرية العليا الخاصة بالإعدام بعد أن أدانهم بالاشتراك في المؤامرة الانقلابية، وجرى تنفيذ الحكم بهم، وهذا الرقم ثبته المجلس العرفي العسكري الذي أقامه انقلابيوا 8 شباط المشؤوم في جلساته، وأيده العقيد إدريس كشموله في الاحتفالية التي أقاموها في الموصل بعد انقلاب شباط في ذكرى انقلاب الشواف. وقد ذكرت عدد وأسماء القتلى في كتابي صفحات من تاريخ العراق الحديث، وأتحدى المشهداني أن يضيف على هذا الرقم .
وفي تلك الأيام كانت اذاعة صوت الجاسوس أحمد سعيد ينعق بأن 20 ألف من القوميين والبعثيين قد قتلهم الشيوعيون في الموصل!!.
ومع ذلك فقد حوكم المتهمون بالاشتراك في عمليات القتل من قبل المجلس العرفي العسكري في عهد عبد الكريم قاسم، وتراوحت الأحكام بين السجن المؤبد والسجن لمدة 10 سنوات، وبعد وقوع انقلاب 8 شباط جرى إعادة محاكمتهم من جديد خلافاً للقانون، وبعد ممارسة أشنع ألوان التعذيب حيث قضى البعض منهم تحت التعذيب، ونصبت المشانق في شوارع الموصل للآخرين بعد شهادات الزور التي قُدمت ضدهم.
ومع ذلك لم يشفي غليلهم هذا الانتقام، فقد بادر البعثيون والقوميون بشن حملة اغتيالات وحشية امتدت من عام 1959 وحتى الانقلاب المشؤوم في 8 شباط 1963، وقد استشهد في شوارع الموصل أكثر من 800 مواطن من الشيوعيين والديمقراطيين المستقلين، وجرى تهجير أكثر من 30 ألف عائلة من المدينة توزعوا على مدن العراق، وكانت عائلتي إحداهم، دون أن تتخذ حكومة عبد الكريم قاسم أي إجراء ضد القتلة المعروفين لكل أبناء الموصل شخصياً، حيث كانوا يتفاخرون علناً بقتل فلان وفلان كل يوم مدعومين من الأجهزة الأمنية التي كانت تلقي القبض على جثث الضحايا، وتترك القتلة في أمان، ولا شك أن تلك الحملة المجرمة كانت بموافقة عبد الكريم قاسم شخصيا مع الأسف، واستهدفت تقليم أظافر الحزب الشيوعي، وهذا الموضوع يطول الحديث عنه، ولا بأس من تخصيص بحث آخر عنه فيما بعد.
وبعد كل هذا يصرح المشهداني هذا التصريح البائس وهو الذي اعترف قبل يوم بأنه وعصابات حزبه قتلة، وبصورة علنية، وعلى مرأى ومسمع ملايين المشاهدين لقناة البغدادية، فهو القاتل الذي يستحق المحاكمة والعقاب على جرائم القتل التي اعترف بها، والتي جاوزت أرقامها مئات الألوف من المواطنين العراقيين الأبرياء، في صراعهم على السلطة والثروة، مستخدمين الدين وسيلة بشعة في تبرير جرائمهم التي يندى لها جبين الإنسانية.