الرئيسية » مقالات » في نقد النزعة الإنسانية

في نقد النزعة الإنسانية

لا بد من استخدام مطرقة كبيرة جدا لتحطيم الأصنام الجديدة التي بناها أصحابها لتحل مكان الأصنام القديمة , لا بد من إزالة تلك الهالة المقدسة القديمة الجديدة التي يريد الكهان الجدد أن يضعوها حول أصنامهم الجديدة , لا بد من تمزيق القناع السحري الأسطوري الذي تضعه الخطابات الأصولية أو ما تسمى بالحداثية على وجهها لتجعلنا نصدق و نؤمن بوجود دين جدير بالإتباع أو إله ما في مكان ما جدير بالعبادة , المقصود هنا هو أسطورة الإنسان ذاتها التي أعلن فوكو عن سقوطها بموت صاحبها كما روجت لها الحداثة البرجوازية , إن المقصود هو فكرة التقدم البشري نفسها نحو نهاية ما للتاريخ , نحو سادة نهائيين للعالم , نحو أصنام لا يمكن لأي نبي قادم تحطيمها , نعم من المؤكد أن هناك شكل ما من التقدم باتجاه فهم أفضل للعالم و ربما لتواجد إنساني أكثر غنى , لكنه ليس تقدما غائيا و لا حتميا , بمعنى أنه يجري على شكل قفزات و ليس بشكل خطي مستقيم , و الأهم من ذلك أنه ليس باتجاه هدف أو غائية ما , إنه في الأساس يخضع لقانون الاحتمالات و ليس لقوانين حتمية , و من هنا فقط يمكن الحديث عن مصدر لحرية إنسانية ما في صنع التاريخ مع تقدم الوعي الإنساني الفردي و الجمعي , ليس على التوافق مع حتمية ما يجب فهمها و تقديسها , بل على الضد من احتمالات معادية بشكل واع بالضرورة , إن الزعم بأن هذا التقدم أدى و يؤدي مثلا إلى هذه الثقافة الراهنة من حقوق الإنسان ساقط بالضرورة و تفرضه فقط قوة السلطة العالمية الراهنة السياسية و العسكرية و تفوقها التقني و المعرفي , ما تزال القوانين الرومانية تدرس حتى الآن في كليات الحقوق في العالم و يمكن اعتبارها تطورا حقيقيا في القوانين البشرية الوضعية , لكن مشاهد القتال بين العبيد حتى الموت , أو التهامهم من قبل الوحوش الكاسرة , مثلت التسلية الأساسية للطبقة الأرستقراطية في الإمبراطورية , هكذا كان التعايش بين تلك القوانين و بين وضعية العبيد في روما , ربما كانت القرابين البشرية أيضا جزء من طقوس الهنود في حضارة المايا و غيرها , لكنها كانت ذا طبيعة دينية على الأقل و لم تجر بكل بساطة في سبيل تسلية السادة , كما هو الحال في كل مكان هناك دوما أفضلية للبدائيين في مواجهة المتحضرين أو المتمدنين , و لم يكن المغول وحدهم من استعمل العنف المنفلت ضد خصومهم أثناء فتوحهم , كان حجم المجازر يتوقف على مقاومة الشعوب المغلوبة و ليس على درجة الشعور الإنساني عند الفاتحين , و حتى اليوم تعتبر الفتوحات , أو احتلال أراضي الغير و نهبها شكل مشروع من أشكال الحصول على الملكية الخاصة و استثمارها , لم يكن قتل الإنسان أو التضحية به نتيجة فقط لبدائية تلك الأقوام , بل كان في الحقيقة نتيجة لظهور الذهب كتجسيد نهائي للملكية الخاصة , لقد ولد الجشع الذي لا يرضيه أي مقدار ممكن من الذهب , لم يكن الصليبيون الذين احتلوا القدس في القرن الحادي عشر أو الإسبان الكاثوليكيون الذي ذبحوا أعدادا لا تحصى من الهنود الوثنيين سعيا وراء الذهب أقل همجية من خصومهم المسلمين أو الوثنيين , الذهب كان كافيا لتبرير كل هذه الدماء , و في أحيان أخرى الأخلاق , أو الصيغة السائدة منها , التي تخدم القوة السائدة بالضرورة , في الطقوس الإسلامية هناك طقس همجي يمارس جماعيا هو طقس قتل الزاني و الزانية رجما بالحجارة حتى الموت , يتجاوز هذا الطقس سائر الطقوس بما فيه من دموية و مشاركة جماعية في فعل القتل نفسه و وسيلة القتل ذاتها , ما دامت المرأة هنا تعامل كملكية خاصة لا يحق سوى لسيدها الاستمتاع بها بغض النظر عن إرادتها , أما في القرن الماضي فقد قضى مئات ملايين البشر في ساحات المعارك و معسكرات الاعتقال في جنون غير مسبوق في تاريخ البشرية على هذه الأرض , كان الموضوع هو تحرير الإنسان كما زعم يومها , يكفي أن نذكر هنا كيف جرى “القضاء على النازية و العسكرية اليابانية” , في بلادنا انتهى تحرير الإنسان أولا إلى الرعب المرتبط باسم صدام و عبد الناصر و الأسد الأب ثم إلى الرعب الذي ارتبط بفرض الديمقراطية بالأساطيل و بمقاومة الاحتلال على السواء , تفتح اليوم كل نشرات الأخبار بقصص مجازر جديدة يرتكبها حراس الفضيلة الأصوليون أو الأساطيل التي تمثل الحداثة البرجوازية , أليس من السخرية بعد كل ذلك الحديث عن أي شيء يتعلق بحقوق الإنسان أو حتى بالإنسان في عالم كهذا , الطريقة التي جرى بها اكتشاف الإنسان في نطاق ما عرف بعصر الأنوار جديرة فقط بالاحتقار بقدر ما تحتقر هي الإنسان الفعلي , تماما مثل الطريقة التي يفرض من خلالها رجال الدين على البشر أن يصبحوا بشرا وفقا لمشيئة و أوامر و نواهي إله هم وحدهم يعرفون أين يوجد و ماذا يريد و لماذا خلق البشر , تماما كالطريقة التي يكرم فها رجال الدين المرأة و الإنسان بتطويب تحويلهم إلى ملكية خاصة بزيتهم المقدس و الإصرار على أن يكون عبدا أو مملوكا مخلصا غبيا لسادته , بينما يتساءل من يريد أن يبيعنا بعض الأصنام الكاسدة : أحقا لا تريدون صنما تعبدونه , أتطيقون أن تعيشوا دون وهم , سراب , يمنحكم بعض العزاء , كي نموت مطمئنين في معارك القتلة , فحتمية القتلة لا تترك مجالا للناس كي يختاروا بين الموت و الحياة.