الرئيسية » مقالات » في نقد أخلاق العبيد

في نقد أخلاق العبيد

كان نيتشه على حق في نهاية الأمر , لقرون قامت الأخلاق على أساس الشفقة و الإحسان تجاه الفقراء و المستضعفين , لقرون كان هؤلاء الفقراء و الضعفاء مجرد حاضرين غائبين عن الحياة , مجرد موضوع لإحسان الأغنياء و الأقوياء و الحكام و شفقتهم , كان هذا هو البعد الأخلاقي المزعوم لحقيقة انقسام البشر إلى أقوياء و ضعفاء , إلى مستكبرين و مستضعفين لو شئتم , فالشفقة تجاه الضعفاء هي جزء من عملية خلق , و تكريس , ضعفهم , و الإحسان للفقراء هو جزء من عملية خلق , و تكريس , فقرهم , هذه هي لعبة من يدعي القوة و الرحمة..ليست الشفقة و الإحسان انتقاصا من إنسانية الفقير و المحكوم , بل من أهليته , من معنى وجوده و قيمة هذا الوجود , لصالح المحسنين الأخيار , لصالح وجود أغنى قيميا و أخلاقيا و في الأصل فعليا و ماديا , ليس فقط أن الشفقة و الإحسان تجاه الفقراء و المحكومين تعبر عن الرغبة بتأسيس العلاقة بين الغني و الفقير , الحاكم و المحكوم , على شكل صورة خارجية قائمة على النفاق , كذبة الغني المحسن و الحاكم العادل , و نفاق الفقراء و المحكومين تجاه سادتهم للحصول على هذا الإحسان و استدرار تلك الشفقة , بل إنهما أساس استلاب الفقير و المحكوم و تغييبه كإنسان و كند للغني و للمحكوم , إنها الطريقة التي يتحول الفقير بموجبها إلى تابع للغني و المحكوم إلى تابع للسيد , إن شفقة رجال الدين و الحكام ليست سوى كذبة , مثلها مثل موقف النخبة ممن تسميهم بالشعب أو الجماهير , إنها محاولة لقلب الأمور ليبدو وجود هؤلاء الناس ثانويا و هامشيا و متوقفا بالكامل على حكامهم و على المؤسسة الدينية أو النخبة , لإعادة تأسيس العلاقة أو التوازن بين وظيفة الإنتاج المادي التي يقوم بها هؤلاء البشر الفقراء و المحكومين و بين الوظيفة الطفيلية للحكام و رجال الدين , و تكريس استلاب الناس عن ذواتهم و تكريس وضعيتهم كأتباع و يصادر قرارهم و يحولهم إلى أشياء تملك و تباع و تشرى و تورث , الزكاة في التعاليم الإسلامية و مشاعر الشفقة و الإحسان المرتبطة بالمقدس كل مقدس , و نظيرها الحداثي : عبء الرجل الأبيض أو المبرر الذي يستخدمه النظام الرأسمالي للقضاء على الشعوب التي تقف في طريق مضاعفة أرباحه أو لاستعبادها في أضعف الأحوال , هي بالضبط معادلة اغتصاب حرية الناس و لقمة خبزهم……