الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي – الحلقة السابعة و التسعون

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي – الحلقة السابعة و التسعون

ويبدو ان موضوع الثأر او الثارات هي من اكثر مبررات القتال وتعقد الخصومات على صعيد الافراد ضمن القبيلة الواحدة او بين القبائل او حتى بين عشيرتي قبيلة واحدة.
ان ريج يأتي بمثال على عشائر الخوشناو وهي ثلاث: مير محمد علي ومير محمد يوسف وبيشده رى ويقول ان بين الاوليين ثأراً قديماً يجعلهما في حرب مستمرة لصالح الباشا الباباني (ويقصد باشا السليمانية امير بابان) الذي لا يتمكن من ادامة سيطرته عليهم الا باستغلال مهارته للاستفادة من انشقاقهم على انفسهم، وهناك جدول صغير يفصل بين العشيرتين، ولهم جامع واحد مشترك يجتمعون فيه ايام الجمعة للصلاة وثم يفترقون من بعدها فيرجعون على الاغلب إلى اماكنهم ويشرعون بتبادل الرمي، وقد شرعوا مرة بالخصام في الجامع فقتل عشرون او ثلاثون منهم. لا شك ان الثأر مظهر بدائي ونجده في كثير من المجتمعات البدائية والمجتمعات في دور التطوير والحقيقة ان في الثأر ثلاث صفات سيئة، الاولى ان من يثأر فقد تغافل عن القانون وادارة المنطقة ويفترض ان القانون عامل ينظم حياة المجتمع. اذن فالثأر اعتداء على القانون، والصفة الثانية ان الثأر قد يقع على شخص من القبيلة وليس على المعتدي نفسه، اذ قد يموت المعتدي ويقع الثأر على اخيه او ابنائه او احفاده او حتى اقربائه وفي هذا تجاوز مطلق على العدالة والصفة الثالثة في الثأر انه مستديم فعملية الثأر تعني تبادل العدوان وقلة من الناس من تكتفي وتجنح للسلم، فالثأر اشبه بالمتوالية المستمرة وهكذا يمكن ان نجد اعداء لا يشعرون حقيقة بالعداء لان الموضوع عفا عليه الزمن وقد يكون من زمن الاجداد، لكن التقليد القبلي يملي عليهم اتخاذ موقف العداء.
ومن هنا يمكن ان نقول ان الثأر لعب دوراً كبيراً في تاريخ المجتمع الكردي وبدلاً من ان تلعب الحكومات اللاكردية في كردستان عبر التاريخ دور المصلح الموفق بين القبائل المتخاصمة فانه كان من صالحها ان تؤجج نار الفتنة وتزيد من اشكال الحقد ان لم نقل انها كانت تسهم فيه من موقع الظل، فالثارات والخصومات العشائرية هي احد عوامل رسوخ هذه الحكومات عبر التاريخ. ان كثرة الثارات هذه واستشراءها على صعيد الافراد والعشائر خلفت بعض التقاليد وربما بعض اشكال الاتفاق المتبادل بين المتخاصمين على طريقة الخصام.
لقد لاحظ هذا الامر عدد من الرحالة. ان يكرام يقول عن ذلك، بصورة عامة تؤخذ الثارات ببساطة قلب متناهية وبروح رياضية طيبة وباقل القليل من الحقد (265).
ان ما ذهب اليه ويكرام صحيح، فقلة من الثارات تؤخذ سريعاً او عاجلاً، بل ينتظر طالب الثأر الفرصة المواتية وقد تطول، ثم انه شبيه الدين الذي يجب ان يدفع، هذا ما يجعل الثأر واخذه يبدو وكأنه اقل حقداً من مواقف اخرى او من مشادات جديدة تسفر عن قتال وهناك امثلة كثيرة عن التقاء عدوين بينهما ثأر ولكن المكان لم يكن يصلح للانتقام فجلسا معاً وشربا الشاي وتبادلا النكات ثم مضى كل واحد منهما إلى سبيله ولكن هذا لا يعني ان الثأر قد زال بل لم يحن موعده المناسب بعد. ويذكر هاملتون مثالاً عن متابعة صاحب الثأر لثأره وكيف انه على استعداد لمتابعته إلى العالم الاخر ولن يكف الا باخذ ثأره.
ومن الامور التي استرعت انتباه بعض المستشرقين ان الكرد في حروبهم يمكن ان يتبادلوا الابناء البكر كرهائن وقد اشار إلى ذلك باسيل نيكيتين (99). ويبدو ان مثل هذا الامر يحدث اثناء ايقاف القتال او الهدنة من اجل التفاوض او من اجل ضمان الثقة المتبادلة وقد حدث ان ارسل امير بابان ابنه (ضيفاً) عند الشاه تعبيراً عن ثقته بالشاه والاعراب عن ولائه وترجيح العلاقة بين كردستان وايران وابعادها عن الدولة العثمانية قدر المستطاع، على اية حال فان ما فعله امير بابان لم يكن على اساس (تبادل الابناء) بل رهن ابنه حسماً للموقف ولوضع حد لما كان يحاك من وراء ظهر الامير من مؤامرات لتقويض حكمه، بين والي بغداد التركي ومركز الدولة في الاستانة.
ويذكر الميجر كينيت ماسون في محاضرة القاها عام 1919 في الجمعية الملكية الجغرافية في لندن، ان كل واحد في كردستان يحمل بندقية من عمر الثامنة فصاعداً ويعقد حول خصره حزامين او ثلاثة من احزمة الاطلاقات. ويسترسل في محاضرته، اذ يذكر، كانوا لا يعرفون كيف يمكن منعهم من حمل السلاح فيقول لا يوجد احد تحت حكمنا في وادي الرافدين يسمح له ان يحمل السلاح ولكن في كردستان اذا حاولنا ان نلزم الاكراد بالقوة لنزع اسلحتهم منهم فقد يهجم الكرد من الجهة الايرانية، وانه لعجيب ان اسلحتهم من بنادق ومسدسات تأتي من تلك الجهة وبعضها جديد وبعضها الاخر قديم. ولو تفحصنا – والحديث ما زال لـ ماسون – الاسلحة التي تمتلكها قبيلة ما لوجدناها تتكون من نصف دزينة من الانواع المختلفة التركية والالمانية والروسية وهناك عدد جيد من الاسلحة فرنسية الصنع، وبعض هذه الاسلحة – دون شك – قد اشتريت او هربت بواسطة مهربي الاسلحة في الخليج والاخرى قد ارسلت من تركيا. ولكون مصدر قسم منها ساحات القتال في وادي الرافدين والمخيمات او مما يؤخذ من الجنود القتلى في القوقاز او من الاتراك او الروس التائهين (334).
ومن الرحالة الذين اسهبوا في الوصف بدقة عن المهارات القتالية الكردية هو شميدت الذي واكب على ما يبدو معارك قتالية وتخطيطات وعمليات استعدادية فاعجب بتلك المهارات التي سنوجز بعضاً منها.
يذكر شميدت ان التكتيك الحربي الكردي الذي شاهده كان يتطلب السرعة والصبر والخدعة والحركة ليلاً، التفرق وتعويضاً لهم أي الاكراد – عن عجزهم في السلاح الثقيل وكان بوسعهم ان يتحركوا اسرع من الجنود النظاميين للحكومة فوق ارض وعرة، وفي الواقع فوق سفوح جبال شديدة الانحدار لايحلم الجيش النظامي بمحاولة التصدي لها..
انهم ليحاولون أي نوع من انواع التسلق الصخري، من اجل اطلاق رصاصة على العدو او لتؤخذ صورة لهم. والكرد من وجهة نظر شميدت لهم قابلية على التحمل تبعث في نفس المراقب الذهول فمسيرة ثماني او تسع او حتى عشر ساعات هي روتين يومي، والمسيرة معناها السير على الاقدام بكل معنى الكلمة.
اما اصابة الهدف فهي مدعاة فخر لدى كل كردي تقريباً وهذه المقدرة وخفة الانتقال نسبيا” تساعد على وضع كل كردي في الخط الامامي من القتال ومن اشكال الخدع الحربية التي استمع اليها شميدت من احد المقاتلين الكرد يقول:
نطوق العدو ونقلقه بالرمي المتقطع الا اننا نترك له منفذاً واحداً للهرب كأننا سهونا ولا بد ان يهتدى اليه ان عاجلاً ام اجلاً، فندعه ينطلق منه وما ان يتحرك حتى نطبق عليه من المؤخرة باقرب مسافة ممكنة وان اقتربنا منه لم يعد في اسلحته الثقيلة فائدة، (102).
ويذكر شميدت ايضاً مدى حب الاكراد لسرد الحكايات عن كيفية خداع الخصم من الحكومة ومنها الاستيلاء على مخافر الشرطة من خلال حفر الانفاق وانذار الشرطة بان المخفر الذي يعتصمون به اصبح تحت ايديهم اذ بامكانهم تفجيره من تحتهم فيستسلمون، هذا في صراعات الكرد مع الحكومات.
ومن اشكال الحيل الحربية التي سجلها شميدت ايضاً ارعاب واقلاق العدو وانهاكه في عدم السماح له بالنوم من خلال انارة الحاميات ليلا باضواء ساطعة قوية، كما ان معظم الهجومات تكون في الليل تفاديا للغارات الجوية.

Taakhi