الرئيسية » مقالات » استنزاف وهدر المال العام في العراق إلى متى..؟؟

استنزاف وهدر المال العام في العراق إلى متى..؟؟

النزاهة المعطلة في العراق.. لمصلحة من..؟؟. في هذه الأيام العصيبة من تاريخ العراق، يجد الناس أنفسهم أمام عمليات نهب منظم لثروات الشعب… إنها حكاية واقع مرير، وألم يعتصر القلوب مما حدث ويحدث حتى الآن.
ثروات تستنزف أمام أنظار كبار المسؤولين وبموافقتهم في أحيان كثيرة، والقضاء يقف عاجزاً عن أي إجراء للحفاظ على المال العام.
العديد من القوى السياسية العراقية رفعت أصواتها منذ سنوات بضرورة الضرب بيد من حديد على أيدي اللصوص والمرتشين، ولكن لا حياة لمن تنادي. عندما بدأت تتكشف المعلومات عن تلك العمليات، كان بالإمكان معالجتها وتحجيم القائمين بها. لكن مكتب رئيس الوزراء رفض أي تدخل لهيئة النزاهة في هذا الموضوع، وحمى الكثير من الذين دارت وتدور حولهم الشبهات، ومنهم العشرات من العاملين في ذلك المكتب ومن أقرب المقربين إلى رئيس الوزراء.
اليوم عندما ينجح مجلس النواب في استجواب وزير التجارة عن شكاوى بمليارات الدولارات تم اختلاسها أو تحويلها إلى حسابات خاصة للوزير وإخوانه أو المقربين منه وبمشاركة العديد من قياديي حزب الدعوة، وبعض الأحزاب المتحالفة معه، فإنّ النواب سيؤكدون للشعب أنهم أهل للحفاظ على المال العام بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية أو القومية أو الطائفية… والشيء نفسه يقال عن ضرورات استجواب وزراء النفط والمالية والدفاع والداخلية..الخ.. بل وحتى رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الرئاسة ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس القضاء الأعلى إذا ما تطلب الأمر.
إنّ تحليلاً بسيطاً لطبيعة استجابة السلطة التنفيذية ومنها رئيس الوزراء نوري المالكي، يؤكد لنا بأنّ المالكي أحس بالخطر يدنو منه، بعد افتضاح ضخامة جرائم السرقة والاختلاس والرشاوى من أقرب المقربين إليه والمحسوبين عليه سواء في الأمانة العامة لمجلس الوزراء أو الدوائر المختلفة الأخرى. ومما ضاعف من ذلك الإحساس بالخطر، التغيير في رئاسة مجلس النواب وفي فاعلية الدور الذي يقوم به المجلس بعد تولي إياد السامرائي لذلك المنصب، وإصراره وهو المدعوم بكتل حزبية متنوعة ولكنها متفقة على محاسبة اللصوص والمتاجرين بدماء الشعب المحروم، والمتسترين عليهم. وهذا لا يمنع من أنْ يكون لكل طرف أغراضه الخاصة به علاوة على الغايات المعلنة.
لكل ذلك نجد المالكي يصحو على صيحات المحذرين من خطورة استشراء الفساد المالي والإداري في البلاد، وهو متهم الآن كما هو حال الآخرين بسكوته على تلك الجرائم بحكم منصبه الدستوري، فالفساد أصبح ككرة الثلج بدأ صغيراً وكان بالإمكان معالجته، ولكنه لم يفعل، فتحول غولاً يهدد كل من يسعى الآن لمحاسبته. لقد تستر على القائمين به، بحجج كثيرة حرصاً على مصالحه الفئوية والحزبية والعائلية وربما الشخصية كذلك، وهو بذلك ساهم من حيث يدري أو لايدري في استيطان المفسدين وبروز أنيابهم في كل مفاصل الدولة، بحيث أصبحت المعالجة مكلفة، وتتطلب ثمناً باهظاً ليس أقله الاشتباكات المسلحة بين تلك العصابات وبين قوات الحكومة.
لقد فوجئ الرأي العام بالقرار الذي أصدره رئيس الوزراء يوم 13/مايس 2009، الذي يقضي بتعليق العمل بأحكام المادة ( 136ـ ب )، تحت مبرر إتاحة الفرصة لهيئة النزاهة لأداء مهماتها التحقيقية دونما الحاجة لاستحصال الإذن من الوزراء. لقد مضت أكثر من ثلاثة أعوام على عمر حكومة المالكي، وكان يفترض به أنْ يعمل بذلك الإجراء منذ مباشرته لمهامه الرسمية كرئيس للوزراء ، وفي وقت كانت كل الدلائل تؤكد أنّ مستوى الفساد المالي في العراق قد فاق في معدلاته في كل دول العالم، فالعراق أصبح الدولة الأولى في الفساد ومن دون منازع. وتشير تقديرات هيئة النزاهة بأنها رصدت ضياع ما يزيد على ( 67 ) مليار دينار عراقي خلال فترة ( 14 ) شهر من عامي ( 2006 ـ 2007 )، علماً أنّ القاضي راضي الراضي رئيس هيئة النزاهة السابق كان قد طلب من رئيس الوزراء إحالة المتهمين إلى هيئته ، ولكن المالكي رفض ذلك، بل أنه استحصل تواقيع عدد من وزرائه لتأييد رفضه إحالة المطلوبين على القضاء.
إذن لماذا يغير المالكي موقفه مؤخراً وبـ ( 180 ) درجة..؟؟ الجواب ببساطة هو الدعاية الانتخابية المبكرة لما يسمى ائتلاف دولة القانون، من خلال التظاهر بالحرص على المال العام وملاحقة المفسدين..!!.. أين كنتم من قبل..؟؟
ألم يكن أولئك المفسدون يسرقون المال العام في ظل حماية رئيس الوزراء..؟؟ ألم يكن تعطيل دور هيئة النزاهة بأمر منه..!! وهذا ليس افتراء، ويمكن الرجوع إلى المصادر الصحفية للتثبت من ذلك الموقف.
ويتندر العراقيون في الداخل والخارج على ظاهرة المشاريع الوهمية والعقود المرتبطة بها التي تفوق ميزانيات دول، فرغم أنّ الكثير من المسؤولين يتحدثون صباح مساء عن تلك المشاريع، ولكن لا تجد لها أثراً على أرض الواقع.
إذن أين ذهبت تلك الأموال الطائلة..؟؟… عندما يتحدث المواطنون عن تلك الجرائم البينة يخرج عليهم الناطق باسم الحكومة بالخطب العصماء حول انجازات حكومته..!! .. نعم هناك انجازات، ولكنها ضئيلة جداً قياساً بالهدر الهائل في المال العام.. ولا يمكن أنْ تكون مبرراً للسكوت على اللصوص والعابثين بمقدرات البلد.. عليكم تسمية الأشياء بمسمياتها.
وأتوجه بكلامي إلى رئيس البرلمان السيد إياد السامرائي، وهو المعروف عنه حصافته ونزاهته واستقامته، وكذلك إلى بقية نواب البرلمان وفي مقدمتهم النائب صباح الساعدي رئيس لجنة النزاهة، وإلى هيئة النزاهة ورئيسها القاضي رحيم العكيلي وإلى الجهاز القضائي.. وأقول لهم حانت ساعة القصاص من المفسدين كبيرهم قبل صغيرهم، وعيون وقلوب العراقيين ترنو إليكم، لأنهم يتطلعون إلى أمل بسيادة منطق الحق والعدل وسيادة القانون، وأذكركم بحديث سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (( إنما أُهلك الذين من قبلكم لأنهم كانوا إذا سرق فيكم الغني تركوه وإذا سرق فيهم الفقير أقاموا عليه الحد )) .. أو هكذا قال.

عبد الخالق ياسين
باحث عراقي