الرئيسية » مقالات » الشخصية القيادية والمعادلة النضالية

الشخصية القيادية والمعادلة النضالية

تختلف الرؤية إلى الشخصية النضالية وأبعادها وآفاقها وقدراتها باختلاف البيئة والمحيط والزمن , ولكنها تتحد من حيث الجوهر والسمات العامة , والتي يمكن اختزالها في قوة التأثير في المكان والزمان في درجات قد تتخطى حدودهما إلى العالمية أو النطاق الإقليمي أو الوطني , وقد ينحسر هذا التأثير , فيتحدد في الزمان والمكان , ليصل إلى أدنى المستويات , لتنمحي من الذاكرة مع الأيام, فتبقى في حدودها المحلية الضيقة مدة محددة من الزمان , مرتهنة إلى تأثيرها المحدود , ونطاقها الذي تؤطره تلك المعطيات الواهنة والمنسجمة مع الدور التلاعبي -إن صح التعبير-, فيصل إلى مكاسب وقتية وانتهازية هابطة , شأنها في ذلك شأنكل وقتي ومحدود في دنيا الثقافات والعلوم والفنون, واختلاف في درجة ومدى تأثيرها واتساعها وامتدادها , أو انحسارها وتراجعها, ثم انزوائها وتجاوزها باكتشافات وإبداعات متفاوتة, وبدرجات تحتفظ بقوتها, وتفرز وتعزز ما هو أكثر قوة وجدة وتطورا.
والشخصية القيادية الفذة هي التي تمتلك من مقومات التـاثير وسوياته, بما تحمل من خصائص ذاتية , وآفاق ورؤى وتصورات وإمكانات وطاقات وقيم رائدة , تتلبس بذاتها وتصبح جزءا من كيانها, لا تكاد تنفصل عنها , مهما اشتدت بها الصعاب , وانثالت عليها المغريات, لتصمد بقوة, وشدة بأس , فتعلو فوق الرغائب والمغريات , وتزداد صلابة في وجه التحديات , لأنها لا تكاد تملك من أمر نفسها وغرائزها وشهواتها – أمام المبدأ الذي نذرت له حياته – شيئا,سواء كان ذلك في صومعة عابد متبتل أو داعية حق أو مختبر عال أو اسطون من أساطين الفكر أو السياسة أو الاقتصاد أو ميادين الحياة بمعناها المتسع وآفاقها البعيدة, تجد لذتها الكاملة فيما تمارسه من هوى وهيام وعشق لما تضحي من أجله بكل أشكال الراحة ورغد الحياة ورفاهها , لا تكاد تشعر بما حولها إذا ضاقت بها الأرض على رحبها, فهي في حل من ذلك كله, أمام خطة حياة , ومحور عمل , في معادلة نضالية رفيعة نذرت لها كل ما تملك من طاقة وإمكانات, دون إغراق في المثالية , بل في رؤية إيجابية , وواقعية متحركة ومعاينة, تنسجمان مع جلال المبدأ وسمو العقيدة النضالية , التي تسترخص في سبيلها الدماء الزكية, في جود لا حدود له, كل ذلك يهب هذه الشخصية الامتداد والتألق وسعة في البعدين الزماني والمكاني , ما يعطيها القدرة الواسعة على الاستقطاب والالتفاف والتجمع لدرجة الريادة , وحسن التدبير والقيادة والتوجيه حتى بعد غيابها , وترك مساحة واسعة لطلابها وأنصارها والملتفين حول نهجها, لمتابعة خطها النضالي , وآفاق فكرها, في طابع منظم أو غير منظم , في أسفار مكتوبة , أو سير حية , أو في كليهما معا , في استيعاب وتمثل لرؤية هذا العلم الفذ, وذلك المبدع بخططه وتعاليمه ومبادئه , ودفاع مستميت عنها , ووضع قواعد وأسس تصونها وتدافع عنها قد تمتد قرونا وأجيالا, وقد تتمحور إلى اتجاهات ورؤى ونظريات وتعاليم روحية وأخلاقية رفيعة, هي ثمرة هذا التراث الإنساني العظيم , تضع – مع الزمن – القواعد الكبرى لفكر إنساني , يضاف إلى ذلك الإرث الإنساني , ويسمو به , ويعطيه نسغا جديدا , وطاقة إبداعية , تجلت في العباقرة والفلاسفة والمفكرين ورادة المعارف والفنون والعلوم والآداب , وفي الرسالات الكبرى المتعاقبة والمتوحدة المصدر والإلهام , إلى جانب كبار المنظرين والقانونيين والساسة والمبدعين والمقعدين والمقننين , ممن تتضافر جهودهم لبناء صرح حضاري شامخ , تسمو إليه الأجيال وتتوق إلى رؤيته متألقا ومؤثرا قوافل من المبدعين , ممن يرقبون الأعمال الريادية الكبرى لمد أصولها وتزكية فروعها , لتؤتي ثمراتها خيرا عميما لفكر إنساني وسلوكي متكامل , يرقيان إلى خدمة الإنسان وقضاياه الكبرى , بعيدا عن العرقية والعنصرية الفوقية, والأثرة والأنانية, وخدمة الأغراض القريبة والهابطة والمصالح الفردية والفئوية والحزبية بل القومية المتصلبة, ومنافع القطيع وضروراته العضوية, وما تشيعه من هموم ذاتية , ومن حالات البطر والجبروت والاستغلال وبشاعة الاحتكار ونهب ثروات الأفراد و الشعوب , هادفة – في سعيها إلى دحر كل ذلك- ومنطلقة بدافع من مبادئها المتأصلة إلى دفع الطاقات والإمكانات البشرية الهائلة إلى الإعمار والبناء , وتمكين الإنسان من بلوغ آفاق التحضر الحقيقي ورفع الغبن والأغلال عن كواهل المضطهدين والمستضعفين والمعذبين, وإبعادهم عن شبح الصراعات والحروب المدمرة والكوارث التي تفني البلاد والعباد , وتزرع عقابيل الشر والفساد , وآثارها الوخيمة وعواقبها المنتنة , في ريادة لآفاق تفجر الإبداعات والطاقات لخدمة الإنسانية المعذبة تحت براثن الجوع والفاقة, والتشرد والتخلف والضرب في آفاق المجهول, مما يضج به تاريخ البشرية في قرون الفتن وكساد الأخلاق , في بحث عن ملاذ آمن يقي من العسف والمهانة والظلم من الجبابرة والباغين في الأرض, وكبار السماسرة والمفسدين في الأرض , من المسرفين على أنفسهم من صغار الشخصيات المستأثرة هنا وهناك بالبغي والقوة والجبرية والاستبداد, ورفض الآخرين , ونفي وجودهم ومحاولة إبادتهم واستئصال ثقافاتهم , كما حدث ويحدث في العالم الثالث وفي نطاق متخلف حيث وجد الاستبداد, ونما وترعرع الاستعلاء, وسدت الميكافيلية وانتهاز الفرص , في بغي المترفين على أنفسهم, و في زحمة تخمة البطر والأشر ووخامته , والاستئثار بأقوات الناس وذخائرهم وخيراتهم كأنهم مخلدون في العماية والغرق في نعيم مقيم . ومما هو إلا متاع آثم , ونتاج وبيل ,, وتسلط موقوت , وأوضار منتنة, في غفلة من الزمن , متجاوزين كل حد, متمادين في القهر وإذلال الناس واستعبادهم ,ليأتي دور القادة والمبدعين في تلمس دواعي الانحراف وأسبابه, بعد تماديه واستشرائه وانتشاره, وتمكنه من عقول الضائعين من الأتباع والمريدين , والتيه في عربدة اللذة ودهاليزها وسراديبها المعتمة, لإنارة الدرب وفتح المعابر ,وإشاعة الشذى العبق في الأجواء الخانقة والمسالك المكروبة, والآفاق الموصدة وهو من أكبر مساعي القياديين الكبار والمبدعين عبر التاريخ, والذي تشهد وقائعه وأحداثه وعبره الناطقة في كل زمان ومكان, وقصوره الشامخة التي شيدت على أنقاض المستعبدين, كيف دكت وسويت بالأرض ” كأن لم يغنوا بالأمس ..” , أو ” كأنها هشيم تذروه الرياح ” ليبقى ويعلو ما كان شاهقا من الفضائل والمعالم الخالدة في تاريخ الإنسان ومسيرته العامرة وتراثه الخير والغني.
ويظل هذا الأمر معلقا ما لم يسند إلى وقائع التاريخ ومسيرته المديدة, في مواكب المدنية والنور ومنابر العلم وتراثه والفضيلة وأعلامها , وكبار صناع التاريخ الإنساني من لدن نوح وإبراهيم والأنبياء والمرسلين والقادة والمصلحين والعلماء وعباقرة الأمم والشعوب منذ أرسطو وأرسططاليس , وسيفاليس وأرخميدس وسقراط وأفلاطون وغاليليو وكوبرنيكس , وبرنار وأوجست كونت , وباستور ونيوتن وآنشتاين , وبيكون, وفيرباخ , ورولا , وديدرو, وديكارت , وأديسون , وطاغور ونهرو, وغاندي , وكبار قادة الشرق والغرب إلى القاضي محمد والنهري عبيدالله, وعبدالقادر الجزائري, وعبدالكريم الخطابي , ويوسف العظمة , وإبراهيم هنانو, وعمر المختار, ومصطفى البارزاني , وجمال عبدالناصر, ونيلسون مانديلا…والكثير من العظماء الذين غيروا مسالك التاريخ ومعابره , وأبصروا من خلالها الحياة الرفيعة والعظيمة فرأوها ” لاتنال إلا على جسر من التعب ” , ليجدوا فيها راحتهم الكبرى, ولذة حقيقية في ممارسة المبدأ , والارتقاء إلى مقامه الرفيع , ليكون عمرهم الزمني القصير في رحلة الحياة مديدا شامخا وعظيما, لتكون لهم العلياء , والعليا ترام ….. ومجد الأكرمين لهم مقام.