الرئيسية » شؤون كوردستانية » الحديث عن التطور في كوردستان .. السليمانية نموذجا

الحديث عن التطور في كوردستان .. السليمانية نموذجا

مقدمة :

استطاع الإرهاب البعثو – قاعدي الذي برز دوره الإرهابي الفاعل بعد سقوط نظام الجريمة العفلقي المنظم في العام 2003 أن يشل العملية الاقتصادية من خلال مصادرة الأمن الجماعي للوطن العراقي بواسطة إشاعة الإرهاب وعمليات التقتيل والضرب على وتر الطائفية المقيتة والذي أفسح له المجال للتسيد للفترة السابقة وحتى وقت قريب عندما بدأت فلوله بالتراجع تدريجيا بسبب من الوعي الجماهيري وزيادة في قدرات رجال الأمن قوة وعددا وتقنية . وإشاعة الإرهاب بذلك الشكل المرعب والمخيف وعمليات الثأر الطائفي أدت لخلخة التشكيلة الاجتماعية العراقية وفقد النسيج العراقي العديد من ألوانه المتعددة وسبب عدم توازن تعددي ديني وقومي وهو ما أراده التحالف الإرهابي وخطط له ، وأدى ذلك لزيادة نفوذه واستغلاله للعديد من ذوي النفوس الضعيفة الذين اضطرت الحاجة الكثير منهم للالتحاق بقوى الإرهاب البعثو – تكفيري بحجة أو بأخرى بعد أن انقطعت سبل الرزق بالكثير من المواطنين العراقيين وهجرة الشركات العاملة في مجال الأعمار والمنظمات الدولية وغلق العديد من السفارات الأجنبية .
لكن ما حدث في العاصمة بغداد وبقية المدن العراقية الأخرى بشكل مختلف عن بغداد لم يصل لكردستان العراق التي كانت محصنة ضد الإرهاب لعدة أسباب أولها التناغم المذهبي بين الأغلبية الدينية المسلمة من سكان كردستان العراق وتآلف القلوب فيما بينها والوضع الأمني والاقتصادي المتين الذي كانت عليه كردستان ما قبل سقوط نظام العفالقة منذ أن تم وضع كردستان العراق تحت الحماية الدولية بعد انتفاضة الشعب العراقي في العام 1991 ، وأخيرا حكمة وتعقل القيادات الكردية .

السليمانية من منظور محايد :

بدت السليمانية التي وصلناها قادمين من مطار اربيل غير تلك المدينة الصغيرة الحجم المحصورة في مركز المدينة القديم فقد امتدت كثرا باتجاه مصيف سرجنار من طرف بحيث تواصلت البنايات والعمارات الحديثة وتوسعت المدينة للخارج بعيدا عن المركز المزدحم وكذلك من جهة طريق حلبجة والأطراف الأخرى لحدود المدينة الخارجية .
والسؤال الذي يطرح نفسه عن مدى هذا التوسع العمراني والاهتمام بعملية الأعمار والبناء والتوسعات الجديدة عن السبب الرئيسي وهو توطد الأمن الذي يعطي زخما لقدوم راس المال الجبان الذي تخيفه أية هزات أمنية أو سياسية أو اقتصادية .
وهناك تعليمات لبلدية السليمانية بعدم السماح لبناء أية عمارة تقل طوابقها عن أربع طوابق وهو ما يسمح بالبناء العمودي لاختصار المساحة بعيدا عن التوسع الأفقي واجتزاء مساحات كبيرة للبناء يمكن ان تشكل مساحات شاسعة لمناطق وأحزمة خضراء تقي المدينة من التلوث والغبار وتساهم في التوازن البيئي.
كذلك بدت المدينة نظيفة بوجود خدمات بلدية ظاهرة للعيان من خلال نشاط عمال البلدية في جمع القمامة وتنظيف الشوارع . بمعنى أن هناك وعي صحي – اجتماعي لبقاء المدينة نظيفة وصحية مما يزيد من التعامل الجدي بين المواطن والجهات الرسمية المسؤولة عن نظافة وتطوير المدينة . ويلاحظ ما تبذله الجهات الرسمية من عمليات تشجير كثيفة للشوارع وسفوح الهضاب في الطرق الخارجية وإعادة تشجير المناطق الجبلية التي دمرتها الحروب العبثية أيام الدكتاتوريات المتعاقبة ، وهي عملية مهمة للتوازن البيئي وتحسين المناخ .

كذلك بدت حركة السوق نشطة وكثيفة خاصة أول ساعات النهار في كثافة عمليات البيع والشراء والتبادل السلعي ، ومظاهر نشاط السوق الشعبي أو المجمعات التي تحوي مراكز تجارية ضخمة كما هو حال الدول الأوربية والتي تتوافر في أسواقها المركزية مختلف البضائع والسلع والمواد الغذائية .
وبدت العديد من وسائل الترفيه الاجتماعي كالحدائق العامة ومدينة كبيرة للألعاب والطرق الجديدة التي تم شقها في جبل أزمر حيث يجد المواطنون من أهل السليمانية مكانا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع متنفسا للمواطنين .
إضافة لمتحف المدينة التاريخي والمتحف الأحمر الذي لم يتم افتتاحه أمام الزوار لحد الآن حيث حول السجن الأحمر ومديرية امن السليمانية في العهد الدكتاتوري لمتحف تعرض فيه وسائل التعذيب للمناضلين والزنزانات الرهيبة وغرف التعذيب والسجن الانفرادي .
وكان النشاط الجماهيري حاضرا بقوة من خلال مقر المنظمات الجماهيرية التابع للاتحاد الوطني الكردستاني الذي يدير هذا النشاط عضو المكتب السياسي العامل والناطق الرسمي له الأستاذ الملا بختيار الذي يتمتع بحس سياسي وأدبي كبير ونشاط وحيوية قل نظيرها بالنسبة لسياسي ومناضل قديم من مناضلي الپیش مرگه ، وحوى المقر إذاعة موجهة باللغة الكردية لثلاث محافظات هي السليمانية واربيل ودهوك ، ومكتبة عامة بمختلف الكتب وبلغات عدة تتقدمها اللغة الكردية والعربية ، ومكتب لشؤون المراة الكردية.
وما يثير الفرح والسعادة الكم الهائل من المكتبات في أسواق السليمانية وزيادة مكثفة لحركة الترجمة للغة الكردية لإيصال مختلف العلوم والآداب والفنون للمواطن القارئ ، وهذه الكثافة الملحوظة تؤكد لنا وجود عدد كبير من القراء الذين يتابعون ما يترجم وينشر من كتب متعددة الأهداف . وهي ظاهرة صحية رائعة ودليل حضاري واضح يدل على الوعي الثقافي والتقدم والبحث العلمي والذي يمثله النشاط المكثف للجامعة فيها .

النشاط الإعلامي المواكب لعملية إعادة البناء الاقتصادي – الاجتماعي

وفي مقابلة مع الإخوة من أعضاء المكتب المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني كانت هناك عزيمة لدى الجميع للتصدي لكل الدعايات المغرضة والأقاويل التي تريد النيل من التجربة في الإقليم وتحاول دق إسفين بين الشعبين العربي والكردي ، وهي مهمة برأيي ليست مقتصرة على الإعلاميين الكرد أو حكومتهم بل يجب أن تكون عملية تضامنية لإخوانهم العرب لدرء مخاطر التفرقة بين أبناء الشعب الواحد والاستفادة من تجربة إقليم كردستان على كافة الأصعدة للوصول للعراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد .
كذلك على حكومات المحافظات المحلية في كافة أنحاء العراق إرسال الوفود للإطلاع على تجربة الإقليم والاستفادة من التجربة وتلافي الأخطاء التي مرت بها .

الحج الى حلبجة المدينة الشهيدة :

السؤال الذي أحب أن اطرحه لماذا زيارة حلبجة والإطلاع على مدى جسامة وفضاعة المجزرة التي راح ضحيتها أبناء مدينة حلبجة الأبرياء بدون أن يكون لهم أي ذنب يذكر من شيوخ وأطفال ونساء وبقية المواطنين العاديين الآمنين ؟
وردا على سؤالي أقول إن زيارة حلبجة خاصة للوفود الطلابية تغرز فيهم روح الكره والعداء للدكتاتورية البغيضة وترسم في أذهانهم بشاعة ممارساتها والدرس الذي جرى للمدينة الشهيدة لكي تتعلق في الأذهان بشاعة الجريمة وبشاعة الدكتاتورية التي يجب أن ينغرز كرهها في النفوس لكي لا تتكرر الدكتاتورية مستقبلا ولا تجد لها أي أذن صاغية بين الناس .

رأي صريح في تحديد الدخول لكردستان :

ما جرى من فلتان امني وإشاعة الإرهاب والجريمة المنظمة هو بسبب فتح الحدود العراقية لكل من هي ودب من الناس بعد سقوط نظام العفالقة ، مما وفر ملاذات آمنة للجريمة والإرهاب وبوجود عوامل مساعدة أخرى اهمها وجود بقايا تنظيمات البعث الساقط والبطالة المتفشية بين الناس ووجود أربعمائة ألف مجرم تم إطلاق سراحهم من قبل النظام الفاشي قبل سقوطه .
وغلق حدود كردستان وتنظيم الدخول لمدن الإقليم وفر فرصة كبيرة لقوى الأمن داخل الإقليم لرصد حركات قوى الإرهاب والجريمة وحصن المواطنين من الفلتان الأمني وعمليات التفجير الانتقامية من قبل الإرهابيين والمعادين للتجربة في الإقليم . وهو إجراء احترازي مطلوب في هذه المرحلة الخطرة جدا من تاريخ العراق ، ولا يشكل أي عائق أو حساسية تذكر فقد كان من السهل على المجاميع الإرهابية التسلل لكردستان وخلق نواتان وخلايا نائمة فيه والتحرك داخله بكل حرية لو ترك الحبل على الغارب لكل من هب ودب للدخول للإقليم كما يروج البعض بان كردستان مغلقة على العراقيين .

الخاتمة:

أعود واكرر بان إشاعة الأمن وتآلف القلوب والتعاون المطلق بين المواطن والإدارات الحكومية الرسمية وبينها وبين المنظمات الجماهيرية هو العامل الأساس للاستقرار وعودة المهجرين والمهاجرين من الداخل والخارج لإقليم كردستان وتنشيط كبير لعملية إعادة أعمار الإقليم .

* المحاضرة التي القيت في غرفة ينابيع العراق ( غرفة الأنصار الشيوعيين ) للبالتاك مساء يوم السبت 16 . 05 . 2009 عن زيارة الكاتب لمدينة السليمانية في الأول من آيار / مايس 2009 .

جريدة السيمر الإخبارية
www.alsaymar.org