قصائد

حدائقُ من شهقاتْ

(1)
من ظلمةِ أيامي الموبوءةِ بالحبْ
من قاعِ الجُبْ
من أقصى شمسٍ تلتحفُ القلبْ
أصرخُ مسكوناً بلهيبِ الصمتْ
ودبيبِ الوقتْ
وأُزيحُ غباشَ الرملِ عن العينينْ
في الدربِ إلى قيصرْ
(2)
من ظلمةِ أيامي أتعلَّقُ كالضوءِ المنهوكِ برمشينْ
لامرأةٍ قاسيةٍ كشتاءِ المرِّيخِ
وناعمةٍ كمياهِ الصوتْ
يخرجُ من بينِ يديها ذئبْ
يلعقُ أحلامي كالدَّمْ
(3)
آهٍ من يُرجعُ لي ماضيَّ الحُلمْ ؟
من يُرجعُ لي ماضيَّ الحُلمْ ؟
(4)
من ظلمةِ أيامي استيقظتُ… وكانَ النومْ
يلمسُ لي أوجاعي المخبوءةَ في أصدافِ الروحْ
بأناملَ من حبقٍ مجروحْ
(5)
من ظلمةِ أيامي أصرخُ عبرَ بحارِ اللغةِ
المعجونةِ بالأزهارْ
(6)
أبكي طفلاً أحمرَ كالزنبقِ سافرَ
في أهدابِ الجنِّياتْ
طفلاً أخضرَ كالفجرِ ينامُ على الشرفاتْ
طفلاً أزرقَ كالبحرِ يسيرُ على الطرقاتْ
ينثرُ أزهاراً مذعورةْ
يُصبحُ مزموراً من أضواءٍ مكسورةْ
يُصبحُ قمراً من فرحٍ وندىً
وحدائقَ من شهقاتْ
يُصبحُ مركبَ أُغنيَّاتْ
في البحرِ الغافي الجاهلِ ما فينا
يُصبحُ أُفقاً من آياتْ
أُفقاً من قُزحِ الكلماتْ
(7)
يا أملَ الليلِ الهاربِ من أجفانِ المظلومينْ
يا أملَ الليلِ الهاربِ من أسوارِ الخوفِ
ومن أشواقِ المُتحدِّينْ
يا صرخاتِ الدمعِ اليابسْ
طوفي في الأرضْ
طوفي أيَّتها القبلاتُ الثلجيَّةْ
طوفي أيَّتها الأناتُ المسبيَّةْ
مُرِّي من حيثُ يمرُّ النهرُ القلبُ.. العمرُ الحُبْ
فجليدُ سمائي لا يكسرهُ إلاَّ صيفْ
كالنسمةِ… كالضوءِ يُرشُّ على أفئدةِ المسحوقينْ
تحتَ نعالِ الشيطانِ البائسْ
هم فديةُ روما العذراءِ الشمطاءْ..!

********

نيسانُ أقسى الشهور



(1)
رمَتْ في الفضاءِ المُلوَّنِ أزهارَ صفصافها
رمَتْ نارَها في دمي ومضَتْ
لا مُباليةً بالحرائقِ في نهرِ قلبي
تعانقُ أشواقَ أطيافها
(2)
رمَتْ فوقَ وجهِ حياتي
كخفقِ الصَبا شالَها
وكُلِّي طيورٌ من الماءِ تعجنُ صلصالَها
(3)
كُلَّ عامٍ بأوَّلِ نيسانَ أُولَدُ
من ضحكةٍ في الشفاهِ الرقيقةِ
كالخيمياءِ الغريبةِ…
يهمسُ بي القلبُ.. يبكي من الصدقِ
والحُبُّ ألفُ دعيٍّ دعيّْ
(4)
كُلَّ عامٍ بأوَّلِ نيسانَ أحبو
على جمرِ هاويةٍ في الفضاءِ جحيميَّةٍ
تصلبُ الوجهَ فوقَ الرمادِ
وتمتدُّ حتى أقاصي يديّْ
ونيسانُ أقسى الشهورِ.. أحبُّ الشهورِ إليّْ
(5)
ضمِّديني بجيتارةِ الغجرِ الراحلينَ إلى أمسنا
بأعشابِ جسمي وجسمكِ
بالوَجعِ المتخفِّي كنهرِ الكلامِ الإباحيِّ
في لغةِ الشاعرِ المُتمرِّسِ
بالليلِ في مخدعِ الشمسِ يقتاتُ من شمسنا
(6)
لفتاتٌ وراءَ زجاجِ العبيرْ
لفتاتُ الغريبِ على ماءِ وجهي
تلوبُ كأنثى الطيورْ
لفتاتُ الغريبِ يشيِّعنَ قافلةً من حياتي
ويملأنَ قلبيَ بالأقحوانِ الكسيرِ النضيرْ
(7)
كلُّ ما في الرسومِ التي جسَّدتكِ
ظلامٌ بريءٌ جريءٌ ونورْ
كلُّ ما في دمائي التي عشقتكِ
هباءٌ مُضاءٌ يمورْ
(8)
أنتِ بنتُ الحياةِ ابنةِ الكلبِ
هذي الشقيَّةِ… من كنتُ أعطيتها
قمراً وغزالاً وصفصافتينِ
تضمَّانِ بعضَ رمادي
وأعطَتْ حناني ذئاباً بلا رحمةٍ
في ظلامِ النوايا
وقلبي خناجرَ مسمومةً بلعابِ الأفاعي
أنتِ بنتُ الحياةِ التي كلَّما صرتُ أعشقها
ضعفَ ما كنتُ في الأمسِ
روَّتْ ذوائبها بدموعِ انكساري
وشهقةِ ناري الأخيرةِ
والدمِ في أغنياتِ البراءةِ في عُرسِ قتلي
أنتِ بنتُ الحياةِ التي كنتُ أعطيتها
خاتماً.. وردةً من ضبابِ الأنوثةِ يوماً
فناشَتْ وفائي بأقذرِ نصلِ
(9)
وجهُ نيسانَ لي..
قلبُ نيسانَ للشعراءِ وللنرجسِ الصرفِ
أشعارُهُ للرياحِ المريضةِ
أزهارُهُ للبحارِ.. وأنهارُهُ العاشقةْ
لدَمي المتدفِّقِ في كلِّ أرضٍ
وفي كلِّ شعلةِ برقٍ
وراءَ انبهارِ الدجى مارقةْ
(10)
وجهُ نيسانَ لي.. ثمَّ لي… ثمَّ لي
ولمعنى البياضِ الأخيرِ
على شهقةٍ شاهقةْ
(11)
كانَ يكفي لكيْ أتأمَّلَ هذا الربيعَ
قصائدُ مغموسةٌ برذاذِ الضلوعِ
قصائدُ مرفوعةٌ كالنساءِ الوحيداتِ
أو كالبحيراتِ… حُبَّاً نبيَّاً
على هاوياتِ الصقيعْ

نيسان 2009


********
في مرتقى شفةٍ


(1)
شفتايَ نرجستانِ ظامئتانِ في قفرِ الخيالْ
قدمايَ قُبَّرتانِ ضائعتانِ في أبدِ الظلالْ
وهسيسُ ماءِ الصبحِ يصنعُ نشوتي الحُبلى بأنداءِ الجمالْ
(2)
يا شاعري الضلِّيلُ… يا غجريُّ يا جوَّابَ بحرِ السندبادْ
شُدَّ الشراعَ بما يجنُّ من العواصفِ أو يكادْ
فكنوزكَ السحرّيةُ الأسماءِ خلفَ جزيرةٍ خضراءَ
ما خلفَ البحارْ
وشعاعكُ الخمريُّ تشربهُ العيونُ الساجياتُ إلى القرارْ
(3)
يا أنتَ يا أحدَ الذينَ ذووا كزنبقةٍ بلا معنىً هناكْ
في مرتقى شفةٍ مراوغةٍ وشعرٍ كاسدٍ
إرمِ الشباكَ على الشباكْ
ما زلتُ ألمحُ من بعيدٍ… عبرَ قلبكَ من بعيدْ
حشداً من الأسماكِ غافيةً ترودْ
يا أنتَ يا قُزحاً تكسَّرَ أو تبعثرَ في دمي
كفمِ الحبيبةِ شعَّ من خللِ الضبابِ المستنيرِ
كأنَّما انفجَرَتْ رؤى الشعراءِ
ملءَ الكونِ عن أزهارِ نارنجٍ
وأجنحةٍ مضببَّةٍ.. وأنهارٍ مُلوَّنةٍ….
وعن فمها وراءَ البسمةِ العذراءِ يُرعشهُ ارتباكْ
(4)
ضحكاتها كذبٌ على قلبي
” أراكَ غداً…. أراكَ….”
تزمُّ خيطاً من نجومٍ ساهياتٍ في المُحالْ
ويزمُّني شفقُ اعتلالْ
ينسابُ في لغتي وفي رئتي كأطيافِ الزوالْ
(5)
بغرورها كسَرَتْ رؤى عينيكَ… قلبكَ…
أو خطى قدميكَ فوقَ طريقكَ الحافي كعاطفةِ الرمادْ
(6)
بغرورها كسَرَتْ بياضَ قصائدِ الصبحِ الربيعيِّ الجميلِ
وأنتَ من فزعٍ تُحدِّقُ في الرمادْ
(7)
عينايَ كالمطرِ الحزينِ تهوِّمانْ
عيناكِ كالقمرِ الحزينِ تهوِّمانْ
ودجايَ تثخنهُ الجراحُ وفي سمائكِ كوكبانْ
أحسستُ في غوريهما كلَّ ارتعاشاتِ الزمانْ
(8)
يا عطرَ كلِّ حمامةٍ هبَّتْ على جهتي
ويا ألقَ الخيولْ
ضاعَ الكلامُ القرمزيُّ فلستُ أدري ما أقولْ
والشهقةُ البيضاءُ بينَ يديَّ تهزأ بي
وأوراقي وأقلامي تراقبُ في ذهولْ
(9)
تبَّاً لوحيِ الشعرِ لا يسعُ الصراخَ ولا العويلْ
أتُرى تجفُّ الذكرياتُ
وحالُ أيامي وأحلامي تحولْ..؟
(10)
آهٍ من الحُبِّ الذي يمتدُّ بي كغمامةٍ
كصراخِ بوقٍ موجعٍ
كخطى النشيجِ على رمالِ هوايَ
من وجعٍ ومن ولعٍ يهيجْ
(11)
حُبِّي الذي يمتدُّ من أقصى المحيطِ إلى الخليجْ
(12)
وأنا بلا مغزىً وفي سأمٍ أُفتِّشُ عن نجومِ المستحيلْ
ضاعَ المَحارُ وضاعَ من كفيَّ وجهكِ والصليلْ
(13)
أوَّاهُ يا قصري الخرافيُّ الجميلْ
يا رحلتي عبرَ الزمانِ ودهشةَ السفرِ الطويلْ
سأظلُّ مثلَ السندبادِ بلا بلادٍ
طائراً في الأرضِ من منفىً إلى منفىً…
ويوصدُ دونيَ الصبحُ البهيجْ
باباً من اللعناتِ فرَّتْ منهُ كلُّ حمائمي
في منتهى ليلٍ يضرِّجهُ الضجيجْ
(14)
قلبي كخفقِ غزالةٍ ملءَ الفلاةْ
قلبي شعاعُ الشمسِ يصحو ثُمَّ يمتلكُ الحياةْ
وحنينُ فلاَّحٍ يُعانقُ فيكِ تربتَهُ الحبيبةْ
وعلى ثرى كفَّيكِ قبلةُ عاملٍ
في محجرِ النسيانِ في الأرضِ الغريبةْ
تتصوَّرينَ لهُ فيغمضُ مقلتيهِ
على طيوفٍ من لقاءٍ من تصابِ
يهواكِ حينَ يراكِ موتاً فوضويَّاً
مثلما يهوى صليبهْ
ويغيبُ في أبدِ الرجوعِ إلى ابتداءاتِ
التذكُّرِ والعذابِ
(15)
يا ليتني كنتُ اختصرتُ الأرضَ / سرَّكِ أنتِ
في الكفِّ الخضيبةْ
وشردتُ في المطرِ البهيرِ
نفضتُ من كِسَرِ السحابِ
عن وجهكِ المغسولِ بالصحوِ النقيّْ
أوَّاهُ يا قمري الذي طمروهُ ما بينَ
السنابلِ في الروابي
يا خنجرَ الريحانِ والحبقِ الذي
يحتلُّ خاصرتي كجيشٍ بربريّْ
(16)
هبطَ الظلامُ على خطاكِ وجرَّ كلكلَهُ عليّْ
وعلى الضحى في مقلتيّْ قلبي
فلم أرَ خُلَّبَ الأحلامِ فيكِ
وما طلعتِ ولو لثانيةٍ بلهفةِ مقلتيّْ
تحنو عليكِ زنابقُ الغيمِ الشفيفِ
فمن تُرى يحنو عليّْ..؟


********
لعلَّ أزهاراً ستُشرق


(1)
شِعري انسكابُ الشمسِ في دمها
انسكابُ النرجسِ البيتيِّ في شفقِ اليدينِ..
شذى سؤالْ
أبداً يُغمغمُ في النهاراتِ العصيَّةِ
مثلَ ماءِ اللحنِ في المزمورِ
يسكنُ كُلَّ أقواسِ المحالْ

(2)
شِعري بلا شفةٍ يُقبِّلُ عريَ ما في عريكِ الناريِّ
يلبسُ لونكِ المغسولَ بالأنداءِ
ينشرُ في حوافِ الليلِ عاطفةً على حبلِ الجمالْ

(3)
كُلُّ احتراقاتي على طرفِ الكلامِ
تضيءُ صمتكِ بالقناديلِ القتيلةِ والندى
كلُّ اندحاراتي تؤسِّسُ لانتصاركِ أنتِ
في هذا الوجودِ
على المغولِ القادمينَ من الجنوبِ
لسحقِ أفئدةِ الورودِ
وزهرِ نيسانَ الأخيرِ
وما يخطُّ الشاعرُ المشغوفُ فوقَ النهرِ من دمهِ
ومن عبثٍ سُدى

(4)
أنا ظلُّ ظلِّكِ في المدى
وأنينُ روحكِ وانهمارُ شذاكِ
فوقَ دمي غدا
وحصانكِ المحمومُ بالجمرِ السماويِّ
انتشارُكِ في مساماتِ الحياةِ
وفي متاهاتِ الردى

(5)
أستلُّ من حجرٍ نداءَكِ عسجدا
أستلُّ قافيةً تخاتلني وتقتلني وترفعني
على نظراتكِ الحيرى تهوِّمُ فوقَ غاباتِ السكينةْ
بغوايتي… وتضيءُ آفاقي التي انسدَّتْ
وأُطفئتِ النجومْ
فيها كأزهارِ السياجْ
والليلُ ساجٍ في ضلوعِ الكونِ..
في أقصى انتباهكِ للحفيفِ وللخريفِ
وقلبُكِ الأعمى وقضبانُ الحديدِ
وماءُ عينيكِ المُعذَّبُ والسياجْ
سجنوا طيورَ الحُبِّ فيَّ فلن تحومْ
أبداً ولن ترفو ضميرَكِ بالأشعَّةِ
ذاتَ فجرٍ أخضرَ القسماتِ
لن تغفو وراءَ خطاكِ ثانيةً
وتنشرَ ذلكَ الألقَ المُراشَ بها
على وجهِ المدينةْ

(6)
سأكونُ مثلَ رصاصةٍ بيضاءَ
تقرأُ سرَّ جسمَكِ في الهواءِ الطلقِ
كالإنجيلِ يقرأهُ الحواريُّونَ في دعةٍ حزينةْ

(7)
سأكونُ روحَ مدينةٍ أنثى انكسرتُ
على يديها مرَّةً كالعاشقِ الصوفيِّ
أضواءً حزينةْ

(8)
وسأجهلُ المعنى الذي تعنيهِ أنتِ
أعيشُ كالغجريِّ تيَّاهاً
بجيتاري وسوسنَتي.. وأحلامي وأوهامي
لعلَّ فراغَ ما في الروحِ
يصنعُ لي هنا أسطورتي
ولعلَّ أزهاراً ستشرقُ
من دمي أو فكرَتي

نيسان 2009