الرئيسية » مقالات » أدب اليهود العراقيين وثقافتهم في العصر الحديث

أدب اليهود العراقيين وثقافتهم في العصر الحديث

تتواصل دار المرتضى بالتعاون مع مكتبة مصر في رفد الساحة الثقافية وسد الفراغ الكبير في المكتبة العراقية في العلوم المختلفة لاسيما في إصدارها الأخير للأستاذ الدكتور طالب مهدي الخفاجي أستاذ الأدب العبري القديم في كلية اللغات /جامعة بغداد الموسوم بـ(أدب اليهود العراقيين وثقافتهم في العصر الحديث).
يؤكد الأستاذ المؤلف أن اليهود العراقيين خدموا الأدب العراقي والفن والثقافة خدمة كبيرة ولا يمكن لدارس الأدب العراقي في الحقبة بين الحربين أن يشيح بوجهه عن الشعراء والقصاصين الذين خدموا الأدب العراقي الذي يعده في حقيقته شعرا وقصة لا شعرا ونثرا. حيث كانت التيارات الثقافية لا تتعدى ثلاثة، الأول منها التقليدي ويمثل أكثر أدباء العصر والثاني ذو طابع رسمي أما الثالث فقد عملت على نشره البعثات التبشيرية والذي جرى على نمط المدارس الحديثة وكان هو المعول عليه في حمل الجديد إلى الأدب العراقي. وقد توزع الكتاب إلى خمسة فصول في اثني عشر مبحثا ضم الفصلان الأوليان نظرة تاريخية تناول فيها الأستاذ الوجود اليهودي في العراق في العهدين البابلي والآشوري ويهود العراق في عهدي العرب والإسلام وفي ضل حكم الأتراك وفي عهدي الاحتلال والحكومة العراقية. وتناول بفصلين منفردين كلا من القصة والشعر ممثلا لنماذج من أدباء كل لون منهما. فيما ختم كتابه بمباحث متفرقة تناول فيها الأدب الغير مطبوع والمجالس الأدبية والفن واللهو والطرب.
ويوثق الكاتب لأقدم وجود لليهود في العراق من خلال إشارات المؤرخين حول أقدم الحملات التي شنها الملك الآشوري(شليمنصر) على اليهود وحملة (سنحاريب) على مملكة يهوذا ، وأسر ملكهم في عهد (أسرحدون) ومن ثم دخول أورشليم من قبل (نبوخذ نصر)، وهذا يرجع الوجود الأول لهم إلى القرن الثامن قبل الميلاد. أما في الجزيرة العربية فقد انتشرت اليهودية فيها قبل الإسلام بوقت بعيد وعاش اليهود هناك بحال جيدة حتى ظهور الإسلام وتوسع الدولة الإسلامية التي جمعت أهل الملل والنحل على تباين مذاهبهم. أما بعد سقوط الدولة العباسية وضعف العراق وتعرضه للغزو الصفوي فلم يتعرض لليهود بسبب بذلهم الهدايا والأموال التي كان يحتاجها. وقد كان اليهود مرحـّبا بهم في دولة الأتراك في الوقت الذي قامت فيه قيامة أوربا عليهم وطردوا من اسبانيا فأصبحت بلاد الترك ميدانا واسعا لنشاطهم وصار بعضهم من رجالات السلطان وسفرائه. وفي القرن التاسع عشر تمتع اليهود بالحرية وأسسوا مدارس عامرة في بغداد والبصرة ، وعندما افتتح مجلس المبعوثين سنة 1876 أنتخب من يهود بغداد (مناحيم دانيال) فسافر إلى الأستانة وحضر جلساته، وقد عاش اليهود في حرية وأمان في الحقبة التي حكم فيها مدحت باشا وناظم باشا وازدهروا اقتصاديا حيث وقع حدثان مهمان هما إنشاء مدرسة الإليانس وافتتاح قناة السويس وتحول مجرى التجارة العراقية من الشرق إلى الغرب وربط ميناء البصرة بأوربا وبريطانيا الأمر الذي أفاد التجار اليهود كثيرا لاسيما بعد مجيء المصلح احمد مدحت باشا إلى بغداد وإقامته للمشاريع فلعبوا دورا كبيرا في توطيد مالية العراق حتى كان أول وزير للمالية سنة 1920 هو (ساسون حسقيل) الذي وضع ميزانية الدولة الأولى وأنظمة الضرائب ، وساهموا في ضع العملة العراقية وتأسيس غرفة التجارة وغيرها من المؤسسات الاقتصادية العامة وتطوير النشاطات التجارية والزراعية وتأسيس البنوك التي كان معظم موظفيها من الشباب اليهود. وبعد نشوب الحرب العالمية الأولى اشتدت الأزمة عليهم كلما هبط سعر الأوراق المالية وألقت الحكومة القبض على عدد منهم قبل الاحتلال ونكلت بهم. وقد استفاد اليهود كثيرا إثناء السيطرة البريطانية على العراق حيث لعبوا دورا بارزا في حقل الخدمات الحكومية والتجارة، ويعود ذلك إلى معرفتهم باللغات الأجنبية، وقد تعزز وضعهم بعد الاستقلال وشغلوا مراكز رسمية واعتبر يهود العراق أنفسهم عبر العهود عراقيين خلاف الصهيونيين في أوربا الذين اعتبروا اليهودية قومية ، وكان ذلك سبب الفتنة التي حملتهم على الهجرة إلى فلسطين.ولقد كانوا يتمتعون بحقوق المواطنة التي كفلها لهم الدستور العراقي لسنة 1920 بما فيها حق التعليم والتمثيل البرلماني وقد صدر عام 1931 القانون رقم 77 الخاص بالطائفة اليهودية ، أما الحياة الحزبية فكان إسهامهم فيها ضعيفا ما عدا الحزب الشيوعي. وقد نشأت نهضة تعليمية يهودية نظمت مناهجها على غرار المدارس الأوربية وكانت المدارس ذات أوقاف خاصة وأخرى بدون أوقاف.
وتحدث الأستاذ في الفصل الثالث عن الشعر قائلا أن التوراة والميثولوجيا السومرية والبابلية القديمة والعربية في العهود الأموية والعباسية والعثمانية والعصر الحديث قد شكلت لدى غالبية الكتاب والشعراء اليهود خلفية ثقافية أصيلة ومباشرة لكتاباتهم ، ويلاحظ أنهم قد مروا بمرحلتين الأولى الرومانسية المتأثرة بالأدب الأوربي والثانية الواقعية التي عالجت المشاكل الاجتماعية والسياسية وإبراز روح المواطنة العراقية في وجه المد الصهيوني. وهكذا فقد شاركوا في الحياة الثقافية وأصدروا الصحف والمجلات ( مجلة المصباح والحاصد)وكتبوا نتاجهم باللغة العربية ومن أبرزهم الأديب مير بصري والشاعر أنور شاؤول ومراد ميخائيل ويعقوب بلبول وسالم درويش وأخوه سلمان وإبراهيم يعقوب وعبيده وسالم الكاتب وسالم قطان. وقد اختار شاعرين قام بدراستهما وتسليط الضوء على نتاجهما الأدبي هما أنور شاؤول والدكتور مراد ميخائيل. فالأول وهو أنور شاؤول شاعر وقاص ومحام ولد في الحلة عام 1904 واستقر في بغداد ، زاول المحاماة وأصدر مجلة الحاصد الأسبوعية ، غادر العراق في 1971 وتوفي عام1984 ، له مؤلفات كثيرة كان من أبرزها قصة الفلم السينمائي (عليا وعصام)، كما قام بنظم قسم من ملحمة کلکامش شعرا ، وترجم بعض الأعمال الأدبية ، حتى عده المهتمون بالقصة من رواد القصة الحديثة ، وتظهر على شعره مسحة إنسانية وعذوبة ورقة ووفاء للوطن ومن المسارات البارزة في تاريخه قصيدته التي ألقاها في مؤتمر أدباء العرب 1969 التي قال فيها( قلبي بحب بني العروبة يخفق / وفمي بضادهم يشيد وينطق) فقد كان يرى أنه عراقي وعربي في آن واحد وعقيدته يهودية ولم يجد سببا لتغيير هويته العراقية بهوية أخرى. وقد تنوعت أغراضه الشعرية فمن الرومانسية إلى الغزل ومن الرثاء إلى المدح حتى إنه كان لا يؤمن أن للشعر مدارس، أما المؤلف فيعتقد أنه ينتمي إلى المدرسة الانتقالية التي تجمع بين أسلوب الشعر العمودي وأوزان الموشحات وتعدد القوافي. لم يترك شاؤول وطنه إلا في عمر الشيخوخة بعد تعرضه للضغوط.
أما الدكتور مراد ميخائيل فقد ولد في بغداد 1906 واشتغل في سلك التعليم حتى أصبح مديرا لعدة مدارس ثم درس الحقوق ورحل إلى طهران لإدارة المدرسة العراقية هناك ثم إلى باريس وفلسطين مشتغلا بالصحافة ونال شهادة الماجستير في العربية والحضارة الإسلامية ثم الدكتوراه في عام1965 واشتغل بتدريس العربية في يافا ومحاضرا في الجامعة. كان ميالا للدب منذ الصغر وقد اخذ ينشر مقالاته وشعره تحت اسم( نزيل الشرقاط ) وقد غلب على شعره طابع الحزن والأسى وبعده عن الجمل المعقدة متأثرا بأدباء المهجر .
نشر مجموعتين شعريتين وألف تاريخ الأدب العربي في ثلاثة أجزاء.توفي في العام 1986. وقد قدم الأستاذ الدكتور مقارنات جميلة وتحليلات لمواضيع شعرية عند مراد ميخائيل مع شعراء آخرين من جملتها فلسفة طاغور ودرويش الشعر المهجري وشيطان الشاعر الفرنسي (الفرد ديس فيني).
وتحدث الكاتب من جديد عن أنور شاؤول في الفصل الخاص بالقصة معتبرا إياه من أوائل المهتمين بها ، وقد كان مولعا بالقصص ذات الحوادث المفجعة ذات المضامين الاجتماعية والسياسية والأدبية والغرامية والخيالية وهي على العموم لا تنطوي على ناحية فنية رغم قيمتها التاريخية الكبيرة على رأي الدكتور عبد الإله أحمد . أما شالوم درويش فقد ولد في ميسان وانتقل إلى بغداد ونال شهادة الحقوق عام 1938 وشارك في الحياة السياسية والأدبية حتى أصبح عضوا في مجلس النواب ، وبعد حرب 1948 نزح إلى فلسطين متسللا عبر إيران ليعمل في الصحافة ويواصل عمله الأدبي بعد الانقطاع. تميزت قصصه بالمبالغة في الوصف واعتنائه باختيار شخصيات من الحياة وتصوير عالمها الداخلي ، وهي غالبا ما تكون محبطة وهامشية، ومن أبرز مجاميعه القصصية (أحرار وعبيد) و مجموعة (بعض الناس).
أما الأديب(مير بصري) فقد ولد في بغداد 1911 ودرس اللغة العبرية والاقتصاد والأدب العالمي وتاريخ العراق والعروض، وبدأ بنظم الشعر باللغتين العبرية والفرنسية ما لبث أن تحول إلى العربية ، ويعتبر مؤلفه (أعلام اليهود في العراق الحديث) الأول من نوعه في اللغة العربية كونه كتبه عن شخصيات عاشرها وعرفها عن كثب وترجم لها بصدق وموضوعية . بدأ (مير بصري) بنشر نتاجه الأدبي في الصحف والمجلات ثم قام بنظم العديد من الملاحم الشعرية ، وقد نظم شعرا بأغراض متعددة ، ومن أبرز شعره قصيدته (يهودي في ظل الإسلام) التي يقول فيها (إن كنت من موسى قبست عقيدتي / فأنا المقيم بظل دين محمد، وسماحة الإسلام كانت موئلي / وبلاغة القرآن كانت موردي، ما نال من حبي لأمة أحمد / كوني على دين الكليم تعبّدي).هذا وله مؤلفات عديدة في مختلف الاختصاصات.
وقد تضمن الفصل الأخير جهدا متميزا وثق الأستاذ من خلاله لأدباء لم يطبعوا نتاجهم الشعري والقصصي، كما تحدث في مبحث منفصل عن المجالس الأدبية التي تقيمها الأسر الغنية في دورهم وهي ملأى بالمنادمة والسمر وتحضرها شخصيات أدبية وسياسية تضفي عليها جوا من الروعة والفائدة .
كما أشار في مبحث آخر إلى مجالس الفن والطرب واللهو واهتمام اليهود بالغناء وخاصة المقام العراقي والعزف على الآلات الموسيقية، حتى إن جوقة المطرب محمد القبنجي التي اصطحبها معه إلى القاهرة عام 1932 كان جميع أفرادها من اليهود، ومن ابرز المغنيات في العراق سليمة مراد وهي يهودية، وكذلك كان صاحب أقدم دار سينما يهوديا.

التآخي